الفصل (65) ولدت من جديد: هوس الدوق,



في اللحظة التي توقفت فيها العربة، لم ينتظر إريك أن يفتح السيد "راي" الباب؛ بل دفعه بنفسه واندفع نحو النزل، وقلبه يخفق بغاية واحدة يائسة: العثور على ديليا.

وما إن غادر حماية العربة، حتى انفتحت أبواب السماء. لم يكن المطر رذاذاً ناعماً، بل هطولاً مفاجئاً وعنيفاً بلل معطفه على الفور وألصق شعره برأسه. كان على بُعد أقدام قليلة من الضوء الدافئ المنبعث من مدخل النزل، لكنه عجز عن الحراك. تجمد في مكانه، وأصبحت قدماه فجأة بثقل الرصاص.

بدا العالم من حوله وكأنه يزداد حدة ويتحول؛ استنشق رائحة الأرض الرطبة وهي تتحول إلى طين تحت قدميه، وشم رائحة القش الثقيلة والمألوفة المنبعثة من الإسطبلات القريبة. سمع صهيل الخيول المتوترة وضرب حوافرها القلق بسبب العاصفة. كانت كل حاسة بمثابة مفتاح يفتح غرفة مظلمة في ذاكرته، ظل يبقيها مغلقة بإحكام لسنوات.

ابتلع إريك غصة مريرة، وشعر بضيق في حلقه. حاول إرغام ساقيه على التحرك للأمام، ليخطو تلك الخطوة الأخيرة نحو النزل، لكنه لم يستطع؛ فقد رفضت عضلات جسده الانصياع لأوامره.

ترددت في ذهنه ذكرى قديمة، حادة وواضحة، طغت على حاضره.

مطر، تماماً مثل هذا المطر، يطرق سقف حظيرة خيول مظلمة وكهفية. رائحة القش المبلل والخوف. صبي صغير، لا يتجاوز العاشرة من عمره، يبكي وجسده الضئيل مغطى بالغبار والقش. يقبع منكمشاً في زاوية، يضم نفسه وهو يحدق في ظل ساكن لهيئة محطمة ملقاة على الأرض خارج باب الحظيرة مباشرة.

صرخ الصبي الصغير بصوت ضعيف متهدج: "فيليب! فيليب، استيقظ! فليساعدنا أحد! أرجوكم، ساعدوا أخي!".

بدأت أحداث ذلك اليوم الرهيب تُعرض في رأس إريك كفيلم سينمائي قاسٍ ومعذب. صار تنفسه ضحلاً، ثم تسارع ليتحول إلى لهاث متقطع. بدأ جسده كله يرتجف، رعشة لا يمكن السيطرة عليها بدأت في يديه وانتشرت في كامل كيانه.

ثم، ظهرت هيئة أمامه وسط المطر، شبح تشكل من شعوره بالذنب. كان هو نفسه، ذاته الصغيرة، ووجهه شاحب وهو يرمق إريك بنظرة اتهام.

همس إريك الصغير، وصوته يملؤه حكم الطفل البسيط والمدمر: "لقد كدت تقتل أخانا. كيف يمكن أن تكون بهذا الخبث؟ الآن سيضطر فيليب للمشي بعكاز لبقية حياته، كل ذلك بسببك". وأشار الشبح إليه بإصبع صغير يرتجف: "أنت من فعل هذا!".

كان إريك يعاني من نوبة هلع كاملة. غمره المطر وأصابه ببرد قارس وصل إلى العظام، لكن البرد الذي شعر به كان أعمق، ينبع من الداخل إلى الخارج. جر قدميه، ملتفاً للمغادرة، للهروب من الذكرى، وللهروب من نظرات ذاته الصغيرة المُدينة. كان عليه أن يبتعد.

ولكنه سمع حينها صوتاً، رنيناً عذباً وصافياً اخترق الضجيج في أذنيه. صوتاً بلسم روحه.

"صاحب السمو؟"

كانت ديليا.

التفت إريك ببطء ليراها واقفة هناك، عند مدخل النزل مباشرة، والمطر الغزير قد ألصق شعرها المصفف بعناية على وجهها، وثوبها البسيط قد غرق تماماً.

همس باسمها وكأنه صلاة على شفتيه: "ديليا". كان لا يزال يرتجف، لكن ليس من البرد؛ بل كانت الرعشة الخام والعنيفة لنوبة الهلع. حاول كبحها، وإخفاءها، لكيلا تراه بهذا الضعف، وهذا الانكسار.

