الفصل (64) ولدت من جديد: هوس الدوق,
لم يكن الصمت الثقيل الذي خيم على غرفة المكتب يمنح إريك أي عزاء. وقف أمام النافذة الكبيرة يرقب السماء التي تزداد جهمة، لكن عقله لم يكن مشغولاً بالطقس؛ بل بفكرة قبيحة ومُلحة ظلت تومض في ذهنه كخناجر مسمومة، وهي كلمات "آن" الحاقدة من الليلة الماضية: *"جورج بيمبروك يتردد على مقر إقامتك الخاص دون علمك، منذ أن انتقلت ديليا للعيش هناك".*
كان يعلم أنها كذبة؛ كذبة يائسة وخرقاء من امرأة منبوذة. ومع ذلك، فإن الصورة التي استحضرتها تلك الكلمات —صورة وجود جورج في أي مكان بالقرب من ديليا— جعلت عضلة فكه تتوتر بشدة. أطلق زفرة طويلة ومرهقة؛ فالثقة شيء هش، و"آن" قد بذلت قصارى جهدها في محاولة لتحطيمها.
وقعت عيناه على الرسالة القابعة فوق مكتبه. لقد وصلت هذا الصباح، وتحمل ختم عائلته؛ إنها من "فيليب". ظل يتجنبها طوال اليوم، لكنه أدرك أنه لا يمكنه التأجيل أكثر من ذلك. وبتردد، توجه إلى مكتبه، فض الختم، وبسط الرق الورقي الثقيل. بدأ يقرأ، وصوته ينساب كهمس منخفض في الغرفة الساكنة:
*"إريك،*
*هل عدت إلى منزلك بسلام في المرة الأخيرة التي التقينا فيها؟"*
توقف إريك قليلاً، وارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة. سأل نفسه: "منذ متى ونحن يسأل بعضنا عن أحوال الآخر؟". كان السؤال بلاغياً، فهو يعلم يقيناً أن هذا ليس تعبيراً عن قلق أخوي. وتابع القراءة:
*"يجب أن أعترف، لم أركَ بهذه الروح القتالية منذ أمد بعيد. لقد شعرتُ حقاً في الاجتماع أن زواجك من هذه الشابة يمثل أهمية كبيرة لك. في البداية، ظننت أن دفاعك المفاجئ كان متعلقاً بعملك فحسب، ولكنك هرعت حتى إلى المكان نفسه الذي رفضت أن تطأه قدماك لسنوات. بل إنك أجبرت الجميع على التصويت علناً أمام الملأ. لقد كان عرضاً رائعاً بحق.*
*لقد جعلني ذلك أشعر بفضول شديد تجاه خطيبتك. أي نوع من الأشخاص هي، لتلهم أخي الصغير مثل هذا التغيير؟ أتساءل كيف ستكون ردة فعلها لو علمت الطبيعة الحقيقية لإريك كارسون؟ هل ستبقى أم ترحل؟ أجد نفسي أتساءل كيف يكون حالها حين تغضب، أو، والأكثر إثارة للاهتمام، كيف تبدو حين تبكي. وبالحكم على الطريقة الحمائية الشرسة التي تتصرف بها حولها، أنا متأكد أنها لا بد وأن تكون فاتنة الجمال بشكل خاص وهي تبكي. إنها..."*
لم يستطع إريك إكمال القراءة؛ فقد سمع ما يكفي. اجتاحته موجة من الغضب البارد والقارس. لم تكن الرسالة مجرد استهزاء، بل كانت تهديداً صريحاً. لم يكن فيليب مجرد فضولي تجاه ديليا، بل كان يتخيل آلامها، ويتخيل جعلها تبكي. كان يعاملها كأنها دمية جديدة مثيرة للاهتمام يريد كسرها لمجرد رؤية ما بداخلها.
سحق الرسالة في قبضته حتى ابيضت مفاصله. سار نحو الباب بخطوات سريعة ومتلاحقة، وعقله يتسابق؛ ديليا موجودة في مكان ما هناك، في طريقها للقاء هذا الرجل، هذا الوحش. كان عليه أن يصل إليها.
هرع "آيدن"، لرؤيته يهم بالمغادرة، خارجاً من مكتب مجاور وهو يحمل كومة من الأوراق: "صاحب السمو، أحتاج توقيعك على..."
قاطعه إريك فوراً دون أن يبطئ من سرعته: "أياً كان الأمر، تولَّ أنت أمره". كان قد خرج بالفعل من الباب.
نادى بصوت حاد وجهوري تردد صداه في الفناء الهادئ: "سيد راي!".
خرج الرجل الأكبر سناً من بيت العربات، وعلامات الدهشة ترتسم على وجهه: "صاحب السمو؟".
سأل إريك، وصوته مشدود بضرورة تقترب من حد الذعر: "هل تعلم إذا كانت الليدي ديليا في المنزل؟".
