الفصل (75) ولدت من جديد: هوس الدوق,
## الفصل الخامس والسبعون: السم الزعاف
كانت الغرفة الخاصة داخل ذلك النزل الهادئ خافتة الإضاءة، يعبق هواؤها برائحة الشاي الساخن وهمسات الزبائن المنبعثة من بعيد. وعلى الطاولة الفاصلة بين «البارونة أوغوستا» و«الدوق فيليب»، استقرت صينية وحيدة تحمل إبريقاً وكوبين من الشاي. كان الجو العام مغلفاً ببراعة بوقار رسمي مصطنع، يخفي خلفه الغرض الحقيقي الخطير لهذا اللقاء.
بدأت أوغوستا الحديث بنبرة ناعمة وحريرية وهي تجلس في مواجهته: "كن صادقاً معي، يا صاحب الفخامة... أنت لا تتمنى حقاً السعادة والنجاح لهذا الزواج، أليس كذلك؟"
ارتسمت على شفتي فيليب ابتسامة باردة ومهذبة لم تصل إلى عينيه الجافتين، وارتشف رشفة بطيئة من شايِه قبل أن يجيب بنفس النبرة السلسة: "ولماذا لا أتمنى ذلك؟ إنه زفاف شقيقي العزيز إريك على أية حال؛ ومناسبة تستدعي الاحتفال لعائلة (كارسون) بأكملها".
لكن ابتسامة أوغوستا كانت تحمل معنى آخر يوحي بالمعرفة: "بالطبع. ولكنني أطلتُ التفكير، وأدركتُ أن هذا الترتيب والاتفاق لن يكون مثالياً أو في مصلحتك، خاصة من موقعك كرئيس وموجّه لهذه العائلة".
وضع فيليب كوبه أرضاً، ولمحت عيناه ومضة من الانزعاج المفاجئ: "لا أعلم ما الذي يمكن أن يكون شقيقي إريك قد اقترفه ليزعجكِ أو يثير استياءكِ أيتها البارونة. ولكن بما أنهما سيتزوجان، فإنني آمل حقاً أن تحاولي تقبله ومحبته من أجل مصلحة ابنتكِ وسعادتها". ثم استند إلى الخلف في مقعده مسترخياً، ليوجه تلميحها ضدها مجدداً: "أليست هذه فرصة رائعة لعائلة (إلينغتون)؟ للحصول على صهر جيد ومناسب للغاية، حسبما أظن".
اعترضت أوغوستا مسرعة، رافضة أن توضع في موقف الدفاع: "حتى لو كان هذا الاتفاق يحمل العكس تماماً بالنسبة لك يا صاحب الفخامة؟ حتى لو كان بمثابة خنجر يرتد ليطعنك في ظهرك؟"
تنهد فيليب وقد بدأ صبره ينفد ويتلاشى: "ما الذي تريدين قوله حقاً أيتها البارونة؟ دعونا لا نضيع فتره بعد الظهيرة في التلاعب بالكلمات وتزويقها. ادخلي في صلب الموضوع مباشرة".
اتسعت ابتسامة أوغوستا؛ فهذه هي الثغرة والفرصة التي كانت تنتظرها بفارغ الصبر. مدت يدها داخل حقيبتها الصغيرة وأخرجت تلك النشرة الورقية الهشة والمتداولة لأخبار النميمة التي سلمها لها السيد «بريسكوت» سابقاً، وألقتها على الطاولة دافعة إياها نحو جانبه: "ألقِ نظرة على هذا".
التقط فيليب الورقة بملامح يكسوها الاشمئزاز، وقرأ العنوان المثير والفضائحي المكتوب حول جدته والبارون «إدغار».
أوضحت أوغوستا بصوت منخفض وماكر: "حماي، البارون إدغار، قام بتسليم هذا القدر الهائل من الذهب إلى الدوقة الأرملة. وإذا كانت ذاكرتي تسعفني، فقد كان المبلغ... **مليون عملة ذهبية كاملة**". ونطقت الكلمات الأخيرة ببطء شديد لتؤكد على ضخامتها.
رفع فيليب عينيه عن الورقة، وعقد حاجبيه بذهول: "ما هذا الهراء؟"
أجابت أوغوستا: "أوه، إنها القصة التي كانت على وشك أن تُهمس في كل صالون ومتجر شاي في المملكة بأكملها، لكن عائلة كارسون تدخلت ومنعت انتشارها. إنها قصة كيف جثا حماي على ركبتيه، مدفوعاً برغبة مستميتة لتأمين هذا الزواج لحفيدته المحبوبة، وتوسل إلى الدوقة الأرملة لتقبل بالصفقة".
ثم انحنت إلى الأمام، وهبط صوتها إلى همس ثعلبي: "وفقاً لمصدري الموثوق الذي كان متواجداً في قلب الحدث، كانت كلماته الدقيقة هي: *«سأعيد كل الأموال التي سرقتها منكِ... فقط أرجوكِ، دعي حفيدكِ يتزوج من حفيدتي»*". ثم تراجعت إلى الخلف مقعدها، تاركة الكلمات الفضائحية تتوغل في عقله، منتظرة مراقبة رد فعله.
