الفصل (63) Garden of may_حديقة مايو,

 


## رواية حديقة ماي (Garden of May)

### الفصل 63: حدود الاتفاق وهدنة الصيف

استندت فانيسا برأسها على الفراش وهي تحاول التقاط أنفاسها، وشعرت بهدوء غريب يسري في جسدها المجهد بعد كل ذلك التوتر الذي عاشته. مع تلاشي أصوات القصر وأجوائه الكئيبة، تملّكها شعور بالارتياح التام؛ فوجودها هنا، ووصولها إلى هذه اللحظة من السلام الصامت بعيداً عن ضغوط عمها والكونت رودين، جعلها تتصالح مع حقيقة اختيارها. في هذا المكان، لم تعد تهتم بالقيود، وشعرت بغرابة أنها باتت راضية عن هذا الملاذ الذي صنعته لنفسها.

بح صوت فانيسا تماماً من شدة الإرهاق والتوتر، وحاولت تجربة صوتها وهي تهمس بضيق: "آه... إن حنجرتي تؤلمني بشدة وكأنها متورمة". كان كتمان قلقها ومحاولتها البقاء هادئة طوال الوقت قد أجهداها كثيراً.

تأملها ريفير بنظرته الحاذقة وقال: "لم يكن عليكِ الضغط على نفسكِ وكتمان مشاعركِ إلى هذا الحد".

ردت عليه بنبرة قلقة: "ولكن ماذا لو شعر أحد بوجودنا هنا، أو التفت إلى غيابي المستمر؟".

رفع ريفير حاجبيه ببرود وتساؤل: "ألم تكوني تخططين لمواجهة الأمر في النهاية وإعلان موقفكِ؟".

أجابت بتنهيدة: "بالتأكيد... في النهاية نعم، ولكن ليس الآن".

"إذن لماذا كل هذا الخوف حالياً؟".

قالت بصوت منخفض يحمل حساً من المسؤولية: "لأنني إذا تسرعت واكتشفنا أحد الآن في هذا الكوخ، فستكون أنت من يقع في المأزق والخطر الأكبر أمام نفوذ عائلتي".

التفت ريفير روس نحوها عند سماع كلماتها، وارتسمت على وجهه ملامح الدهشة وعدم التصديق، ثم قال بنبرة جادة: "أنا رجل أستطيع حماية نفسي وجسدي، وكان الأجدر بكِ الاهتمام بهدوئكِ النفسي وراحتكِ أولاً بدلاً من القلق بشأن الآخرين".

كادت فانيسا أن تقاطعه وتقول: *(وماذا لو علم عمي بالأمر، واستغل الموقف لإيذائك أو إبعادك؟)*، لكنها ابتلعت الكلمات التي اندفعت إلى طرف لسانها وفضلت الصمت.

أحياناً، كانت تظن أن ريفير يتظاهر بالاهتمام فقط كجزء من دوره في هذا الاتفاق المؤقت والمصلحة المشتركة، دون أن يحمل مشاعر حقيقية في قلبه. هذه الأفكار المشوشة جعلتها تشعر بنوع من عدم الأمان. تنهدت فانيسا وأومأت برأسها قائلة: "حسناً، سأحاول الهدوء في المرة القادمة".

ضاقت عيناه بتسلية وكأنه يختبر مدى صدقها، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة مازحة وسألها: "هل هذا يعني أنكِ تخططين للقدوم إلى هنا واللقاء بي مجدداً؟".

ارتبكت قليلاً ثم أجابت بجمود مصطنع: "... الصيف ما زال في بدايته، ولم ينتهِ بعد".

عقب ريفير بهدوء: "آه، الصيف. صحيح".

تابعت فانيسا وهي تحاول ترتيب أفكارها لإبقاء المسافات بينهما: "أنا حقاً لا أقصد أي شيء آخر بكلماتي. إنه مجرد... اتفاقنا المبرم. نحن ننفذ شروط عقدنا بغض النظر عن مشاعرنا الشخصية تجاه الأمر أو مدى إعجابنا به".

أحكم ريفير قبضته برقة على معصمها النحيل وقال بصوت منخفض قطع استرسالها: "أنتِ تتحدثين كثيراً وتخلطين الأمور ببعضها يا فانيسا". ثم نظر في عينيها مباشرة وتابع بجدية مباغتة: "هل كلامكِ هذا يعني أنكِ لم تجدي أي راحة أو طمأنينة في وجودكِ بجانبي هنا؟".