أجاب السيد راي: "لا يا صاحب السمو. لقد غادرت هذا المساء، قبيل مجيئي إلى هنا لإعادتك من عملك. لقد أصرت على أنك ستكون متعباً وتحتاج العربة أكثر مما تحتاجها هي".
تلك الإيماءة البسيطة والمرهفة أحدثت وخزة أخرى في قلب إريك. حتى وهي تبتعد عنه، كانت لا تزال تفكر فيه. سأل وصوته الآن يملؤه اليأس: "هل تعرف أين ذهبت؟".
أجاب راي: "نعم يا صاحب السمو. لقد استأجرت عربة خاصة، وكانت محددة جداً بشأن وجهتها؛ أخبرت السائق أن يأخذها إلى (نزل البريد القديم) على الطريق الشرقي".
إنه الموقع نفسه الذي أرسله لها فيليب. تأكدت أسوأ مخاوفه. أمر إريك بحزم: "خذني إلى هناك".
نظر راي إلى السماء؛ كانت الغيوم ثقيلة ومظلمة، وهي علامة مؤكدة على عاصفة وشيكة. قال: "صاحب السمو، المطر على وشك الهطول بغزارة. ربما ينبغي لنا الانتظار..."
قاطعه إريك وقد فقد السيطرة على أعصابه: "لا وقت لذلك! أحضر العربة الآن ولنغادر هذا المكان".
حاول راي، وهو يرى النظرة المحمومة والجامحة في عيني سيده، أن يتحدث معه بالعقل للمرة الأخيرة: "ماذا لو كان فخاً يا صاحب السمو؟ ماذا لو كان الدوق فيليب ينصب لك مكيدة ما؟ أنت تعلم ما يحدث عندما تمطر...".
زأر إريك بصوت لا يقبل الجدل: "راي. الآن!".
أحنى راي رأسه، ونحى مخاوفه جانباً أمام واجبه: "أمرك يا صاحب السمو". وفعل كما أُمر، حيث جهز العربة بسرعة لتلك الرحلة الطارئة.
كان "نزل البريد القديم" مؤسسة محترمة ولكن هادئة، مكاناً يمكن للناس فيه الالتقاء دون جذب الكثير من الانتباه. دفعت ديليا للسائق وترجلت من العربة المستأجرة، وهي تشد عباءتها حولها بإحكام. لقد وصلت.
دخلت إلى الداخل، ومسحت عيناها غرفة الطعام. كانت الرسالة غامضة؛ فقد كتب فيليب: *"سأكون هناك في القاعة الرئيسية، ستعرفينني فور رؤيتي"*. نظرت وسط بحر الوجوه؛ تجار يتشاركون وجبة، عائلات في طريقهم إلى البلدة التالية، وبعض المسافرين الهادئين يقرؤون بجانب المدفأة. كانت تبحث عن شخص توحي هيئته بلقب "دوق"، شخص يتمتع بهالة من القوة والسلطة مثل إريك، لكنها لم ترَ أحداً.
تجولت في أرجاء المكان، ويزداد شعورها بعدم الارتياح مع مرور كل دقيقة. حتى أنها سألت الموظفين هناك بسرية، صاحب النزل وفتاة الخدم، عما إذا كان الدوق فيليب كارسون قد وصل، فهز كلاهما رأسه وقالا إنهما لم يريا أي دوق هذا المساء.
قالت لنفسها وهي تقف مجدداً عند مدخل النزل: "هذا غريب". هل غير رأيه؟ هل كانت هذه مجرد لعبة بالنسبة له؟
وبينما كانت واقفة تفكر في خطوتها التالية، انفجرت السماء أخيراً. بدأ المطر يهطل بغزارة، هطولاً مفاجئاً وعنيفاً غمر الطريق المترب في ثوانٍ. تراكض الناس بحثاً عن مأوى. كانت ديليا على وشك الاندفاع عائدة إلى داخل النزل عندما لفت انتباهها شيء ما.
عبر ستارة المطر الرمادية الكثيفة، كان هناك شخص يقف بين الممر الرئيسي وشجرة كبيرة وحيدة في الفناء. كانت الهيئة ساكنة تماماً، تبدو مترددة وخائفة من الحركة، وكأن قدميها مغروستان فعلياً في الأرض. كان المطر الغزير يغمر الشخص تماماً، ومع ذلك لم يحرك ساكناً للبحث عن مأوى.
امتلأ قلبها بشعور غريب من الشفقة تجاه تلك الهيئة المتجمدة. ولكن بينما كانت تضيق عينيها محاولة الرؤية بشكل أفضل، اجتاحتها موجة صادمة من الإدراك؛ الطريقة التي يقف بها، وضعية كتفيه، شكل رأسه...
لقد كان إريك.

تعليقات
إرسال تعليق