الفصل (60) ولدت من جديد: هوس الدوق,
بدا الصمت المريح الذي خيم على طاولة الإفطار هشاً، كجليد رقيق فوق مياه عميقة. شعرت ديليا بنظرات إريك المصوبة نحوها، نظرات حادة لدرجة أنها كادت تلمسها جسدياً. رفعت نظرها أخيراً عن طبقها والتقت عيناه بعينيها؛ كان تعبيره المرح والسعيد قد تلاشى، وحل محله شيء أكثر جدية وتساؤلاً.
سألته بنبرة محايدة تماماً: "ما الأمر يا صاحب السمو؟"
وضع إريك قطعة الخبز التي كان يهم بأكلها، وتحرك في كرسيه مائلاً للأمام قليلاً، وبدت وضعية جسده جادة الآن. قال بصوت هادئ ومباشر: "أشعر وكأنكِ تضعين حداً فاصلاً بيننا، خاصة اليوم."
لم يرمش لها جفن، ولم تنكر الأمر، بل أجابت بصدق: "أنا أفعل ذلك بالفعل."
صُدم إريك بشكل واضح من سرعة وبرود اعترافها، وتساءل بصوت مزج بين المفاجأة والألم: "ماذا؟"
أوضحت ديليا بنبرة مسطحة: "لسنا بحاجة لتمثيل دور الزوجين المتحابين عندما نكون وحدنا. هذا زواج تعاقدي في النهاية، والأداء يكون للعالم الخارجي، وليس عندما نكون بمفردنا."
تركت الكلمات أثراً بارداً وحاداً في الأجواء، وبدا وكأن دفء المطبخ قد تلاشى فجأة. حدق إريك فيها بتعبيرات غامضة، وسألها ببطء: "وماذا يحدث... لو لم يكن زواجاً تعاقدياً؟"
هذه المرة، كان الدور على ديليا لتُؤخذ على حين غرة: "ماذا تعني؟"
أجابها بصوت خفيض: "أنتِ تعلمين ماذا يعني أن يتحدث رجل مع امرأة بهذه الطريقة."
قفز عقلها فوراً إلى تحذير "جورج"، وترددت كلماته اليائسة في ذاكرتها: *"لقد التقى بكِ للتو. وفي غضون أيام، عرض عليكِ الزواج، والتقى بعائلتكِ، والآن يجعلكِ تنتقلين إلى منزله... القلة الذين يعرفون الدوق، ويعرفون مدى جديته وخصوصيته، لن يصدقوا هذا أبداً. الأمر لا يبدو صحيحاً."* ثم تذكرت الجزء الآخر الذي أزعجها أكثر: *"أي نوع من الرجال الذين يحبون بصدق لا يهتمون بماضي نسائهم؟"*
تلاشت الذكرى، وفكرت ديليا في نفسها: *"قد لا يكون مثل جورج، لكني لن أقامر بالأمر. في النهاية، أنا هنا من أجل الانتقام لا الحب. وقتي محدود، وعليّ استخدامه بحكمة."* نظرت إلى الرجل الجالس أمامها، الرجل الذي كان يصبح لغزاً أكبر يوماً بعد يوم.
قالت بصوت حازم وهي تدفع تلميحه بعيداً: "هذا لا يمكن أن يكون."
سألها إريك وصوته لا يزال هادئاً ومستكشفاً: "ولماذا لا؟"
أجابت والكلمات تنزلق منها قبل أن تتمكن من إيقافها، في اعتراف خام وصادق بخوفها الدفين: "لأنني لا أملك الكثير من الوقت."
اشتدت نظرة إريك، ومال للأمام أكثر، وصار تركيزه بالكامل عليها. سأل بصوت منخفض ومكثف: "كم تملكين من الوقت؟ بالنسبة لديليا... كم تبقى لها؟"
أرسل سؤاله موجة من الذعر عبر جسدها. خفضت نظرها إلى حجرها، إلى يدها المستلقية هناك. نظرت بغريزة إلى معصمها الأيسر المخفي تحت كم فستانها. وفي مخيلتها، رأت وشم برعم الورد، ورأت بتلة رقيقة أخرى تذبل وتختفي داخل جلدها.
