الفصل (71) قريبة جداً



## رواية مدفأة فراش الدوق

### 

كانت أصداء أحداث الليلة الماضية لا تزال تتردد في أرجاء القصر. وعندما دخلت "ألينا" إلى القاعة الكبرى، تغيرت الأجواء تماماً.

لم يعد أحد في القصر يعرف كيف يحدد مكانتها أو يتعامل معها، لكن شيئاً واحداً كان واضحاً للجميع: لم تعد ألينا الشخص الذي يمكن معاملته باستهزاء أو قسوة بعد الآن.

وقف "أوستين" ومشى نحوها دون أي تردد. ووضع يده على خصرها بكل ثقة وقادها نحو طاولة الطعام، ثم أجلسها في مقعد يبعد ثلاثة أماكن فقط عن مقعده الخاص، ليعلن أمام الجميع وبوضوح أن هذا أصبح مكانها الرسمي من الآن فصاعداً.

بعد ذلك، عاد أوستين إلى مقعده وأخذ يرتشف الشاي بهدوء. وفي ذلك الصباح، وصلت الأميرة "أودري" متأخرة، لتتغير أجواء القاعة مرة أخرى. مشت أودري نحو جانب أوستين بكل هدوء وثقة وكأن شيئاً لم يحدث بالأمس.

كان تماسكها وبرودها مثاليين لدرجة أن بعض رجال الحاشية بدأوا يشكون فيما سمعوه الليلة الماضية؛ فتساءلوا في أنفسهم: هل أسأنا الفهم؟ ربما كان الدوق يتحدث عن عائلة أخرى وليس عن حاشية الأميرة؟

نظرت أودري إلى ألينا وابتسمت لها ابتسامة دافئة وقالت: "آنسة أشورث، تبدين بخير، أنا سعيدة لأجلكِ".

ردت ألينا: "شكراً لكِ يا صاحبة السمو".

كان الجميع في القصر يراقبون هذا الحوار المتبادل كأنهم متفرجون في مباراة لا يعرف أحد قواعدها! فالدوق اتهم حاشية الأميرة علناً، بينما تبتسم الأميرة الآن في وجه المرأة التي اتُّهمت بمحاولة تدبير مكيدة لها. كان هناك طرف يكذب، لكن لم يكن بمقدور أحد أن يعرف من هو الفاعل الحقيقي.

لكن اللعبة كانت قد بدأت للتو. ففي فترة بعد الظهر، أرسلت الأميرة أودري هدية خاصة لكل امرأة في "جمعية الخياطة". وقامت خادمة أودري الشخصية بتسليم الطرود للشركاء فور انتهائهم من العمل.

كانت الطرود تحتوي على أقمشة حريرية مطرزة عالية الجودة، وأقمشة فاخرة، وأفضل مستلزمات الخياطة. وجاء مع كل طرد رسالة شخصية مكتوبة بخط يد أودري نفسها:

> *عزيزتي الليدي برينان، إن عملكِ في لجنة الزي العسكري كان استثنائياً. أنا فخورة جداً بما تبدعه نساؤنا معاً.*

> *عزيزتي مارغريت، إن جدول الإنتاج الخاص بكِ هو نموذج للكفاءة. القصر محظوظ بوجودكِ.*

> *عزيزتي الليدي تالبوت، إن نظرتكِ الثاقبة للجودة والتكلفة وفرت على اللجنة موارد هامة. لقد سجلت مساهماتكِ في تقريري إلى رئيس الخدم.*

> *عزيزتي إيفلين، أتمنى ألا يكون المطبخ قد سرقكِ منا تماماً، فخياطتكِ مبهرة بقدر طعامكِ اللذيذ.*

كانت كل رسالة تمدح عملهن وتذكر مدى إعجاب الأميرة بـ "مبادرة نسائنا". لقد كانت أودري تحاول بذكاء فرض ملكيتها المشتركة على جمعية الخياطة، لتجعل الأمر يبدو وكأنه مشروع خاص بالقصر كانت الأميرة تدعمه دائماً.

أحضرت الليدي تالبوت طردها إلى غرفة ألينا، وبدت علامات القلق واضحة على وجهها وقالت: "إنها تشتري النساء بالهدايا الفاخرة. وبحلول الأسبوع المقبل، ستظن العضوات الجديدات أن الجمعية كانت فكرة أودري من البداية، وأنكِ مجرد منفذة لها".

