الفصل(67) ولدت من جديد: هوس الدوق,
## الفصل 67: اضطراب وتساؤلات
أيقظت ديليا من نومها المضطرب سلسلة من الطرقات الحادة والملحة على باب المدخل. جلست في فراشها، ورأسها مشوش، ثم نظرت إلى النافذة؛ كانت السماء بالخارج لا تزال رمادية باهتة في وقت ما قبل الفجر. تمتمت لنفسها بصوت مثقل بالنوم: "من قد يأتي في هذا الوقت المبكر من الصباح؟".
ارتدت رداءها الحريري، وربطت الحزام بإرخاء وهي تتوجه نحو الباب. فتحته وهي تتوقع رؤية خادم أو ربما السيد "راي" يحمل رسالة عاجلة، لكنها بدلاً من ذلك وجدت نفسها وجهاً لوجه مع امرأة لم ترَها من قبل.
كانت المرأة في مثل عمرها تقريباً، ترتدي بدلة سفر أنيقة وعملية في آن واحد. صففت شعرها ببساطة لكن بإتقان، وكانت تحمل حقيبة جلدية متينة. نظرت إلى ديليا بعينين ذكيتين ومراقبتين.
بدأت السيدة حديثها بصوت واثق وواضح: "أنا آسفة حقاً لإزعاجكِ في هذا الوقت المبكر". ثم استرقت النظر من خلف ديليا إلى الردهة وتساءلت: "هل 'إريك' موجود؟".
فوجئت ديليا بالطريقة غير الرسمية، بل والعفوية، التي نطقت بها اسم الدوق؛ فلا أحد يناديه بمجرد "إريك". قالت ديليا وصوتها لا يزال خشناً من أثر النوم: "أنا آسفة، من أنتِ؟".
أجابت السيدة ببساطة: "صديقة".
شعرت ديليا بالحيرة. *صديقة؟* فكرت في نفسها: *كيف يمكن لرجل وامرأة أن يكونا مجرد أصدقاء دون وجود علاقة رومانسية؟* كانت الفكرة غريبة تماماً عليها.
نحنحت السيدة بصوت مهذب ولكنه ينم عن نفاد الصبر، ثم سألت وهي تميل برأسها مشيرة إلى رغبتها في الدخول: "عذراً، هل يمكنني؟".
أجابت ديليا وهي تتنحى جانباً بشكل تلقائي: "بالطبع".
استطاعت ديليا أن تدرك أن هذه السيدة زارت القصر مرات لا تُحصى من قبل؛ فقد سارت بثقة مألوفة، متوجهة مباشرة نحو غرفة إريك دون الحاجة إلى توجيه. لم تطرق الباب حتى، بل فتحته ودخلت، ووصل صوتها إلى الردهة وهي تبدأ في توبيخه: "إريك، كم مرة عليّ أن أخبرك ألا..." ثم أُغلق الباب، لينقطع بقية الجملة.
وقفت ديليا وحيدة في الردهة، غارقة في ذهول تام. قررت أن الأمر لا يعنيها، وتوجهت إلى غرفتها للاستحمام وتبديل ملابسها. لاحقاً، ذهبت إلى المطبخ لإعداد التونيك المهدئ الذي أعطاه إياها الطبيب في الليلة السابقة. وبينما كانت تحرك الأعشاب في الماء الساخن، ظلت نظراتها تنجرف نحو الردهة المؤدية إلى غرفة إريك.
بعد قليل، سمعت صوت انغلاق بابه ووقع أقدام تنزل الدرج. شربت مادة المهدئ بسرعة وخرجت من المطبخ، لتواجه السيدة من جديد.
ابتسمت السيدة بصدق هذه المرة وقالت: "أعتذر عما حدث قبل قليل، لم يتسنَّ لي إلقاء التحية بشكل لائق. أنا الليدي بلير". ومدت يدها لمصافحة ديليا.
كانت الإيماءة غريبة؛ فالسيدات في مجتمعهن يتبادلن الانحناءات التقليدية، ولا يتصافحن بالأيدي مثل الرجال. *ربما نشأت وسط رجال*، فكرت ديليا وهي تمسك يد الليدي بلير بتردد. كانت قبضة يدها قوية وواثقة.
قالت ديليا بهدوء: "أهلاً".
تابعت بلير، مدخلةً في صلب الموضوع مباشرة: "أنا طبيبة إريك.. يمكنكِ القول إنني طبيبة نفسية".
نظرت إليها ديليا بحيرة؛ فوجود طبيبة أنثى كان أمراً نادراً جداً.
