الفصل (66) Garden of may_حديقة مايو,
## رواية حديقة ماي (Garden of May)
### الفصل 66: ملامح مباغتة وثياب جديدة
"حسناً؟ ريفير روس... قل شيئاً إذن".
لكنه لم يمنحها فرصة للاسترسال؛ إذ اقترب منها فجأة واضعاً يده برقة على وجنتها ليميل نحوها في إيماءة خاطفة وقريبة جداً، مبعثراً كلماتها في الهواء. لم تكن سوى لحظة عابرة اختلطت فيها أنفاسهما، لكنها كانت كافية تماماً لتشتيت انتباهها وقطع حبل أفكارها.
تراجعت فانيسا بخجل وقد صبغت الحمرة وجنتيها، ودفعته من كتفيه قائلة بارتباك: "أ-هل جننت؟".
"ماذا لو رآنا أحد!"
رد بنبرة هادئة وهو يعود لمكانه: "المزارع دخل إلى الحظيرة بالفعل".
"حتى وإن كان قد دخل! هذا المكان... مكشوف تماماً وتحت أنظار الجميع".
عقّب بنبرة حملت تلميحاً خفياً: "لم تبدي انزعاجاً مماثلاً بالأمس في الحديقة، رغم أن ذلك المكان كان مفتوحاً أيضاً".
"ذاك... ذاك كان..."
عضت فانيسا على شفتها السفلى، عاجزة عن إيجاد رد مناسب. ورغم كل محاولاتها لتبدو كامرأة قوية وذات خبرة بالحياة، إلا أنها في أعماقها كانت لاتزال سيدة رقيقة يسهل إرباكها بمثل هذه الكلمات الدلالية.
تحركت ببطء على المقعد الخشبي مبتعدة عنه قليلاً لتصنع مسافة بينهما، وهو ما أثار تسليته الواضحة.
قال لها وهو يراقب حركتها: "اجلسي بالقرب مني، ولا تخاطري بالسقوط".
اعتصمت بكبريائها قائلة: "... لا تقلق، أنا مرتاحة في مكاني هنا، والطقس... حار بعض الشيء".
لكنه لم يستمع لأعذارها الواهية؛ إذ امتدت يده ليمسك بخصرها النحيل ويجذبها نحو جانبه برفق، لتجد جسدها الدافئ بفعل حرارة المساء الصيفي مستنداً إلى ذراعه.
كان قفا عنقها، المنحني خجلاً، محمراً بالكامل، وكان بإمكانه تقريباً سماع دقات قلبها المتسارعة من فرط الارتباك. بدا له الأمر طريفاً وممتعاً؛ كيف لجسدها أن ينتفض هكذا لمجرد قربهما في مكان عام، خاصة بعد كل اللحظات المشتركة والمشاعر العميقة التي تقاسماها في حديقتهما السرية طوال الأسابيع الماضية. بالطبع، احتفظ بهذه الأفكار لنفسه؛ لأنه يعلم جيداً أنها لو سمعت ما يدور في عقله الآن، لربما قفزت من العربة المسرعة دون تردد.
أطلق ضحكة مكتومة وخفيفة، ثم هز الأعنة بيده، فاستجاب الحصان على الفور وتحركت العربة للأمام مخلّفة المزرعة وراءها.
بعد محاولات متعددة، نجحت فانيسا أخيراً في التملص من قبضة ثيودور (ريفير)، متراجعة إلى حافة مقعد السائق وكأنها تفلت من حصار محكم، لينشأ بينهما صمت غريب ومواجهة صامتة من طرف واحد.
"...."
لكن هذا التوتر لم يدم طويلاً؛ إذ بدا ريفير روس مستغرقاً في طريقه، شاخصاً ببصره إلى الأمام في هدوء تام. كانت ملامحه المسترخية ونظراته العميقة توحي بسلام داخلي كبير، حتى أن عينيه اللتين تتسمان بالبرود عادة، حملتا هذه المرة مسحة من الدفء تشبه نسيم الصيف العليل.
راحت فانيسا تتأمل تفاصيل وجهه الجانبية لفترة، ويسيرًا وببطء، انتقلت سكينته وهدوؤه إليها، ليهدأ روعها وتتباطأ نبضات قلبها المتسارعة.
"...."
عدّلت جلستها بحذر وتطلعت إلى المناظر الطبيعية المتغيرة من حولهما؛ فقد رأت أن الاستمرار في التحديق به قد لا يكون لائقاً، والأهم من ذلك أنها لم تكن تريد إزعاج حبل أفكاره.
كانت الشمس تغرب ببطء فوق الريف الهادئ، والأفق يتوهج بضوء أحمر قرمزي مكثف، بينما بدأت أنوار القرية البعيدة تلمع كمنارات صغيرة وسط الغسق الممتد. وعلى جانبي الطريق، امتدت حقول القمح الناضجة وأشجار التفاح الصغيرة إلى ما لا نهاية.