نظرت ألينا إلى الحرير الذي أحضرته الليدي تالبوت، وكان لونه جميلاً وخيوطه ناعمة وثمينة، وقالت بثقة: "لتفعل ما تشاء. النساء هنا يعرفن جيداً من قَام ببناء هذا المكان وتأسيسه، وهدايا أودري لن تغير نظرتهن".

سألتها الليدي تالبوت بحذر: "هل أنتِ متأكدة؟"

أجابتها: "لدي ثقة كاملة في نساء جمعيتي".

وفي وقت لاحق من ذلك المساء، توجهت ألينا إلى غُرفة الأرشيف والملفات للبحث عن سجلات الزي العسكري القديمة؛ فإذا كانت تريد تحسين التصميم وتطويره، فعليها أن ترى كيف كان يُصنع في السابق.

كانت الغرفة هادئة ومظلمة، وتقع في الجزء القديم من القصر، وتصطف على جدرانها رفوف مليئة بالدفاتر والملفات الجلدية والرقوق الملفوفة.

خطت إلى الداخل ومشت نحو القسم العسكري، وفجأة سمعت صوت إغلاق الباب خلفها.

التفتت بسرعة لتجد أوستين واقفاً هناك. وفكرت في نفسها: بالطبع، من غيره يكون هنا!

قال أوستين بهدوء: "لم أكن أعلم أنكِ هنا".

أجابته وهي تلتفت نحو الرفوف مجدداً: "كنت بحاجة للتحقق من أمر ما، لن أتأخر".

رد عليها: "وأنا أيضاً لن أتأخر".

بدأ كلاهما يتحرك في نفس الممر الضيق بين الرفوف، ويمدان أيديهما نحو ملفات مختلفة، حتى وصلت يداهما في نفس اللحظة إلى نفس الدفتر القديم. تلامست أصابعهما لثوانٍ، فسحبت ألينا يدها بسرعة إلى الخلف.

وقالت: "خذه أنت".

رد أوستين: "لكنكِ وجدته أولاً".

قالت بجفاء: "لستُ بحاجة ماسة إليه".

عاندها قائلاً: "ولكني بحاجة إليه".

نظرت إليه ألينا بضيق وضجر وقالت: "إذن خذه".

أجابها: "شكراً لكِ".

كانت المساحة بين الرفوف ضيقة جداً. وعندما تقدم أوستين خطوة ليأخذ الدفتر، وجد نفسه قريباً منها بشكل مربك؛ والتصق ظهرها بالرف الخشبي خلفها، وباتت ذراعه بقرب كتفها وهو ينحني ليصل إلى الدفتر.

وتوقف أوستين عن الحركة لثوانٍ.

قالت ألينا بنبرة متوترة: "تحرك ابتعد".

أجابها وهو يحدق بها: "لا يوجد مكان لأتحرك إليه".

قالت: "إذن تراجع خطوة إلى الخلف".

رد عليها: "بل تقدمي أنتِ خطوة للأمام".

قالت بضيق: "لا توجد مساحة لأتقدم!".

قال بنعومة: "بالظبط، هذا ما أقصده".

وللحظة قصيرة، اكتفى كلاهما بالتحديق في عيني الآخر وسط هذا القرب الشديد.

ثم حرك يده قليلاً وأمسك بالدفتر، ولكنه لم يبتعد. بل وضع يده الأخرى على الرف بجانبها، ليحاصرها تماماً بين ذراعيه دون أن يلمس جسدها فعلياً.

بدأت دقات قلب ألينا تتسارع بشدة وصاحت: "أنت تفعل هذا قاصداً ومستفزاً!".

أجابها ببرود: "أنا لا أفعل".

أصرت قائلة: "بلا، أنت تفعل ذلك".

رد بنعومة: "أخبرتكِ أنني لا أفعل".

أمسك بالدفتر في النهاية، وبدلاً من أن يتراجع، ظل واقفاً في مكانه قريباً منها. انتظرت ألينا أن يتحرك، وعندما لم يفعل، سألته باقتضاب: "هل انتهيت؟"

أجابها: "نعم".

قالت: "إذن ابتعد".

تنحنح أوستين وتراجع خطوة إلى الخلف، ليكسر تلك اللحظة المثيرة بينهما. تنفست ألينا الصعداء ومدت يدها نحو ملف آخر، متظاهرة بأن قربه لم يؤثر عليها أبداً.

راقبها أوستين لنظرة أخرى، ثم التفت وخرج من الغرفة. وظلت ألينا واقفة في مكانها، تحدق في الرف وأصابعها تستند إلى الكتب، وهمست بغيظ: "سخيف!"، ثم عادت إلى عملها.

