الفصل (62) Garden of may_حديقة مايو,
## رواية حديقة ماي (Garden of May)
### الفصل 62: لحظة غياب عن الواقع
ارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة وهو يراقب ملامحها الشاردة، ثم اقترب منها ليعيد فرْض ذلك التفاهم الصامت بينهما. ساد الغرفة صمت عميق لم يقطعه سوى أنفاسهما المتسارعة، حيث غرقا معاً في تلك الهدنة المؤقتة التي يبحثان عنها؛ هدنة تجعل فانيسا تنسى، ولو للحظات، كل الضغوط المحيطة بها في القصر.
أحاطت يدها بكتفه، وشعرت بثقل الأفكار والمخاوف يتبدد تدريجياً أمام حضوره الطاغي. كانت الشدة المفاجئة لهذه المشاعر تجعل رؤيتها للأمور مضطربة وضبابية، حتى أن ثيودور (ريفير) نفسه التزم الصمت لثوانٍ، وتراجعت حدة ملامحه ببطء أمام هذا الاستسلام الهادئ.
أطلق تنهيدة طويلة ودافئة، مرخياً حصاره قليلًا، لتتراجع فانيسا وتستند إلى الفراش وهي تحاول التقاط أنفاسها.
لم تكن تدرك مدى تأثير هذا التوتر النفسي عليها؛ فغطت كفها الصغيرة كفه الكبيرة وضغطت عليها برفق، وكأنها تبحث عن نقطة ارتكاز ثابتة وسط كل هذا الاضطراب. حرك ريفير جلسته بجانبها، متأملاً ملامح وجهها المحمرة وخجلها الواضح، مما جعلها تطرق برأسها وتتجنب النظر مباشرة إلى عينيه.
انحنى برأسه قليلاً، ممرراً أصابعه برقة على طول عنقها، وانطلقت منه ضحكة خفيفة وهادئة بددت بعضاً من حرجها، بينما كانت هي تشعر بقلبها ينبض بسرعة.
وقال بنبرة منخفضة: "تبدين متوترة جداً اليوم...".
"أنا فقط... مشتتة الذهن".
"الملامح الهادئة تناسبكِ أكثر، لا داعي لأن ترتجفي هكذا". استمر في الحديث معها بنبرته الهادئة والواثقة، متعمداً إبعاد تفكيرها عن مشاكل زفافها الوشيك وكل ما يقلق بالها. كانت طاقته وحضوره يحيطان بها تماماً، مما جعلها تستسلم لهذا الوقت المستقطع دون تفكير في العواقب.
أمسك بيدها وثبتها فوق الفراش الأبيض، متأملاً ملامح الخجل الشديد التي كست وجهها، وتجنبها التام للحديث عن القصر أو عن الغد.
وقالت بصوت منخفض ومتردد وهي تحاول استعادة ثباتها: "ريفير... دعه يكون وقتاً هادئاً... أرجوك".
وعندما شعرت بأن الأفكار كادت تعصف برأسها مجدداً، أحكم ريفير قبضته اللطيفة على معصمها، وجذبها إليه ليعيدها إلى واقع الغرفة الحالي. ورغم طبيعة اتفاقهما الجافة والمؤقتة، إلا أنه في هذه اللحظات بدا وكأنه يمنحها الاهتمام والرعاية التي تفتقدها بشدة في عالم النبلاء القاسي، متأملاً ملامحها بوقار وهدوء يشبه ذلك الدفء المستمد من اللوحات الكلاسيكية القديمة.
أغمضت فانيسا عينيها، وسمحت لنفسها بالغرق في هذا السلام المؤقت. كان صمت الغرفة المريح يمنحها القوة للاستمرار، وشعرت بأن كل المخاوف التي لاحقتها طوال الأيام الماضية تراجعت إلى الخلف، لتترك مكاناً لراحة نفسية افتقدتها منذ زمن طويل، مدركة أن هذا الكوخ، ورغم كل شيء، هو ملاذها الوحيد المتبقي قبل مواجهة العاصفة القادمة في الخريف.
*

تعليقات
إرسال تعليق