الفصل (68) Garden of may_حديقة مايو,
## رواية حديقة ماي (Garden of May)
### الفصل 68: قياسات مريبة وذكريات عاصفة
انخفضت يد ريفير روس لتستقر على خصر فانيسا، محيطاً إياها للحظة عابرة قبل أن يتركها. بالنسبة للناظرين، قد تبدو هذه الإيماءة مجرد تعبير عفوٍ عن المودة، لكن بالنسبة لفانيسا، شعرت بأنها مشحونة بنوع من التحدي والجرأة المباغتة.
"تأملي المكان كما تشائين".
قالها وهو يميل بقامته الطويلة والمهيبة نحوها، لينخفض صوته إلى همس عميق وقريب جداً من أذنها. كانت أنفاسه الدافئة التي لامست عنقها كفيلة بأن تشعل في داخلها موجة عارمة من التوتر، وأعادت إلى ذهنها فوراً تفاصيل لقائهما العاصف الأخير في الحديقة السرية؛ عندما حاصرها بقربٍ أنساها العالم من حولها، مستغلاً خجلها الشديد ليمطرها بكلمات ونظرات جعلت قلبها يخفق بجنون وعجزت حينها عن التقاط أنفاسها من فرط جرأته وقوته التي بدت وكأنها تطير بها في الهواء.
تدفقت ذكريات ذلك الرواق المظلم وتلك اللحظات الدافئة في عقلها كالسيل، مذكرّة إياها كيف كانت مستسلمة تماماً لحضوره الطاغي، وكيف توسلته بنبرات متقطعة وخافتة أن يترفق بقلبها الصغير.
بذات الابتسامة اللامحة، وذات النظرة الواثقة في عينيه، أعاد ريفير إحياء تلك الأجواء المشحونة بين العشاق، وبدا واضحاً لفانيسا أن تصرفاته الآن مقصودة تماماً لإرباكها. احمرّ وجهها بالكامل، وأنزلت رأسها إلى الأسفل محاولة الهروب من نظراته.
كان أمراً مستفزاً للغاية؛ لم يكتفِ فقط باستخدامها لإبعاد تودد صاحبة المتجر، بل إن مجرد قربه الطاغي وأنفاسه المحيطة بها كانت قادرة على استدعاء تلك الذكريات العاطفية الجريئة في مكان عام وأمام الغرباء، وهو أمر مخجل ومربك للغاية لها.
قطع الصمت صوت صاحبة المتجر اللطيف الذي حمل نبرة مبطنة من التهكم الخفيف: "... حسناً، إذن تفضلي".
ولكن، وعلى عكس حذرها وتأهبها الأول وكأنها تحمي ممتلكاتها من لص، بدت نبرتها الآن أهدأ وأقل حدة. وقبل أن تستوعب فانيسا هذا التحول، اقتربت المرأة وأمسكت بيمينها لتديرها بخفة قائلة: "إذن، اسمحي لي بعد إذنك".
أخرجت المرأة شريط القياس وبدأت في أخذ مقاسات فانيسا بدقة: "خمسة وعشرون... حسناً، ابقي ذراعكِ مرفوعة هكذا".
سألتها فانيسا: "هكذا؟"
"نعم، تماماً هكذا. تملكين قواماً متناسقاً وجميلاً، وبنيتكِ رشيقة بطبيعتها، لذا فإن التصاميم المبالغ فيها أو المليئة بالتفاصيل الزائدة لن تناسبكِ... وواحد وثلاثون..."
تمتمت المرأة بالمقاس الأخير ثم صمتت فجأة بشكل غريب. تطلعت إليها فانيسا بحيرة وسألتها: "ما الأمر؟"
"...."
"هل هناك مشكلة في المقاسات؟"
أجابت المرأة وهي ترسم ابتسامة غامضة أخفت وراءها الوميض الذي ظهر في عينيها قبل قليل: "لا، ليس هناك أي مشكلة على الإطلاق".
وضعت شريط القياس جانباً وصفقت بيديها، لتتحول نبرتها إلى عذوبة مبالغ فيها وتابعت: "من حسن الحظ، لدي عدة فساتين في المتجر ستكون مثالية تماماً لكِ، ولن تحتاج سوى لتعديلات بسيطة جداً وتصبح جاهزة. وفي هذه الأثناء يا سيدي، هل تود رؤية البدلة الرسمية التي وصيت عليها في المرة السابقة؟ لقد أوشكت على الانتهاء بالكامل...".
دقت صاحبة المتجر جرساً صغيراً بجانبها، وخلال لحظات، نزل من الطابق العلوي رجل مغطى بأشرطة القياس وهو يترنح بنعاس، ويبدو أنه كان نائماً فوق مكتبه نظراً لعلامات الضغط الواضحة على وجنته. أشارت إليه المرأة بلباقة: "كولين، أرِ هذا السيد بدلته الخاصة".
التفت ريفير نحو فانيسا وسألها بنبرة حملت بعض الشك: "هل يمكنني ترككِ بمفردكِ هنا لبضع دقائق؟".
ردت فانيسا مدافعة عن نفسها: "بالتأكيد، يمكنك ذلك".
رفع حاجبيه بتسلية، وكأنه يتذكر مظهرها قبل قليل عندما كانت مغطاة بالطين في المزرعة وتطارد بطة صغيرة. رفعت فانيسا ذقنها، وتلاقت عيناها بعينيه بملامح واثقة تماماً وخالية من أي حرج لتثبت له أنها سيدة مسؤولة.
وقالت بثقة: "لا تقلق، سأكون مطيعة وهادئة جداً هذه المرة".
"حسناً إذن".
ابتسم بخفة، ورفع يده وكأنه يود التربيت على شعرها برقة لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة واسترسل: "سأعود سريعاً، تفقدي الثياب كما تشائين، لكن لا تغادري حدود المتجر".
"لن أفعل".
وقبل أن يتبع الخياط إلى الطابق العلوي، أخرج ريفير روس شيئاً صغيراً من جيبه وناوله لصاحبة المتجر. وضعت المرأة يدها على فمها بدهشة واضحة، ثم تسلمت الشيء بكلتا يديها باحترام كبير. تملك الفضول الشديد قلب فانيسا لمعرفة ماهية ذلك الشيء، لكن صاحبة المتجر كانت قد أقبلت نحوها بالفعل، ممسكة بكتفها لتوجهها في الاتجاه المعاكس.
"من هذا الطريق يا سيدتي".
دُفعت فانيسا بلطف نحو الجزء الخلفي من المتجر، لتجد نفسها في قاعة واسعة مليئة برفوف وخزائن الملابس الممتدة. كان العمال والمساعدون يتحركون بنشاط وسرعة عبر الباب الخلفي، وبعض الموظفين يبدون متعبين وهم يغلفون الملابس بعناية ويلبون طلبات الزبائن.
قادتها المرأة إلى رف محاذٍ لأحد الجدران وقالت: "خذي كامل وقتكِ في التصفح والاختيار، كل ما هنا يجب أن يناسب مقاسكِ تماماً".
وقعت عينا فانيسا على قمصان حريرية، تنانير منسقة، فساتين عصرية، وقبعات تبدو باهظة الثمن. تفحصت فانيسا الملابس بملامح حملت بعض القلق؛ فالحقائق والواقع المرير الذي نسيته لبعض الوقت وسط سحر الرحلة، عاد الآن ليتدفق في عقلها مجدداً...
*

تعليقات
إرسال تعليق