الفصل (72) Garden of may_حديقة مايو,
## حديقة مايو - الفصل 72
بعد أن عاد إلى مظهره كرجل مهذب ونبيل، أشار بطرف ذقنه نحو حقيبة ورقية مغلفة، كان قد اشتراها مسبقاً كهدية لها.
ألقى بمنديله المتسخ في سلة المهملات، ثم التفت "ريفر روس" وهو يمسك بالستار الفاصل وكأنه تذكر شيئاً للتو، وقال لها بنبرة هادئة ونصيحة رقيقة:
— "لا ترتدي ذلك المشد المتعب مجدداً."
دخلت صاحبة المتجر وقالت لـ"فانيسا":
— "لقد أصلحنا القميص والتنورة وهما بالداخل، ويمكنكِ ارتداء الفستان الآن."
تعجبت فانيسا وسألت: "ماذا؟"
أجابت صاحبة المتجر بابتسامة ودودة:
— "لا تقلقي بشأن التكلفة، فالرجل النبيل الذي كان معكِ قد دفع ثمن كل شيء. لقد ترك لي دفتر شيكاته قبل أن يصعد إلى الأعلى، وقال إنه سيشتري كل ما تنظرين إليه، أو تلمسينه، أو ترتدينه. لكني احتسبت ثمن المجوهرات بشكل منفصل لأنها لم تكن مشمولة."
الآن فقط فهمت فانيسا سر تلك الابتسامة الغريبة التي كانت على وجه المرأة، وسبب لطافتها المفاجئة. وبإشارة من صاحبة المتجر، بدأ الموظفون يحملون صناديق مغلفة وحقائب كثيرة ويضعونها عند قدمي فانيسا.
نظرت فانيسا بذهول إلى كومة الأشياء المتراكمة أمامها، وكانت هناك أشياء أخرى لم تُفتح بعد؛ من قبعات ومظلات وملابس قطنية مزينة بالدانتيل الناعم الذي لم ترَ مثله من قبل.
قالت صاحبة المتجر بلطف عندما رأت دهشتها:
— "إذا كان حملها ثقيلاً عليكِ، يمكنكِ تركها هنا وأخذ ما تحتاجينه كلما خرجتِ."
هزت فانيسا رأسها محاولة استعادة هدوئها وقالت:
— "لا بد أن هناك خطأ ما."
— "الرجل لم يخطئ، فقد استخدم شيكاً صادراً عن القوات البحرية."
— "لكنني... لا أحتاج إلى كل هذه الأشياء."
— "يبدو أنه رأى أنكِ بحاجة إليها، ولو من أجل الحفاظ على وجاهته ومظهره."
لمحت فانيسا نظرة عطف مشوبة بالتعالي في عيني المرأة، التي تابعت كلامها بنبرة هادئة وكأنها تنصح فتاة قليلة الخبرة:
— "قد تجدين الأمر مبالغاً فيه لأنها المرة الأولى لكِ... لكن هذا يحدث كثيراً. رجال الجيش تحديداً يميلون إلى الإنفاق ببذخ. نصيحة مني يا عزيزتي، في مثل هذه العلاقات، من الأفضل أن تقبلي كل ما يُعرض عليكِ."
ردت فانيسا بحزم: "علاقتنا ليست من هذا النوع."
ضحكت المرأة ضحكة خفيفة ومريرة، وقالت وهي تنظر إليها:
— "لا تتعلقي كثيراً برجل يمر في حياتكِ لفترة مؤقتة."
تسمرت فانيسا في مكانها، ولم تدرِ أتبكي أم تضحك. وخلافاً لظنون المرأة، لم تكن فانيسا تعتقد يوماً أن علاقتها بهذا الرجل ستدوم للأبد.
فمنذ البداية، كان ما بينهما مجرد اتفاق مؤقت لمصلحة مشتركة، عقد بين طرفين متساويين يقدم فيه كل طرف ما عليه. لم تكن امرأة ساذجة تخلت عن مبادئها مقابل وعود زائفة من جندي عابر.
لكنها أدركت الآن أن هذه هي الطريقة التي يرى بها الجميع موقفها، وشعرت بضيق في صدرها وهي تفكر في النظرات والشكوك التي ستلاحقها حتى بعد أن تنتهي هذه العلاقة.
خرجت فانيسا من المتجر مسرعة وتوجهت نحوه بخطوات غاضبة. عندما رأى إصرارها، سارع "ثيودور" إلى إطفاء سيجارته وتبديد دخانها. لكنها اقتربت وعيناها تشتعلان ضيقاً، وقالت له مباشرة:
— "ألغِ الأمر."
سألها بهدوء: "ألغي ماذا؟"
— "تلك الملابس والأشياء. أنت من اشتراها كلها، أليس كذلك؟"
أشارت بغضب نحو المتجر، حيث ظهرت من وراء الزجاج صناديق وحقائب تكاد تملأ المكان وكأنه اشترى المحل بأكمله.
نظر ثيودور إلى المتجر لبرهة مذهولاً، ثم التفت إليها. لم تبدُ عليها أي علامات سعادة، بل كانت وجنتاها محمرتين شعوراً بالإهانة وليس بالفرحة بسبب الهدية.
قالت له: "هذا كثير ومبالغ فيه."
أجابها: "إنه مجرد متجر صغير وبسيط في الريف."
— "أرجوك يا ريفر..."
— "الامر لم يكن مكلفاً، وأنتِ بحاجة إلى هذه الأشياء على أي حال."
سكتت فانيسا وعجزت عن الكلام لفضاعة الفارق بينهما؛ فهذا المتجر الذي بدا لها كأنه عالم فاخر لا تملكه، لم يكن يعني له شيئاً على الإطلاق. بل إن "ريفر روس" بدا متذمراً قليلاً من اعتراضها، مما جعلها تشعر بالصغر.
تابعت قائلة بصوت منخفض:
— "لكنه مال كثير بالنسبة لي. ولم أسمع قط أن عائلة روس ثرية إلى هذا الحد."
— "ضباط البحرية يتقاضون رواتب جيدة تكفيهم للعيش الكريم."
— "وهل تكفي لهذا البذخ؟"
— "ألم تقولي سابقاً إن المال ليس الأهم عندكِ؟"
— "بل هو مهم في مثل هذه المواقف. أرجوك ألغِ الشراء الآن."
تنهد ثيودور بقلة صبر ومرر يده في شعره الذي يطايره الهواء، ونظر إليها بعينيه الزرقاوين الصافيتين كالبحر، وقال بنبرة يملؤها عدم الفهم:
— "لماذا أنتِ غاضبة هكذا فجأة...؟"
😅🥰 شخص متلوا بعدين أموت

تعليقات
إرسال تعليق