الفصل (63) زوجة الدوق المقنعة 2: عروس الامير المنبوذة,
# 📖 عروس الأمير المنبوذة - الفصل الثالث والستون: اهرُب معي (الجزء الرابع)
ترجل الكاهن بيتر من عتبة منزله ليلقي نظرة فاحصة على الثنائي الشاب؛ كانت ملابسهما الفاخرة تنطق بوضوح بأن ثمة عاصفة من المشاكل تلوح في الأفق، ولم يكن من الصعب أبداً تخمين أنهما ينتميان إلى عائلات أرستقراطية رفيعة المستوى.
تنهد بيتر بعمق وقال: "استمعا إليّ، أنا أعلم أنكما أيها الشباب تلتقون في رقصة واحدة وتظنون فجأة أنكما وقعتما في الحب، لكن الزواج لا يجب أن يأتي بهذه السرعة والتهور. خذا وقتكما في الرقص معاً أو اخرجا في نزهة، وفكرا في الأمر جيداً قبل أن تزعجا خلوتي.. هيا، انطلقا من هنا".
رد تيريون بلهجة حازمة وثابتة وهو يضع قدمه حائلاً دون إغلاق الباب: "نحن نعرف بعضنا البعض طوال حياتنا. فهل ستزوجنا أم لا؟".
حدق بيتر في وجه تيريون ملياً، وتملكه شعور مألوف للغاية: "لقد رأيتك من قبل.. أين رأيت هذا الوجه؟".
وراح بيتر يحك رأسه محاولاً تذكر المكان الذي رأى فيه هذا الشاب؛ كانت المعرفة على طرف لسانه، لكنه لم يستطع استدعاءها.
سألت بينيلوبي بـتوجس وهي تقترب لتستمع للحوار، لكنها ارتاعت فجأة عندما صرخ العجوز مستنكراً: "ما الذي فعلته أنا؟"، واندفعت تختبئ خلف ظهر تيريون لتتوارى عن الأنظار.
ارتجف بيتر بشدة وهو يوجه إصبعه المرتعش نحو بينيلوبي قائلاً بصوت متهدج: "أنتِ!"؛ فقد ميز وجهها جيداً.
كان هناك ماضٍ يطارده كـالكابوس لسنوات طويلة، وثمة وجه واحد لم يكن بمقدوره نسيانه أبداً، وبمجرد رؤية ملامحها، تذكر على الفور وجه والدها ووالدتها.
سأل بيتر بـرعب: "ما هو اسمكِ بالكامل؟".
أخرجت بينيلوبي رأسها من خلف ظهر تيريون وأجابت بـبراءة: "بينيلوبي كولينز".
وضع بيتر يده على صدره بـذعر وهتف: "والدكِ هو الدوق كولينز! لا يمكنني مساعدتكم، انطلقا بعيداً عني".
وقبل أن يتمكن من التراجع إلى الداخل، أطبق تيريون بقبضته القوية على ياقة قميص بيتر وجذبه بصرامة قائلاً: "ولي عهدك هو من يأمرك الآن بتقديم المساعدة لنا".
بكى بيتر بـحسرة أكبر بعد أن أدرك أخيراً هوية الشاب الواقف أمامه؛ وكم كان غبياً ومرهقاً لدرجة تجعله ينسى ملامح ولي العهد!
قال بيتر بـألم وهو يُسحب خارج منزله: "أنا أريد فقط العيش بسلام.. ألم أعانِ بـما فيه الكفاية؟ لقد غادرت الكنيسة الكبرى لأبتعد عن بطش والدكِ، والآن تأتي أنت إليّ!".
تملكت الفضول بينيلوبي من القصة التي يرويها هذا العجوز وسألته: "هل كنت أنت الكاهن الذي أتم مراسم زواجهما؟".
أومأ بيتر برأسه إيجاباً وقال: "كان ذلك رغماً عن إرادتي؛ فـوالدكِ كان يمسك بـمأخذ ضدي. يجب عليكما الذهاب إلى الكنيسة المجاورة، فـالكاهن هناك لن يرفض تزويجكما؛ فنحن لا نغلق أبوابنا في وجه أحد أبداً".
رد تيريون بنبرة قاطعة: "كلا، لن نذهب إلى هناك؛ فـبمجرد خروجنا ستُرسل بـخبر إلى القصر الملكي تفيد بـأنك رأيتني. كل ما نريده منك هو إتمام مراسم الزواج ونمضي في طريقنا، ولن نتحدث عن وجودك هنا بـأي سوء.. في الوقت الحالي على الأقل".