ضحكت بلير وكأنها قرأت أفكارها: "أوه، لا بد أنكِ تتساءلين عما تفعله امرأة في المجال الطبي". حاولت ديليا هز رأسها للنفي، لكن بلير تابعت: "الأمر بسيط حقاً. كان والدي طبيباً مشهوراً متخصصاً في أمراض العقل، وكان يؤمن بأن النساء يمكن أن يكنَّ بنفس كفاءة الرجال، وهي فكرة راديكالية جداً في وقته. ولأنه لم يرزق بأبناء، علمني سراً كل ما يعرفه. أنا ببساطة أكمل إرثه". كان تفسيرها منطقياً وقُدّم بثقة لا تترك مجالاً للشك.
ثم تحولت تعابير بلير إلى الجدية. سألت ديليا بصوت يملؤه قلق لم تستطع إخفاءه: "ماذا عن جلالته؟ كيف حال عقله؟ هل سيكون بخير؟".
أجابت بلير مباشرة: "إنه يعاني من اضطراب الهلع".
اتسعت عينا ديليا: "اضطراب... الهلع؟". كان المصطلح غريباً تماماً على مسامعها.
أكدت بلير: "نعم. إنها حالة ذهنية ناتجة عن صدمة شديدة من ماضيه. تسبب نوبات مفاجئة من الخوف الشديد، وصعوبة في التنفس، وتسارع نبضات القلب... مثلما شهدتِ ليلة أمس. لقد كان يبلي بلاءً حسناً تحت رعايتي لمدة عامين، لكن ما حدث بالأمس كان نوبة خطيرة جداً، هي الأشد منذ وقت طويل".
سألت ديليا وهي تحاول استيعاب المعلومة: "هل تقولين إن جلالته... يعاني من اضطراب الهلع؟".
نظرت إليها بلير بتعجب حقيقي: "أوه... ألم تكنِ تعلمين؟ ألم يخبركِ؟". صمتت ديليا، وبدت حقيقة جهلها واضحة على وجهها. عقدت بلير ذراعيها، ونظرت من ديليا إلى أعلى الدرج ثم عادت إليها مجدداً: "سمعتُ أنكما مخطوبان وستتزوجان قريباً. أليس هذا صحيحاً؟".
"نعم، هذا صحيح، ولكن..."
قاطعها صوت إريك الحاد والغاضب: "بلير!". كان واقفاً في أعلى الدرج، ثم نزل بسرعة ووجهه يكسوه البرود. مرّ بجانب ديليا مباشرة وأمسك بمعصم المرأة الشابة، وبدأ في سحبها نحو الباب.
احتجت بلير وهي تحاول الإفلات من قبضته: "إريك، توقف!".
سأل بزمجرة منخفضة وهو يسحبها إلى الخارج: "ماذا حدث لخصوصية المريض؟".
جادلته بلير محاولة إقناعه: "في الظروف الهامة، الخصوصية لم تعد تهم! خاصة عندما تسوء أعراضك! ستكون زوجتك قريباً يا إريك! لديها الحق في معرفة ما هي مقبلة عليه، لذا..."
أخرجها إريك وأغلق الباب بقوة في وجهها. صرخت بلير من الخارج: "إريك، حقيبتي!".
في غضون ثوانٍ، فُتح الباب الأمامي مرة أخرى بما يكفي لإلقاء حقيبة الطبيبة الجلدية على الشرفة. وقبل أن يغلقه ثانية، قال إريك من خلف الباب: "سأقابلكِ قريباً لمناقشة المزيد حول العلاج".
استدار وعاد إلى حيث تقف ديليا المتجمدة في منتصف الردهة. ساد صمت متوتر للحظة قبل أن يتحدث بصوت مسيطر عليه بعناية.
قال وهو يتجنب نظراتها: "لا تعيري كلامها أي اهتمام. أحياناً تبالغ في الأمور. الأمر ليس بهذا السوء، يمكنني السيطرة عليه في الواقع".
ردت ديليا بهدوء بكلمات كانت حقيقة لا يمكن إنكارها: "بالأمس لم تستطع".
عاد الصمت مجدداً، وكان أثقل هذه المرة. تابعت ديليا بصوت مليء بالقلق الصادق الذي يتجاوز حدود عقدهما: "هل هناك أي شيء آخر أحتاج لمعرفته؟ أو هل هناك ما يمكنني فعله للمساعدة؟".
نظر إليها إريك أخيراً، وتلاشت ملامحه الغاضبة قليلاً لتحل محلها ملامح تعب شديد. قال بصوت هادئ: "نعم. لا تهتمي لفيليب، ولا تقابليه، ولا تستمعي لأكاذيبه. هذا وقت مهم بالنسبة لنا، فلنركز على شيء واحد فقط". نظر إليها وتلانت تعابيره: "زفافنا".
مد يده وأزاح بلطف خصلة شاردة من شعرها الداكن إلى مكانها، وبقيت أصابعه عالقة للحظة على بشرتها؛ إيماءة صغيرة وحانية حملت الكثير من المعاني.
ثم سأل بصوت ناعم يملؤه دفء واهتمام مألوف: "هل تناولتِ إفطاركِ بعد؟".

تعليقات
إرسال تعليق