الفصل (63) ولدت من جديد: هوس الدوق,
*طق... طق... طق.*
دقة خفيفة ومدروسة ترددت على باب غرفة "آن"، لكن "أوغستا" كانت هي من منحت الإذن بالدخول من الداخل، حيث أمرت بصوت حازم: "ادخل". خطت الخادمة إلى الداخل، وعيناها منكسة باحترام.
أعلنت الخادمة بصوت خفيض، وكأن الهواء نفسه قد ينقل الخبر إلى آذان غير معنية بسماعه بعد: "لقد وصل يا بارونة". ارتسمت ابتسامة باهتة على شفتي أوغستا وقالت: "أخبريه أنني سأنزل في غضون دقيقة". انحنت الخادمة بعمق ثم انصرفت.
أخذت أوغستا لحظة لتستجمع هدوءها؛ تفحصت انعكاس صورتها، وأصلحت خصلة شعر متمردة، ثم هبطت الدرج الكبير لمقابلة ضيفها. دخلت غرفة الاستقبال حيث كان الرجل ينتظرها بالفعل.
نادت بصوت حاد: "غيبل!".
ظهرت السيدة "غيبل" بجانبها في الحال: "نعم، يا بارونة".
أمرت أوغستا وهي تشير بيدها لصرف تدبير المنزل: "بعض الشاي لضيفنا ولي". ورغم ما حدث منذ لحظات، واصل الخدم والحراس مهامهم وكأن شيئاً لم يكن.
نهض الرجل فور دخول أوغستا، فبادرت بتحيته قائلة: "سيد بريسكوت، لقد تأخرت".
انحنى بريسكوت، وهو رجل في أواخر العشرينيات، ذو مظهر حاد ونظرات يقظة، باحترام. لسنوات، كان هو عين أوغستا وأذنها في المملكة، مخبراً خاصاً بارعاً في عمله. قال وهما يجلسان: "اعتذاري يا بارونة، المعلومات التي طلبتِها كان من الصعب الحصول عليها".
اتكأت أوغستا إلى الوراء بكرسيها، وشبكت أصابعها قائلة: "أعطني التقرير".
بدأ بريسكوت بصوت منخفض واحترافي: "بارونة، بخصوص استفسارك الأول؛ هناك شخص ما يستثمر بكثافة في صبغات الليدي ديليا الخاصة. لقد تتبعتُ عمليات الشراء وصولاً إلى تجار مختلفين يشحنون جميعاً إلى الجزر الجنوبية، لكنني لم أستطع تحديد الشخص الذي يمول العملية بدقة، إذ ينقطع الأثر هناك".
فركت أوغستا جبهتها بعبوس مفكر: "لقد ارتبتُ في ذلك بالفعل. لا عجب أن الفتاة استجمعت كل تلك الشجاعة لتهدي آل (كارسون) صبغة مخصصة لتعاقد شخص آخر".
وتابع بريسكوت: "وهذا الشخص يستثمر بشراسة يا بارونة، إنه يشتري فقط النسخ الأصلية والنقية من الصبغات، ولا يقبل بالمخففة. إنهم يدفعون مبالغ طائلة مقابل الجودة؛ إنه دعم مالي ضخم".
سألت أوغستا، وكان همها الأول دائماً هو المال: "هل سيؤثر كل هذا على دخلنا؟ إيجاباً أم سلباً؟".
اعترف بريسكوت: "لا أعلم بعد يا بارونة. سوق تلك الصبغات عالية الجودة حصري للغاية. وجود مشترٍ جديد ومندفع قد يرفع الأسعار، وهو ما سيكون جيداً لكِ، أو قد يحاول احتكار الإمدادات. سأبحث في الأمر أكثر".
مالت أوغستا للأمام وضاقت عيناها: "هل تعتقد أنه الدوق إريك؟".
أجاب بريسكوت: "لقد بحثتُ في كل السيناريوهات المحتملة، ولم يمنحني أي منها إجابة مرضية. تمكنتُ من فحص معاملاته الأخيرة وحسابات شركة الصبغات الخاصة به بسرية، ولم يكن لجلالته أي دخل بالأمر. الأموال تأتي من مصدر مختلف تماماً ولا يمكن تعقبه".