تحولت نظراته المتسلية فجأة إلى جدية تامة، وحل محل قناع البرود تعبير رصين وصادق. في الأحوال العادية، كانت فانيسا ستتظاهر بأنها لم تسمع السؤال لتتهرب من الإجابة، لكن ملامحه الجادة الحالية جعلت من المستحيل عليها تجاهله، وهي عادة قديمة تلازمها منذ صغرها عندما تواجه مواقف حاسمة.

تحاشيت فانيسا النظر إلى عينيه مباشرة، وقالت بصوت خافت أقرب إلى الهمس: "... بل شعرت بالراحة التامة، بالطبع".

شعرت بالحرج الشديد بعد هذا الاعتراف الصريح، لكن الابتسامة الدافئة والعفوية التي ارتسمت على وجه ريفير في اللحظة التالية بددت كل مخاوفها وأزالت حاجتها للتظاهر بالبرود. لم يعد يهمها بعد الآن كيف تبدو في نظره، أو كم تبدو متمسكة بوجوده معها.

تحرك النسيم فجأة في الخارج ليلفت انتباه ريفير روس، وانسدلت خصلات شعره الأسود الناعم بخفة فوق جبهته وهو يلتفت نحو النافذة.

كان قمر المساء الباكر قد بدأ يلوح في الأفق، وأخذت أولى أسراب مضيئات الليل (الحباحب) تتصاعد برقة فوق شجيرات الورد الطازجة في الحديقة المحيطة بالكوخ. كانت لحظة ساحرة للغاية، تشبه في جلائها زبد الأمواج الذي يتكسر على الصخور البحرية، وحملت هذه اللحظات العابرة وهماً جميلاً بأن الوقت قد تباطأ ليتوقف تماماً بينهما.

راقبت فانيسا هذا المشهد وهي مأخوذة تماماً، ولم ترمش بعينيها حتى لا تضيع تفاصيل ملامحه. وسألت نفسها في غمرة تفكيرها: هل كان يرتدي دائماً هذا التعبير الهادئ والعميق عندما كان يبحر في عرض البحر ويستشعر حرية الرياح على وجهه؟

في بعض الأحيان، كانت تسمح لنفسها بخيال عابر ومستحيل؛ وهو أن ريفير قد يبادلها نفس مشاعر الاهتمام والتعلق. ففي الآونة الأخيرة، أصبح ريفير يتصرف بلطف وعطف كبيرين، وكأنهما يعيشان علاقة حقيقية وليست مجرد صفقة.

كان يبحث عنها ويسأل عن أحوالها بانتظام، ويتشبث بوجودها بجانبه برغبة قوية كشخص وجد واحة في وسط صحراء قاحلة. كان يتصرف في كثير من الأحيان وكأن هذا الصيف لن ينتهي أبداً، وكأن ترتيباتهما المؤقتة ستستمر بلا نهاية، وكأن الأمر يتعدى حدود العقد المكتوب بينهما.

وفكرت بحزن: "وهذا هو الشيء الوحيد الذي تمنيته، أليس كذلك؟".

لكن خيبة الأمل كانت تلحق بها دائماً في كل مرة تحاول فيها قياس مدى صدق مشاعره أو البحث عن حقيقة نواياه. وفي النهاية، أدركت أن محاولة وضع خط فاصل بين التصرف المصطنع والحقيقة باتت أمراً غير مجدٍ ويائساً.

ولم تكن تدري إن كان ريفير روس يلاحظ تلك النظرات المليئة بالحيرة والتعلق التي ترمقه بها من حين لآخر أم لا.

قاطع حبل أفكارها الشاردة والمضطربة امتداد يده الثابتة مجدداً، لترفع ذقنها بلطف نحو الأعلى. وانحنى ريفير واقترب منها كثيراً، بينما استندت يده الأخرى على ظهر مقعدها، ليعيد تثبيت نظراتها نحو واقع وجوده الحالي بجانبها...

*

تعليقات

"ركن الحكايات.. حيث تذوب القلوب بين السطور

قائمة الاعمال المترجمة

The duke's bed warmer

-الفصل (1)- صحوة النظام

المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي

الفصل (1) ثمن الابنة