الفصل (69) Garden of may_حديقة مايو,
## رواية حديقة ماي (Garden of May)
### الفصل 69: هدايا ثمينة وتضحية رقيقة
"يا إلهي..."
لم تكن فانيسا تملك الكثير من المال المدخر، وكان يوما ميلاد روزالين وبلير قد اقتربا سريعاً. طوال السنوات القليلة الماضية، كانت تكتفي بتقديم بعض الحلوى المصنوعة منزلياً والمناديل المطرزة كهدايا بسيطة، لكنها في هذا العام كانت تتوق بشدة لمنحهما شيئاً مميزاً وقيماً بحق. التقطت ما بدا أنه قميص حريري ذو سعر متواضع وتفقدت بطاقة السعر، ثم أعادته بحذر إلى الرف وهي تشعر بعبء الأرقام.
"عجباً..." لو كانت كل الملابس التي ارتدتها في حياتها تُكلف هذا القدر، لفهِمت أخيراً لماذا كان عمها يتذمر دائماً من تكاليف تربية فتاة ونفقاتها. إن رؤية بطاقة السعر جعلت فكرة شراء ملابس جديدة لنفسها تبدو أكثر إجحافاً وعملاً غير عقلاني. وإذا كان لها أن تشتري أي شيء من هذا المتجر الفاخر، فسيكون من أجل التوأم لا من أجل نفسها؛ فهذا المكان يناسب تماماً شخصاً برقة وأناقة روزالين.
دندنت في سرها: "كنت أظن أن مثل هذه المتاجر الراقية لا توجد إلا في العاصمة فقط".
إن متجر "ليندون" للأزياء، وهو المكان الذي اعتادت روزالين ارتياده، كان يشبه هذا المكان تماماً؛ حيث يتدفق الصبية والمساعدون بنشاط عبر الباب الخلفي، وتختلط الضحكات المصطنعة مع عبير العطور الفواحة، حفيف الأقمشة الفاخرة، وذرات مساحيق التجميل العالقة في الهواء الدافئ. تذكرت كيف اضطرت ذات مرة لتمضية الوقت بارتباك بانتظار أن تنهي روزالين قياس فستانها، لكنها كانت تجربة ساحرة ومثيرة للاهتمام. على الأقل، شيء من هذا المتجر قد يرضي ذوق روزالين الصعب والرفيع.
رفعت فانيسا يدها بحذر وسألت بنبرة خفيضة: "هل تبيعون المظاهر، أو المراوح اليدوية والقفازات أيضاً، أم يقتصر المتجر على الفساتين فقط؟".
أجابتها صاحبة المتجر بابتسامة عملية: "بالتأكيد يا سيدتي، لدينا تشكيلة واسعة من الإكسسوارات الفاخرة والمجوهرات التي تم اختيارها بعناية لتكمل المظهر".
قادتها المرأة نحو خزانة عرض زجاجية براقة، لتشرع فانيسا في تفحص المعروضات بدقة متناهية؛ كانت الخزانة تضم مراوح يدوية مطعمة، قفازات دانتيل ناعمة، مناديل حريرية، حلياً مرصعة بالجواهر، وحتى بعض القطع الأثرية النادرة. وكما وعدت الخياطة، كانت الخزانة مليئة بمجموعة مذهلة من القطع الرائعة التي تخطف الأنفاس.
ومع ذلك، كان كل سعر مدون على تلك القطع باهظاً لدرجة تجعل المرء يتردد. لكن بما أن هذه الهدايا كانت بمناسبة بلوغهما سن الرشد وتخرجهما معاً، فقد أرادت بحق أن تمنحهما شيئاً فريداً لا يُنسى. عقد من الأوبال، أقراط من الجمشت، مروحة رقيقة مرصعة بلآلئ صغيرة، وأساور فاخرة... ومن بين كل ذلك، استقر بصرها على بروش من زبرجد زاهٍ، يحمل لون عيني روزالين تماماً، ليجذب انتباهها بشدة.