تحولت تعابير فيليب من الحيرة والارتباك إلى الاشمئزاز التام: "ماذا؟"
تابعت أوغوستا، مستغلة التوقيت المثالي لصالحها: "وهناك المزيد أيضاً". وأخرجت دفتر الحسابات (الدفتر التجاري) الذي سلمه لها بريسكوت، والذي يحتوي على سجلات معاملات البارون إدغار واستثماراته السرية، وقدمته له. التقط فيليب الدفتر، وحركاته الآن أصبحت حادة ومحتقنة بالغضب. فتح الكتاب وراح يقلب الصفحات بسرعة، وتمر عيناه عبر الأعمدة المنظمة التي تفصل استثمارات ضخمة ومجهولة المصدر.
سأل بصوت متحشرج وضيق: "ما هذا؟"
أجابت أوغوستا بهدوء تام: "إنها قائمة باستثمارات جد صهرك المستقبلي... استثماراته الضخمة للغاية والسرية للغاية في مشروع الأصباغ المتخصصة التابع لـ «الليدي ديليا»".
ضرب فيليب الدفتر بقوة على الطاولة ليدوي صوت ارتطام عالٍ، وتصدعت أخيرًا هيبته الباردة والمصطنعة، واشتعلت نيران الغضب في عينيه، وتساءل بحدة: "وكيف يعنيني أو يمسني أي من هذا الهراء؟"
ابتسمت أوغوستا، شاعرة بانتصار عارم لرؤية رد الفعل العنيف الذي بذلت قصارى جهدها لاستفزازه: "حماي"، بدأت حديثها بنبرة مدروسة وتحليلية دقيقة، "أنفق قدراً هائلاً من الأموال لإتمام هذا الزواج. وهو ليس من نوع الرجال الذين ينفقون أموالهم دون أن يتوقعوا الحصول على مكاسب أضعاف ما دفعوه في المقابل". ونظرت إليه بحذر: "لكي ينفق مليون عملة ذهبية بالإضافة إلى مبالغ أخرى غير مدونة هنا، فإنني أتساءل حقاً عن حجم الثروة والنفوذ الذي يخطط لجلبه والاستيلاء عليه".
تركت التلميح والشك يحلق في الهواء لبرهة ليتشربه عقله.
"وهناك شيء أكبر بكثير يمكن كسبه من وراء هذا الزواج، أبعد من مجرد اتحاد بسيط بين شخصين".
سأل فيليب بنبرة أشبه بالزئير المنخفض: "إذن، ما هو هذا الشيء؟"
ارتشفت أوغوستا رشفة بطيئة أخرى من شايها، وعيناها تراقبان تقلبات وجهه من فوق حافة الكوب: "أنا لا أعلم على وجه اليقين"، قالت متظاهرة بالجهل التام، "ولكن ما هو الشيء الوحيد الذي تثمنه وتُقدره أكثر من أي شيء آخر؟ الشيء الوحيد الذي أفنيت حياتك وعملت بجد واجتهاد لحمايته والدفاع عنه؟" صمتت لبرهة قبل أن تفجر مفاجأتها: "ربما تكون... **مؤسسة كارسون للمنسوجات**؟"
راقبت عينيه وهما تضيقان بحدة، حيث بدأت بذور الشك والريبة تضرب جذورها في أعماق عقله.
وتابعت بنبرة مسمومة: "ماذا لو كان جد صهرك الجديد، هذا المستثمر النافذ والغامض، يعمل سراً بالتعاون مع شقيقك إريك؟ ماذا لو لم تكن خطتهما مجرد دمج أعمالهما التجارية معاً، بل الاستيلاء الكامل على مؤسستك وإقصائك؟"
أطلق فيليب ضحكة حادة وخالية من أي مشاعر أو مرح. حدق في دفتر الحسابات المستقر على الطاولة، وفي الأدلة الدامغة على وجود تحالف سري وخفي لم يكن يعلم عنه شيئاً. ثم توقف عن الضحك فجأة، وتحولت ملامحه لتصبح أكثر جدية، وأكثر خطورة وتوعداً.
لقد بدأ يفكر في الأمر بعمق، ويربط الخيوط والاشتباهات التي نسجتها له أوغوستا ببراعة فائقة.
اهتمام إريك المفاجئ بإدارة أعمال العائلة... وعناده وتممرده الأخير في اجتماع المجلس... وهذا الداعم السري الثري الفاحش... كل هذه الخيوط بدأت تتجمع لتشكل صورة مظلمة ومتماسكة في ذهنه.
ارتشفت أوغوستا رشفة أخيرة من الشاي، وارتسمت على شفتيها ابتسامة نصر خفيفة. لقد نجحت بالفعل في زرع السم الزعاف داخل عقله؛ والآن، كل ما يتبقى عليها فعله هو الانتظار بدم بارد حتى ينتشر السم ويدمر كل شيء.

تعليقات
إرسال تعليق