تذكرت فانيسا أن هناك وقتاً مضى كانت فيه كل هذه الأراضي الشاسعة ملكاً لعائلة "سومرست"، ولم يكن ذلك الزمن بعيداً جداً؛ فعندما كان والدها ووالدتها على قيد الحياة، لم يكن لأحد أن يصل إلى "سيدرون" -أكبر ميناء في الجنوب- دون أن يمر عبر أراضي عائلتها... والآن، تلاشت كل تلك الأمجاد.
"فانيسا، استيقظي".
أيقظها صوت ريفير وهو يلمس كتفها برفق، ظاناً أنها نامت لإغلاقها عينيها المستغرق في الذكريات.
وتابع: "سنصل إلى بلدة باث في غضون عشر دقائق".
واستدركت قائلة: "أوه، بهذه السرعة؟".
نظرت فانيسا إلى الساعة القديمة في معصمها، فقال ريفير: "يبدأ السيرك في الساعة التاسعة، لذا وصلنا مبكرين بساعة تقريباً. يمكننا الحصول على شيء لنأكله أولاً".
"هل أنت جائع؟"
"نعم، قليلاً".
لم يجبها، لكن العربة زادت من سرعتها. مروا تحت لافتة مدخل بلدة "باث" مع هبوط الليل، وكانت الشوارع أكثر ازدحاماً وصخباً من المعتاد، ويبدو أن ذلك بسبب عروض السيرك المقامة.
وجه ريفير العربة نحو شارع جانبي أقل ازدحاماً؛ وبدا أنه يعرف جغرافيا بلدة باث وتفاصيل أزقتها أفضل منها بكثير، ربما بسبب زياراته المتكررة والمستمرة لها. وبعد اجتياز بضعة أزقة أخرى، توقفت العربة في ممر هادئ نسبياً.
وقالت فانيسا وهي تترجل بدهشة: "هذا المكان...".
اتسعت عيناها وهي تنظر أمامها؛ حيث استقر متجر ذو مظهر راقٍ وأنيق، وهو أمر غير متوقع تماماً في مثل هذا الأزقة الخلفية المعزولة.
أجاب ريفير على سؤالها غير المنطوق وهو يتبعها خارج العربة: "إنه متجر للأزياء والفساتين".
اقتربت فانيسا بدافع الفضول من نافذة العرض الزجاجية، وكان الزجاج نظيفاً للغاية وينبعث منه ضوء دافئ من الداخل. وبدت الملابس المعروضة على المجسمات حديثة وراقية بشكل مذهل، وتعكس أحدث صيحات الموضة القادمة من العاصمة مباشرة.
كان هذا المتجر يختلف تماماً عن تلك المتاجر المتواضعة والقديمة التي اعتاد عمها أن يأخذها إليها، والتي كانت تحتوي على أقمشة بالية وتصاميم تفتقر إلى الحيوية والجمال.
لمح ريفير ترددها، فوضع يده برفق خلف ظهرها موجهاً إياها للداخل وقال: "لنلج إلى الداخل".
أومأت فانيسا برأسها بشكل عفوٍ، ثم استوعبت فجأة مقصده، فالتفتت إليه بذهول وسألته: "إلى هنا؟ الآن؟".
"أنتِ بحاجة إلى ثياب جديدة".
"أنا؟"
رمشت بعينيها في حيرة واضحة، فأوضح ريفير بهدوء: "لقد قلتِ بنفسكِ إن فستانكِ الحالي غير مناسب تماماً للخروج والنزول إلى البلدة".
"حسناً، هذا صحيح، ولكن..."
في واقع الأمر، كانت بالفعل بحاجة إلى ثياب؛ فمظهر فستانها الحالي يسبب لها بعض الحرج، ولكن هل تحتاج حقاً إلى ثوب جديد بالكامل؟ كان يمكنها ببساطة خياطة الزر المفقود وكوي التجاعيد، فهذا الثوب هو أفضل فستان يومي تملكه في الوقت الحالي.
وبينما كانت فانيسا تتردد وتجادل نفسها، فتح ريفير باب المتجر، ليرن جرس الباب الخفيف، وتلتفت صاحبة المتجر -التي كانت مشغولة بتعديل أحد الفساتين- نحو القادمين الجدد.
وقالت بترحيب تفاجأ بمظهر الطارقين: "أهلاً وسهلاً بكما... أوه، يا إلهي!".
اتسعت عينا صاحبة المتجر بذهول وهي تتأمل ملامحهما وحضورهما المفاجئ عند العتبة.
*Sweetnoveltime

تعليقات
إرسال تعليق