حاول السير نحوها مجدداً، لقطع المسافة بينهما، ليحتضنها ويطمئن نفسه بأنها حقيقية وبأمان. ولكن عندما وصل إلى تلك النقطة غير المرئية، على بعد أقدام قليلة من النزل، تجمد مرة أخرى، إذ خانه جسده.

نظرت إليه ديليا؛ هذا الدوق القوي والآمر، يرتجف الآن كطفل خائف تاه في عاصفة. ومن بين تشنجات نوبته العنيفة، تمكن من السؤال بصوت متهدج: "أين فيليب؟".

أجابت ديليا بصوت يملؤه ارتباك سرعان ما تحول إلى قلق: "أخبرني أنه سيكون هنا، لكنني لم أره بالداخل. هل هناك خطب ما؟".

لم يجب إريك، لم يستطع. اكتفى بالوقوف هناك يرتجف، وقلبه يخفق بسرعة جنونية شعر معها وكأنه قد ينفجر من صدره. في البداية، ظنت ديليا أنه البرد، وأنه مجرد شخص مبلل يتجمد من الصقيع، لكنها لاحظت بعد ذلك النظرة التائهة والمرعوبة في عينيه، ووتيرة تنفسه الضحلة والسريعة. كان هناك خطب آخر.

اندفعت إليه وسط المطر وسألت بلهفة: "ماذا بك؟ هل أنت بارد؟ هل أنت مريض؟".

تمتم وأسنانه تصطك: "لا... أنا فقط... أشعر بقليل من... من الدوار".

خارت قواه وسقط على ركبتيه في ساحة الفناء الموحلة.

لم تتردد ديليا؛ جرت وجثت بجانبه في الطين والمطر. سألت بصوت مذعور: "صاحب السمو، هل أنت بخير؟". أزاحت شعره المبلل عن وجهه الشاحب، ودلكت ظهره بحركات دائرية بطيئة وثابتة، ثم أمسكت يديه المرتجفتين بين يديها، تحاول تدفئتهما وطمأنتهما.

قال إريك بصوت منخفض ومنكسر: "هذا ليس عدلاً".

سألت ديليا بذهول: "ما هو؟".

تمكن من قول ذلك وعيناه مثبتتان على وجهها وكأنها الشيء الوحيد الذي يمنعه من الانهيار: "لقد طلبتِ مني... ألا أتجاوز الخط. لكنكِ... أنتِ لتوكِ تجاوزتِ... الخط".

ثم فقد وعيه، وارتخى جسده، وسقط رأسه بثقل ليستند إلى صدرها.

صرخت بصوت يملؤه الذعر: "صاحب السمو! استيقظ!". هزته بلطف لكن لا استجابة. بدأ الذعر يتملكها وقلبها يتسابق خوفاً: "صاحب السمو! أرجوك!".

احتضنته كطفل هناك تحت المطر المنهمر، وكان جسده الثقيل فاقد الوعي حملاً ساكناً بين ذراعيها. نظرت حولها في الفناء المظلم الفارغ وصرخت طلباً للمساعدة، وكان صراخها يائساً ومرعوباً يضيع وسط ضجيج العاصفة.

"ليساعدني أحد، أرجوكم! صاحب السمو، استيقظ أرجوك! أرجوك!".

وفي الأعلى، في غرفة خاصة بالطابق الثاني من النزل، وقف فيليب أمام النافذة، وفي يده كأس من النبيذ. كان واقفاً هناك لبعض الوقت، يراقب المشهد بأكمله وهو يتكشف في الأسفل.

قال لنفسه وابتسامة بطيئة وقاسية ترتسم على وجهه: "ما هذا يا إريك؟ كنت تتصرف وكأنك قوي جداً، ومسيطر تماماً. كدت أصاب بالذعر ظناً مني أنك أصبحت بخير أخيراً". رشف من نبيذه ببطء، وعيناه مثبتتان على المشهد المثير للشفقة بالأسفل: "يبدو أن الماضي لا يزال يطاردك يا أخي الصغير".

ابتسم وهو يرى الطريقة التي كانت بها ديليا تنادي يائسة لطلب المساعدة، ويرى شقيقه القوي فاقداً للوعي وعاجزاً بين ذراعيها. تنهد بصوت ينم عن رضا تام.

تمتم وهو يأخذ رشفة أخرى: "أخي لا يزال كما هو... هشاً جداً، جداً".

تعليقات

"ركن الحكايات.. حيث تذوب القلوب بين السطور

قائمة الاعمال المترجمة

The duke's bed warmer

-الفصل (1)- صحوة النظام

المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي

الفصل (1) ثمن الابنة