استرخت أوغستا في مقعدها الوثير، وظهر وميض من خيبة الأمل في عينيها. قالت: "حسناً، وماذا عن الشخص الآخر الذي طلبتُ منكِ البحث في أمره؟".
استحال تعبير بريسكوت إلى الجدية: "كانت شكوككِ في محلها يا بارونة. يبدو أنه يحمل عداءً عميقاً لشقيقه الدوق إريك". مد يده إلى جيب معطفه وسلم أوغستا منشوراً مطبوعاً بطريقة رخيصة ومطوياً.
أخذته أوغستا وقرأت العنوان العريض بصوت عالٍ: "’قد يطرأ تغيير على خط الخلافة في مؤسسة كارسون للمنسوجات‘". مسحت عيناها الصفحة حتى وجدت عنواناً فرعياً آخر: "’صدام بين الدوق فيليب والدوق إريك حول السلطة في اجتماع المجلس الاستشاري‘". بدأت ابتسامة بطيئة ومفترسة تتشكل على شفتيها: "لماذا لم أرَ هذا إلا الآن؟".
أوضح بريسكوت: "لقد سحبه آل كارسون من التداول فوراً قبل أن يصل إلى العامة؛ لديهم سيطرة قوية على المطابع. بالكاد استطعت الحصول على هذه النسخة الوحيدة من أحد المصادر".
اتسعت ابتسامة أوغستا؛ كان هذا بالضبط ما تبحث عنه: شرخ في واجهة عائلة كارسون المثالية.
اقترح بريسكوت: "ربما يمكننا ترتيب لقاء مع هذا الدوق فيليب".
وافقت أوغستا، وعقلها يسابق الزمن في صياغة خطة جديدة: "نعم، أهم شيء في أي تعاون هو امتلاك الهدف نفسه". كانت ابتسامتها الآن تجسيداً للخبث الصافي؛ فهدفها كان تدمير سعادة ديليا، ويبدو أن الدوق فيليب يشاركها هدفاً مماثلاً تجاه شقيقه.
اهتزت العربة المستأجرة فوق الشوارع المرصوفة بالحصى، مبتعدة بـ "ديليا" أكثر فأكثر عن وسط المدينة. جلست وحيدة، تقبض على رسالة في يدها، وقد تجعد الورق قليلاً بسبب قبضتها المتوترة. بالأمس، وبعد محادثتهما الصباحية الحادة، لم يعد إريك إلى مقر إقامته، بل أرسل رسالة يقول فيها إنه سيكون في كوخه، ومنذ ذلك الحين لم تسمع عنه خبراً.
فكرت في نفسها: "لا بد أنه غاضب مما قلته. أتساءل إن كان قد تناول طعامه اليوم؟".
نظرت إلى الرسالة في يدها؛ كان الخط الأنيق وغير المألوف يعود للدوق فيليب. لقد حدد لها مكان اللقاء: نزل هادئ ومرموق يسمى "نزل البريد القديم" على الطريق الشرقي.
ثم شردت نظراتها خارج نافذة العربة؛ كانت المناظر الطبيعية المارة باهتة بينما عادت أفكارها إلى إريك. هل كانت صارمة أكثر من اللازم؟ تردد صدى السؤال كهمس مستمر في هدوء العربة المتحركة. فتحت الرسالة مرة أخرى، وتلمست أصابعها حوافها الورقية؛ كانت هذه المرة الثالثة التي تقرأها فيها، تتفحص كل سطر وكل كلمة اختيرت بعناية، فكانت بحاجة للتأكد واستيعاب كل تفصيلة من المعلومات التي تحتويها.
خشخش الورق بنعومة وهي تبسطه مرة أخرى، وتتبعت عيناها الخط المألوف. وعندما شعرت بالرضا، أفلتت زفرة من بين شفتيها، وطوت الرسالة بدقة على ثنياتها الأصلية ووضعتها بأمان في جيبها. تمايلت العربة بلطف إثر فجوة في الطريق، مما أعادها إلى الحاضر.
بيدين وئيدتين، بدأت في ارتداء قفازاتها، وكان ملمس الجلد الناعم يمنحها شعوراً مألوفاً بالراحة. ظل التمايل الإيقاعي للعربة ثابتاً وهي تمضي بها في الطريق، مقتربة أكثر مما ينتظرها في ذلك النزل.

تعليقات
إرسال تعليق