وراح بيتر يلوح بيديه يميناً وشمالاً محاولاً جعل تيريون يفلت ياقته قائلاً بـيأس: "لا، لا، لا! لقد حصلت على سلامي أخيراً بعد أن طعنني ذلك المجنون قبل سنوات طويلة؛ فـزوج عمتكِ لاحقني بـسبب ذلك الزواج، ولا يأتي أي خير أبداً من سلالة عائلتكِ".
علقت بينيلوبي بـدهشة: "لم أكن أعلم هذا الجزء من الماضي بـالفعل".
قال تيريون بـلهفة وهو يجذب بيتر إليه أكثر بـنظرات حادة: "أنا لا أكترث بـماضيك مع عائلة كولينز؛ نحن هنا فقط لـنتزوج ونمضي في طريقنا. فـهل تريدني أن أحول مراسم هذا الزواج إلى جنازة لـك؟".
ولم يكن من الصعب بـالفعل على الأمير الشاب أن يكسر عنق هذا العجوز الضعيف الهزيل لو أراد ذلك.
ضرب بيتر بـيده على يد تيريون بـرجاء خافت، وهو يشعر بـأن أنفاسه تكاد تنقطع لـشدة إطباق القميص حول عنقه: "أنت تؤلمني بـالفعل".
لامست بينيلوبي يد تيريون بـرقة، وقررت التدخل والتحدث بـأسلوب لطيف حتى لا يرفض الكاهن مساعدتهما: "هل يمكنك أرجوك أن تقدم المساعدة لنا؟ ليس لدينا أي شخص آخر نلجأ إليه الليلة، ونعدك بـأننا لن نجلب لك أي أذى أو سوء.. أرجوك".
وأمام غريزة البقاء ورغبته في النجاة، أومأ بيتر برأسه موافقاً رغماً عن قناعته الداخلية.
أفلت تيريون قميص بيتر، لـيوجه العجوز نظرة حانقة نحو الأمير قبل أن يلتفت إلى بينيلوبي قائلاً: "أنتِ تملكين نفس الذوق السيئ والتعس الذي كانت تملكه والدتكِ؛ إنه ولي العهد بـالفعل، لكنكِ لستِ مضطرة لـلمضي قدماً معه في هذا الطريق، قولي الكلمة فقط وسأغلق الباب في وجهه فوراً".
شعر تيريون بالندم والمقت لـلمجيء إلى هنا؛ فـكيف لـشخص بـهذه المواصفات أن يكون كاهناً؟
أجابت بينيلوبي بـثبات وابتسامة: "أنا أريد الزواج منه بـالفعل".
تمتم بيتر بـتذمر وهو لا يكاد يصدق كلماتها: "حسناً.. لا أحد يستمع إلى نصائحي أبداً في هذه الحياة؛ لا والدتكِ، ولا عمتكِ، والآن أنتِ".
علقت بينيلوبي بـحيرة واستغراب من تلميحاته بـشأن والدتها: "والداي لا يزالان يعيشان في زواج سعيد للغاية حتى الآن".
رد بيتر وهو يتنحى جانباً لـيفسح لهما المجال للدخول: "نعم، هي لا تزال عالقة مع ذلك الوحش وأنجبت منه أطفالاً بـالفعل! لو كنتِ تعلمين فقط كم من المرات التي قام فيها والدكِ بـإخافتي أو محاولة القضاء عليّ.. إنه ليس قديساً بـأي حال من الأحوال".
وبالنظر إلى الطريقة العنيفة التي أمسكه بها ولي العهد قبل قليل، كان بيتر على يقين تام بأن تيريون ليس قديساً هو الآخر.
دخل تيريون إلى المنزل الريفي الصغير أولاً، وبعد أن تفقد المحيط وتأكد من سلامة المكان تماماً، مد يده برقة لـبينيلوبي لـتلحق به.
وكانت لدى بيتر تساؤلات لا حصر لها بـشأن الأسباب التي تدفع ولي عهد المملكة لـلزواج بـهذه الطريقة السرية بـدلاً من إقامة حفل زفاف ملكي باذخ داخل أسوار القصر؛ فقد كان يقضي أيامه إما في الكنيسة المجاورة أو في منزله، لكنه سمع بـالفعل عن كل تلك الضجة والتحضيرات المتعلقة بـزفاف ملك المستقبل. وكان أغلب النساء والفتيات يتساءلن بـفضول شديد عما سترتديه عروس تيريون في ذلك اليوم المنتظر.
