الفصل (76) ولدت من جديد: هوس الدوق,
## الفصل السادس والسبعون: كيمياء المؤامرة والوشم المتلاشي
بدأت «ديليا» تشعر بنوع غريب من السلام والسكينة داخل المقر السكني الخاص بالدوق؛ وهو منزل بدأ يشعرها بالانتماء أكثر مما فعل قصر عائلة (إلينغتون) طوال حياتها.
ولكي تمنع عقلها من الانزلاق في دوامة القلق والوجل بشأن المستقبل، لجأت إلى الملاذ الوحيد الذي تفهمه وتتقنه حقاً، المهارة الوحيدة التي تنتمي إليها بلا شك.
صناعة الأصباغ.
توجهت إلى الجزء الخلفي من المنزل، حيث تقبع غرفة صغيرة منفصلة وسط حدائق القصر الفسيحة؛ لقد كان هذا المختبر السري والخاص بـ «إريك» لصناعة الأصباغ، والذي اعتاد ارتياده باستمرار كلما رغب في إجراء تجاربه الكيميائية. وبمجرد أن وطئت قدمها عتبة الغرفة، تملكتها حالة من الهدوء النفسي. كان المكان منظماً ونظيفاً للغاية، لكنه في الوقت ذاته كان مساحة مفعمة بالإبداع والخلق؛ حيث اصطفت على الرفوف برطمانات زجاجية مليئة بمساحيق الصبغات بشتى الألوان التي يمكن للمرء تخيلها—من النيلي الداكن، والأحمر الفاقع المستخلص من فوهة الفوة، إلى ألوان الزعفران الأصفر الدافئة كأشعة الشمس. وضمت طاولة العمل الكبيرة هاونات ومداق حجرية، وحاويات زجاجية، وموازين صغيرة مخصصة للقياسات الدقيقة. لقد كان المكان بمثابة جنة حقيقية للحرفيين.
عثرت ديليا على إحدى مآزر العمل (المريلة) الخاصة بإريك معلقة على أحد الخطافات، فرفعتها وربطتها حول خصرها. كانت المئزرة فضفاضة وكبيرة جداً عليها، لكنها لم تبخر بذلك اهتماماً. جلست خلف طاولة العمل وبدأت في ممارسة مهاراتها؛ كانت تحاول الوصول إلى لون محدد وبالغ الصعوبة—لون الخزامى (اللافندر) الناعم والساحر الذي يشع بلمحات فضية براقة. لقد كان لوناً طالما حلمت به، لوناً سيكون فريداً ولا مثيل له في (ألبين) بأكملها.
بدأت أولاً بطحن زهور الخزامى المجففة وخليط سري من المعادن تحولها إلى مسحوق ناعم وباهت باستخدام هاون ومدقة حجرية ثقيلة. وكان صوت الطحن الرتيب والمنتظم يبعث في نفسها الراحة والسلام، خاصة وأنه لا يوجد أحد هنا يستعجل خطوتها. بعد ذلك، قامت بقياس المسحوق بدقة وخلطته بالماء الدافئ داخل وعاء زجاجي، وراحت تقلب الخليط بتمهل حتى تحول إلى معجون ناعم وفواح الرائحة.
أما الخطوة التالية فقد كانت الأكثر صعوبة وتعقيداً: إضافة المادة المثبتة (مادة الترسيخ). كانت هذه المادة الكيميائية هي المسؤول الأول عن دمج وتثبيت اللون في نسيج القماش، وكان لا بد أن يكون التوازن فيها مثالياً ومطلقاً؛ فلو زادت كمية مادة الشَبّ (Alum) بقليل، فسيتحول اللون إلى رمادي باهت وميت، ولو نقصت، فستزول الصبغة تماماً بمجرد الغسيل.
أضافت رشة صغيرة من مسحوق الشَبّ الأبيض، وقلبت الخليط مجدداً، ثم غمست شريطاً صغيراً من الحرير الأبيض داخل المزيج. حبست أنفاسها وهي تسحب الشريط للخارج، لكن خيبة الأمل اعتصرت قلبها؛ فاللون كان خاطئاً تماماً، لقد بدا أرجوانياً رمادياً مسطحاً ومطفأً، بلا حياة ولا بريق.
وبتنهيدة مليئة بالإحباط، ألقت بالشريط جانباً وبدأت العمل من جديد، معدلةً نسب المقادير. وحاولت مرة، ومرتين، وثلاثاً، وفي كل مرة كانت النتيجة تنتهي بالفشل الحتمي.
تارة يظهر بلون بني طيني، وتارة بلون ليلكي ضعيف وباهت كالماء، وتارة تظهر درجة تقارب ما تبغيه لكنها تتحول إلى أصفر سقيم ومريض بمجرد أن تجف. ومع كل محاولة فاشلة، كان إحباطها يزداد ويتعاظم.
ومع إنهاك عقلها واشتداد توترها، بدأت أفكارها تشرد بعيداً؛ فقفزت إلى مخيلتها فجأة صورة «جورج بيمبروك» وهو يقف ذليلاً والدماء تكسوه أمامها، وتردد صدى كلماته الأخيرة والمليئة بالحقد في مسامعها:
*«لكنني لا أعلم إن كان بمقدوركِ تذوق طعم السعادة يوماً ما»*.
