الفصل (66) ولدت من جديد: هوس الدوق,
كان المطر ينهمر في طبقات مائلة لا تعرف الكلل، محولاً الفناء إلى بحيرة من الطين. رفع السيد "راي"، الذي غرق معطفه تماماً، جسد الدوق الثقيل وفاقد الوعي بحذر؛ حمله إلى العربة المنتظرة ووجهه واجم من شدة القلق. تبعته ديليا عن كثب، وقد التصق ثوبها البسيط بجسدها وهي ترتجف من الصقيع، لكن عقلها كان مرتكزا بالكامل على الرجل القابع بين ذراعي السيد راي.
وعندما وصلوا إلى العربة، خلع راي معطفه الجاف الخاص بالسائق: "سيدتي، أرجوكِ"، قالها وهو يقدمه لها، "أنتِ تتجمدين، يجب أن تحافظي على دفء جسدكِ".
أخذت ديليا معطف الصوف الثقيل، لكنها فعلت شيئاً أذهله؛ لم تلفه حول كتفيها المرتجفين، بل بسطته بعناية فوق جسد إريك الساكن بمجرد أن وضعه السيد راي على المقعد. دثرته جيداً، ثم أمسكت بيديه الباردتين الهامدتين بين يديها، تفركهما بقوة وتنفث فيهما أنفاسها الدافئة.
همست بصوت منخفض كصلاة يائسة ضاعت وسط ضجيج العاصفة: "أرجوك كن بخير... أرجوك، أرجوك كن بخير".
وبعد لحظات عصيبة، عادوا إلى مقر إقامة الدوق الخاص. وبقوة لا توحي بها سنه، حمل السيد راي إريك إلى الداخل وصعد به الدرج العظيم نحو غرفة نومه. وبينما كان يضعه على السرير الكبير، أصدرت ديليا أمراً حازماً وجلياً، وقد نسيت تماماً ما تشعر به من تعب.
قالت وصوتها لا يقبل الجدل: "أحضر الطبيب فوراً".
انصرف راي في الحال، وتسارعت خطواته في الرواق. بقيت ديليا وحيدة في الغرفة الهادئة الخافتة مع إريك. كانت ثيابه غارقة بالماء، وعلمت أنه إن بقي فيها فسيصاب بنزلة برد شديدة تضاف إلى علته الأصلية. اجتاحتها موجة من التردد؛ فما تنوي فعله غير لائق بالمرة، لكن فكرة أن تزداد حالته سوءاً كانت أفظع من أي خرق لقواعد الإتيكيت.
أشاحت بوجهها، ووجنتاها تشتعلان حمرة، ووعدت نفسها ألا تنظر. وبيدين ترتجفان، عملت بسرعة؛ فكت أزرار قميصه المبلل وسرواله، وغيرت ملابسه بعناية بملابس نهارية نظيفة وجافة وجدتها في خزانته. وعندما انتهت، سحبت اللحاف الثقيل حتى ذقنه.
مكثت معه، جالسة على كرسي بجانب سريره، تراقب الارتفاع والانخفاض غير المنتظم لصدره. كان تنفسه لا يزال سريعاً جداً، وبدأت حبات العرق تتشكل على جبهته مجدداً رغم برودة جلده.
همست للرجل الغائب عن وعيه: "ألهذا السبب تراودك الكوابيس كل ليلة؟ ألهذا قالت والدتك إنك لم تنم جيداً منذ سنوات؟ ما الذي يعذبك إلى هذا الحد يا صاحب السمو؟".
كانت غارقة في أفكارها القلقة لدرجة أنها فزعت عندما انفتح الباب. وحين رأت الطبيب، هرعت لجره إلى الداخل قائلة بصوت مذعور: "أرجوك أيها الطبيب، ساعده. تنفسه غير منتظم، أخشى أن يتوقف عن التنفس في أي لحظة".
وضع الطبيب حقيبته الطبية ونظر إلى ديليا؛ تفحص مظهرها—شعرها المبلل والمبعثر، وثوبها البسيط الذي تلطخت حوافه بالوحل، وقدميها الحافيتين المرتجفتين على الأرض الباردة. كانت تبدو في حالة يرثى لها، امرأة يحركها الأدرينالين والخوف الصافي فقط.
قال الطبيب بصوت طيب ولكن حازم: "يمكنكِ الذهاب والاعتناء بنفسكِ الآن يا سيدتي. سأبقى أنا مع صاحب السمو. أعدكِ أن كل شيء سيكون على ما يرام، فلن تكوني ذات فائدة له إذا سقطتِ مريضة".