لاحظت صاحبة المتجر اهتمامها، فارتدت زوجاً من القفازات البيضاء وفتحت الخزانة الزجاجية قائلة: "هذا البروش مصنوع من حجر الأوليفين النقي المستخرج من كولونيا، وزوج أزرار الأكمام هذا مصنوع من نفس الأحجار تماماً".
رفعت البروش وأزرار الأكمام بحذر، لتلمع الجواهر ببريق آسر تحت ضوء مصابيح الغاز الدافئة.
وتابعت المرأة بصوت ناعم وهي تحرك المجوهرات لتلتقط الضوء: "إنها مرتفعة السعر قليلاً، لكنها قطع جديرة بأن تُعرض في دار مزادات ليندون؛ نقاء ممتاز، لون متناسق، وانعكاس رائع للضوء". واستطردت مشيرة للتفاصيل الدقيقة: "الحِرفية هنا مذهلة وتفاصيلها غاية في الدقة، أليس كذلك؟ إنها من صنع حِرفي شهير للغاية".
سألتها فانيسا باهتمام: "حِرفي؟"
"اسمه... ديشانج، على ما أعتقد، وهو من مدينة ليل... هل أتحقق لكِ من تفاصيل أكثر؟".
ردت فانيسا بعد أن حسمت أمرها: "لا، هذا جيد. سآخذهما... وأزرار الأكمام أيضاً".
أخرجت فانيسا محفظتها المالية لتدفع الثمن؛ لقد كان مبلغاً ضخماً لم تكن لتنفقه على نفسها أبداً، ومع ذلك، شعرت براحة وسلام غريبين في مجريات نفسها. إن التفكير في مدى سعادة روزالين وبلير عند تلقي هذه الهدايا جعل الأمر يستحق كل قرش.
عزت نفسها قائلة إنها تستطيع دائماً كسب المال مجدداً، فالشيء الوحيد الذي تحتاج إليه المال بشكل عاجل حالياً هو الرسوم الجامعية، وهو هدف يبدو مستحيلاً وبعيد المنال هذا العام على أية حال، أما بلوغ أصدقاءها سن الرشد فهو حدث لن يتكرر إلا مرة واحدة في العمر. قامت صاحبة المتجر بمهارة بتثبيت المجوهرات الثمينة فوق وسادة صغيرة من المخمل الفاخر.
وسألتها: "هل ستأخذين هذه القطع معكِ الآن؟ نحن نوفر أيضاً خدمة توصيل آمنة ومضمونة للمقتنيات الثمينة".
فكرت فانيسا للحظة، ثم هزت رأسها بالرفض؛ فصاحبة المتجر تعرف اسمها بالفعل، وإذا أعطتها عنوان "قصر غلوستر" فستكشف عن هويتها ومكان إقامتها السري فوراً، ولم تكن تملك أي مكان آخر بديل لإرسال الشحنة إليه.
"سآخذها معي الآن".
"حسناً يا سيدتي، سأقوم بتغليفها لكِ على الفور".
وبينما كان أحد المساعدين منشغل بتغليف الهدايا بعناية، قامت فانيسا بفحص شهادة الأصالة المرفقة بالقطع للتأكد من سلامتها.
لم يكن ريفير روس قد نزل من الطابق العلوي بعد، فجالت نظرات فانيسا بفضول وتلقائية في أرجاء القاعة الواسعة حتى استقرت على ثوب أبيض ناصع من الموسلين معلق على مجسم للعرض؛ كان الفستان مصمماً ليكون ملائماً لحفلات رقص منتصف الليل، مكشوف الكتفين، وتتوسطه شريطة خضراء داكنة تلتف حول الخصر بأناقة بالغة وجاذبية ساحرة.
لاحظت صاحبة المتجر نظراتها الشاخصة نحو الثوب، فسألتها بلطف: "هل تودين تجرِبته؟".
ترددت فانيسا لبرهة، ثم هزت رأسها نفيّاً وقالت: "لا، شكراً لكِ... رفيقي سينزل بعد قليل".
*

تعليقات
إرسال تعليق