كان عليها أن تستعيد هدوءها؛ لا يمكنها السماح له برؤية خوفها. رفعت نظرها مرة أخرى، وعادت تعبيراتها باردة ورزينة، وثبتت نظرها في عينيه. قالت بوضوح: "قريباً. ما أعنيه هو أننا وقعنا عقداً لمدة عام. أنت رجل أعمال يا صاحب السمو، وتعرف مدى قدسية العقود الموقعة والمختومة."
أصبح صوتها أكثر صرامة، وهي تتعمد خلق مسافة بينهما: "لذا من فضلك، احترم الحدود التي بيننا."
أمسكت بشوكتها واستمرت في الأكل وكأن تلك المحادثة الشخصية المكثفة لم تحدث قط. أكلت حتى شعرت بالشبع، ثم وضعت شوكتها. وقفت وقالت بأدب: "شكراً لك على الإفطار، لقد كان لذيذاً. سأذهب الآن لأعد لك الحمام لتتمكن من الراحة."
استدارت وغادرت، تاركةً إريك جالساً وحده على الطاولة. كان صامتاً تماماً، وقد تلاشت شهيته؛ حدق في طبقها الذي لا يزال يحتوي على طعام، وتمتم لنفسه بصوت مليء بجرح عميق وخفي: "لم تأكل كثيراً مرة أخرى."
بعد فترة قصيرة، وقف إريك عند الباب الأمامي مرتدياً سترته. نادى بصوت يفتقر إلى دفئه المعتاد: "سيد راي، جهز لي العربة."
في غضون دقائق، كانت العربة تنتظر في الساحة. صعد إريك، وانطلقوا عائدين نحو المدينة وإلى عمله في الأصباغ. ومع ابتعاد العربة، نظر للخلف نحو المنزل؛ رأى ديليا واقفة عند المدخل، قواماً صغيراً ووحيداً يراقبه وهو يغادر. صار ظلها يصغر ويصغر كلما ابتعدت العربة، حتى اختفت تماماً.
راقبت ديليا العربة حتى غابت عن الأنظار. وبينما كانت تهم بإغلاق البوابة الحديدية الثقيلة، لمحت عيناها شيئاً محشوراً بين القضبان. كان مظروفاً مختوماً بختم الشمع المألوف لعائلة كارسون.
التقطته وعقدت حاجبيها في حيرة. فكرت: *"ممن هذا؟"* لا يمكن أن يكون من "ليرا"، فقد تحدثتا بالأمس فقط. وإريك غادر للتو.
أخذت الرسالة للداخل والفضول ينهشها. توجهت إلى غرفة الجلوس وجلست على الأريكة الكبيرة، نفس الأريكة التي أدلى فيها إريك بـ"اعترافه" الصادم قبل ليلتين. نظرت إلى واجهة الرسالة؛ كان اسمها "ديليا" مكتوباً بخط يد قوي وغير مألوف. من في عائلة كارسون قد يرغب في إرسال رسالة سرية لها؟
بشعور من القلق، فضت الختم بعناية وفتحت الرسالة:
> "السيدة ديليا،
> أنا الدوق فيليب كارسون، شقيق إريك الأكبر. أعتذر بصدق عن (فشل) لقاء التعارف العائلي. لقد سمعت الكثير عنكِ وأود مقابلتكِ. هل ستكونين متفرغة لمقابلتي غداً؟ إذا كان ذلك ممكناً، يرجى إرسال الرد مع رسول وسأرسل لكِ موقع اجتماعنا.
> أفضل أن تبقي هذا الأمر سراً عن إريك."
>
قرأت ديليا الرسالة مرتين، وعقلها يتسابق بالأفكار. فيليب؛ الأخ الذي يُفترض أن إريك قد آذاه. لماذا يريد مقابلتها؟ والأهم من ذلك، لماذا يريد إبقاء الأمر سراً عن أخيه؟
طوت الرسالة، وعلت وجهها نظرة متأملة ومتحفزة، ثم خبأتها في مكان آمن وتابعت يومها.
_

تعليقات
إرسال تعليق