حينها فقط أدركت ديليا معنى كلامه؛ نظرت إلى حالتها وأومأت برأسها في صمت. ذهبت إلى غرفتها، وأعدت حماماً ساخناً وتركت الدفء يمتص الرعشة من عظامها. ارتدت ثوب نوم دافئاً ورداءً، ولا يزال عقلها معلقاً بالرجل في الغرفة المجاورة.
وعندما خرجت، كان الطبيب في انتظارها. قال مطمئناً: "حالته مستقرة الآن يا سيدتي. تنفسه منتظم، ونبضات قلبه عادت لطبيعتها، إنه يغط في نوم عميق فقط". ثم ناولها زجاجة صغيرة: "هذا لكِ، مقوٍ لضمان عدم إصابتكِ بالبرد".
سألت وهي تأخذ الزجاجة: "وماذا عن دواء صاحب السمو؟".
هز الطبيب رأسه ببطء، وفي عينيه تعبير حزين، وقال بلطف: "سيدتي، ما يمر به صاحب السمو ليس شيئاً يمكن علاجه بالدواء؛ إنه جرح في الروح، لا في الجسد".
شكرته ديليا وودعته عند الباب. وبعد رحيله، وقفت عند مدخل المنزل لفترة طويلة، تراقب السماء المظلمة التي يمزقها المطر. قالت لنفسها وهي تشد رداءها حولها: "يا له من هطول مرعب"، وسرت في جسدها قشعريرة لا علاقة لها بالبرد.
دخلت أخيراً وأغلقت الباب بالمفتاح، وكان أول ما فكرت فيه هو الاطمئنان على إريك. مشت على أطراف أصابعها إلى غرفته واستطلعت الداخل، لتجد السرير فارغاً.
تملكها خوف بارد وحاد؛ أين هو؟ لا يمكنه الخروج هكذا ببساطة.
نادت بصوت خفيض ومرتجف: "صاحب السمو؟ صاحب السمو؟".
بدأت في البحث وقلبها يدق في صدرها؛ فتشت غرفته مجدداً، ثم المطبخ، ثم غرفة الاستقبال المظلمة والصامتة. لا أثر له.
كانت في الرواق الرئيسي، المؤدي إلى غرفتها، عندما قبضت يد فجأة على معصمها وسحبتها للأمام. تعثرت وأطلقت صرخة صغيرة وهي تستند إلى صدر صلب ودافئ. نظرت للأعلى لترى إريك.
كان يمسك خصرها بيد ل يثبتها، وبالأخرى لا يزال يمسك معصمها. بدا شاحباً ومريضاً في الضوء الخافت، لكنه كان واقفاً وعلى قيد الحياة. تجمعت دموع الراحة الصافية في زوايا عينيها.
رأى تعبير وجهها وتركها بلطف، متراجعاً خطوة للخلف، وقال بصوت ناعم: "كنتُ أبحث عنكِ".
سألته بصوت يملؤه القلق: "هل أنت بخير؟". ومدت يدها، راغبة في لمس وجهه، لتتحسس جلده وتطمئن أنه بخير وليس محموماً، لكنها ترددت وأسقطت يدها بجانبها.
أومأ برأسه رغم أنه كان لا يزال يبدو غير مستقر: "أنا بخير الآن"، قال وهو ينظر إلى عينيها الزرقاوين الحزينتين، "أنا آسف لأنني أخفتكِ".
لم تقتنع ديليا وقالت: "هل أنت متأكد؟ هل يجدر بي استدعاء الطبيب مجدداً؟ لقد حدث كل شيء فجأة، لا بد من وجود سبب لـ...". لم تدرك متى فعلت ذلك، لكن يديها كانت تقبضان على إحدى ذراعيه، تتشبث به بيأس وكأنها تخشى أن يتلاشى.
وعندما أدركت ما تفعله، أرادت التراجع، خجلة من جرأتها، لكن إريك لم يكن ليضيع فرصة لمسها له؛ غطى يديها بيديه بلطف، مثبتاً إياهما فوق ذراعه.
قال بصوت هادئ وحزين: "أنا أعرف هذا المرض. لا يوجد شيء يمكن للطبيب فعله، هذا القدر أعرفه جيداً". ظل ممسكاً بيديها للحظة أطول، يمرر إبهامه بلطف فوق جلدها، قبل أن يتركهما في النهاية.
نظر إليها، وكانت عيناه مليئتين بضعف عميق ومرهق لم تره من قبل. سألها بصوت خفيض وناحل: "هل يمكنكِ إعادتي إلى غرفتي؟ أنا... أريد الحصول على بعض الراحة".

تعليقات
إرسال تعليق