تأمل بيتر فستان بينيلوبي؛ ورغم أنه كان فستاناً فاخراً وراقياً، إلا أنه كان بعيداً كل البعد عن أن يكون فستان زفاف، وبعيداً للغاية عن ذلك الفستان الذي سمع بأن الشابة كانت تتخيله لـيوم عرسها.
وبدا الأمر غريباً ومثيراً لـلسخرية بـأن تضطر ابنة الدوق وابن الملك إلى اللجوء إلى هذا الكوخ البسيط لإتمام زواجهما، لكن من ناحية أخرى، فقد قام هو نفسه بـتزويج الدوق كولينز من الدوكة الحالية بـنفس هذه الطريقة بـالظبط في الماضي.
وفكر بيتر في نفسه بـمرارة: 'ثم يصفونني بـأنني كاهن رخيص وثمن بخس'.
ففي أيام شبابه، كان يرى أن لديه كل الحق في الأخذ من ثروات الأغنياء الذين لا يدرون كيف يتصرفون بـأموالهم الطائلة؛ ولـسوء الحظ، فإن أساليبه في السرقة والتحايل هي التي أوقعته في شباك إدغار كولينز وتسببت في كل ورطاته.
سأل بيتر بـضيق رغبة في إنهاء هذا الموقف بـأسرع وقت: "هل أنتما مستعدان؟".
ففي أي يوم آخر، كان بيتر سيكون في غاية الحماس لإتمام مراسم زفاف، لكنه لم يكن قادراً الليلة على التخلص من ذلك الشعور المزعج بـأنه قد يتعرض لـلطعن مجدداً.
أجابت بينيلوبي وهي تخلع معطف تيريون الثقيل عن كتفيها: "أنا مستعدة".
ونظرت إلى الأسفل نحو فستانها، متسائلة إن كان مظهرها يبدو جيداً ومناسباً؛ فـهذه اللحظة ستظل محفورة في ذاكرتها لـبقية حياتها، وبما أن تيريون سيتذكرها بـالتأكيد أيضاً، فقد كانت تتوق لـتبدو غاية في الجمال والروعة في عينيه الآن.
قال تيريون بـعذوبة وهو يرفع خصلات شعرها المتناثرة ويضعها خلف أذنها بـرقة: "مظهركِ مثالي ولا غبار عليه".
ورغم أن الرياح العاتية قد أحدثت فوضى خفيفة في مظهرها بـسبب السرعة الكبيرة التي ركبا بها الحصان لـلوصول إلى هنا، إلا أنها كانت ولا تزال المرأة الأكثر جمالاً وجاذبية في العالم بـأسره في عينيه.
قَطب بيتر جبينه بـانزعاج من روعة الأجواء الرومانسية بين الثنائي الشاب وسأل بـتذمر: "أين الخواتم؟ أنتما تملكان خواتم الزفاف، أليس كذلك؟".
وبدأت تفاصيل تلك الليلة القديمة مع والدي بينيلوبي تتضح في عقله بـشكل جلي الآن.
التفتت بينيلوبي نحو تيريون بـتفاجؤ قائلة: "أوه..".
تنهد بيتر بـحسرة: "أنتما لا تملكانها بـالفعل.. سيتعين عليّ إذن البحث في الأرجاء لـأرى إن كان لدي خاتم قديم أو ربما بعض الخيوط الملقاة هنا وهناك لـنربط بها أصابعكما".
أخرج تيريون الخواتم التي قام بـصنعها بـنفسه مسبقاً وقال بـلهجة حازمة: "أنا أملك الخواتم بـالفعل؛ وأقترح عليك أن تتصرف كـكاهن حقيقي الآن بـدلاً من أن تكون الشخص الذي يفسد مراسم زفافنا بـكلامه".
تمتم بيتر بـصوت منخفض وهو يتحرك بـخطوات سريعة: "أنا من يفسد الأمر؟ أنت ولي عهد المملكة وتستعد لـعقد زواجك في منزل شخص غريب بـالكامل!". فقد كان الزواج في نظره بـائساً ومحطماً منذ البداية، وصاح بـذعر بـمجرد أن رأى تيريون يتقدم نحو ياقته مجدداً: "سأقوم بـالأمر بـشكل صحيح وقانوني فوراً!".
نظر بيتر نحو بينيلوبي، محاولاً بـنظرات صامتة تساؤلية أن يعرف إن كانت تريد بـالفعل المضي قدماً في هذه الخطوة، لكن كل ما فعلته هي أنها ابتسمت له بـسعادة ورضا تام.
وتنهد بيتر في أعماقه بـأسى قائلاً: 'شابة أخرى تلقي بـنفسها طواعية بين ذراعي وحش كاسر'.

تعليقات
إرسال تعليق