نظرت ديليا إلى أسفل نحو أكمامها المرفوعة، وتأملت البشرة الرقيقة لمعصم يدها اليسرى. كان وشم برعم الورد يشخص إليها، ك تذكير صامت ودائم بمصيرها؛ فقد اختفت بتلة أخرى من الوشم هذا الصباح. وبدأ البرعم يبدو شحيحاً وخاوياً الآن، كشيء هش لم يتبقَ منه سوى بتلات قليلة مغلقة بإحكام. باتت على يقين تام بأنها تملك أقل من عام واحد للبقاء؛ ثمانية أشهر أو تسعة، من يعلم؟ فأطلقت ضحكة قصيرة وجافة خالية من أي مرح.
وسألت نفسها بصوت خافت بينما تسمرت يداها عن العمل: "السعادة؟ وهل أنا بحاجة أصلاً إلى السعادة؟" كل ما كانت تبتغيه طوال حياتها هو أن تكون آمنة، ومحترمة، ومحبوبة؛ لكنهم سلبوها حتى هذا الحق البسيط. والآن، لم يعد يسكن جوفها سوى رغبة عارمة في الانتقام.
وفكرت برضا بارد: *«المرحلة الأولى قد اكتملت بنجاح حاسم»*. تم حطام حلم «آن» بالكامل، وسُلب منها الشيء الوحيد الذي كانت ترغب فيه أكثر من أي شيء آخر في هذا العالم. هذا الجزء قد انتهى بالفعل؛ فـ (آن) الآن امرأة مكسورة البنيان، مجرد نسخة باهتة وممسوخة من تلك الفتاة الحيوية والقاسية التي كانت عليها ذات يوم، و«إريك» بات ملكاً لي بالكامل. وستبدأ المرحلة الثانية قريباً جداً، وتتمثل في توطيد مكانتها الشخصية، وجعل زواجها من الدوق حقيقة راسخة لا تقبل الجدال أو الطعن.
وفي تلك اللحظة، قطعت حبل أفكارها المظلمة طرقة مهذبة وهادئة على باب المختبر جعلتها تلتفت جافلة؛ لقد كان السيد «راي» يقف عند عتبة الباب، ممسكاً بيده مظروفاً ورقياً أنيقاً وجديداً.
انحنى باحترام وقال: "سيدتي، لقد قام أحد الرسل (البريد السريع) بتسليم هذا الخطاب لكِ للتو".
مسحت ديليا يديها الملطختين بآثار الأصباغ في مئزرها، وتسلمت الرسالة قائلة بصوت ناعم: "شكراً لك، سيد راي".
انحنى مجدداً وغادر المكان، مغلقاً الباب خلفه بهدوء، ليتركها وحيدة وسط عزلتها مرة أخرى.
تأملت ديليا المظروف؛ كان مختوماً بشعار الشمع المألوف لعائلة (كارسون). فضت الختم بحذر وبسطت الورقة، لتتعرف فوراً على خط اليد الأنيق والبارز:
> ليدي ديليا،
> آمل أن تجدكِ رسالتي هذه في تمام الصحة والعافية. يجب عليّ أن أكرر اعتذاري مجدداً لعدم تمكني من حضور اجتماعنا المحدد في المرة الأولى. وأنا أدرك تماماً أنكِ لا ترغبين في التقائي، ولكنني لا زلتُ راغباً وبشدة في الحديث معكِ ومناقشتكِ. ولقد سمحتُ لنفسي بطلب ترتيب زمان ومكان محددين في نهاية هذا الأسبوع، وتحديداً غداً بعد الظهر، إذا كان ذلك يناسبكِ ويتوافق مع رغبتكِ. سيكون لقاؤنا في نزل (جراند ألبين) الواقع على الطريق المرصوف بالحصى؛ وهو مقر هادئ ويتميز بالخصوصية والسرية التامة.
> أنا في تطلع تام للتعرف عليكِ عن قرب.
> المخلص لكِ،
> الدوق فيليب كارسون.
>
طوت ديليا الرسالة ببطء، وشعور عارم بالقلق وعدم الارتياح يستقر في أعماق جوفها. إذن، هو لا يزال مصراً على الالتقاء بها حتماً! وبعد الطريقة التحذيرية التي وجهها له إريك عبر الرسائل السابقة، والكلمات الصارمة التي قيلت في آخر لقاء بينهما، اختلط فضولها الآن بجرعة ثقيلة من الخوف الوجل. ما الذي يريده هذا الرجل منها حقاً؟ ولماذا يستميت ويصر بهذا الشكل المريب على مقابلتها؟
كانت تدرك بداهة أنه يتعين عليها إبلاغ إريك بالخطاب فوراً؛ غير أن رغبتها العنيدة في إدارة الأمور بمفردها وحل مشاكلها بذاتها منعتها من ذلك. قامت بدس الرسالة بعمق داخل جيب مئزرها وعادت إلى عملها مجدداً، بينما بات عقلها الآن غائباً وبعيداً كل البعد عن كيمياء الألوان، غارقاً في كيمياء أكثر خطورة وفتكاً... كيمياء عائلة كارسون.

تعليقات
إرسال تعليق