وفي الليل، وكالعادة، جلست ألينا عند المكتب ترسم تصميماً جديداً للياقة الزي العسكري. دخل أوستين الغرفة ورآها تعمل بجد، فجلس على جانبه المقابل من المكتب وبدأ في قراءة التقارير القادمة من القوات الشمالية.

عمّ الصمت المكان لفترة وهما مستغرقان في عملهما، حتى وقعت عينا أوستين فجأة على رسمتها وسألها: "ما هذا؟"

أجابته دون أن ترفع رأسها وتنظر إليه: "تصميم للياقة الزي العسكري. الياقة القياسية الحالية منخفضة جداً، وإذا ضُرب الجندي من الخلف، فإن القماش لا يحمي رقبته. وإذا قمنا بنقل قطعه التدعيم إلى هنا..." وأشارت بأصبعها إلى الموضع على الرسمة وتابعت: "...سيحل هذا المشكلة دون زيادة وزن الزي العسكري".

انحنى أوستين ليقترب منها أكثر، وتلامس كتفه بكتفها وهو يتأمل الرسمة بتركيز واهتمام كاملين، وقال: "هذا تصميم ممتاز وجيد جداً".

قالت بثقة: "أنا أعلم ذلك".

قال أوستين: "سأرسل هذا التصميم إلى المسؤول عن التموين والمستلزمات".

ردت ألينا بسرعة: "لا، بل أرسله إلى جمعية الخياطة الخاصة بي. نحن من سنصنع النموذج الأولي ونختبره، ففي النهاية، نحن من نقوم بصناعة هذه الحياكة والزي العسكري".

أجابها بقلة حيلة: "حسناً، كما تريدين".

عادت ألينا إلى رسمتها وعاد هو إلى قراءة تقاريره. وعاد الصمت إلى الغرفة، ولكنه كان صمتاً خفيفاً ومريحاً هذه المرة؛ فرغم أن ثقل الاتهامات والمشاكل لا يزال موجوداً، إلا أنهما بدأا يتأقلمان على تحمله معاً.

وقال أوستين فجأة دون أن يرفع عينيه عن الأوراق: "مارين تريد عقد اجتماع ثانٍ معكِ غداً".

توقفت قشاط ألينا عن الكتابة وسألت: "بخصوص شبكة فوس؟"

أجابها: "بخصوص علاقة الحاشية بالأمر. إنها تريد سماع رأيكِ ونصيحتكِ في هذه التحقيقات".

تفاجأت ألينا في عقلها وسألت نفسها: مارين تدعوني كمستشارة استخباراتية؟ وفوق ذلك دون توصية أو تدخل من أوستين؟

وارتسمت على شفتيها ابتماسية وقالت: "سأكون هناك".

رد: "جيد".

عادت إلى رسمتها وأضافت ملاحظة حول شد الخيوط، لينتهي الحوار بينهما عند هذا الحد.

ولكن فجأة، قالت ألينا دون مقدمات: "كعكة العسل تلك كانت فظيعة وسيئة جداً".

انتقلت نظرات أوستين نحوها بسرعة وقال: "أنا أعلم".

تابعت قائلة: "كانت محترقة من الخارج ونيئة وغير ناضجة من الداخل".

دافع عن نفسه قائلاً: "لقد اتبعتُ الوصفة المكتوبة بالضبط".

ردت بسخرية: "إذن تلك الوصفة كانت فظيعة وسيئة".

ساد الصمت لثوانٍ، ثم قال أوستين بهدوء: "سأصنع واحدة أخرى".

قالت: "لا داعي لذلك، اترك المطبخ لأهل المطبخ والعاملين فيه".

رد عليها وهو ينظر في عينيها مباشرة: "ولكني أريد أن أصنعها".

تسمرت ألينا في مكانها، ونظرت إليه لتجده يحدق بها بالفعل. كان يبدو هادئاً، لكن نظرات عينيه كانت أكثر ليونة، واختفى بروده المعتاد ليحل محله شيء دافئ ولطيف. قطبت حاجبيها بقليل من الحيرة، ولم تكن متأكدة كيف تفسر هذه النظرة الدافئة.

ثم التفتت بعيداً عنه لتخفي ملامحها، ولكن ليس قبل أن تتحرك شفتاها بابتسامة خفيفة جداً، كانت كافية ليلاحظها أوستين ويسعد بها في صمت.

*


تعليقات

"ركن الحكايات.. حيث تذوب القلوب بين السطور

قائمة الاعمال المترجمة

The duke's bed warmer

-الفصل (1)- صحوة النظام

المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي

الفصل (1) ثمن الابنة