الفصل (60) Garden of may_حديقة مايو,
## رواية حديقة ماي (Garden of May)
### الفصل 60: كواليس الخدعة
"أنتِ تبحثين عن المتاعب والمشاكل يا فانيسا".
"ولكن الطقس جميل جداً ويصعب البقاء داخل الغرفة طوال اليوم".
استسلم لرغبتها وقال بنبرة هادئة: "حسناً، كما تريدين".
نظرت إليه بفرحة وقالت: "حقاً؟ هل ستأتي معي؟".
حدقت فانيسا فيه، وضاعت الكلمات من فمها لثوانٍ. كثيراً ما كانت تجد نفسها تغرق في حالة من التأمل والشرود الغريب عندما تكون معه؛ لم تكن تفهم السبب من قبل، لكنها الآن بدأت تدرك بصيصاً من الحقيقة: إنه يعاملها كمرأة عادية وطبيعية تماماً.
مع ريفير، تشعر وكأنها تملك هي الأخرى حرية الاختيار، حرية أن ترى ما تريد، وأن تذهب إلى حيث تشاء دون أن تضطر لانتظار إذن أو موافقة من أحد.
قال ريفير وهو يلتفت عنها: "يجب أن أنظف نفسي وأستعيد نشاطي أولاً". مَرر يده عبر شعره الذي كان رطباً بفعل حرارة الجو، حيث بدت حرارة الصيف خانقة بعض الشيء، وتسللت حبات العرق لتختفي تحت ياقة قميصه.
ابتلعت فانيسا ريقها ببطء؛ هل كان هذا بسبب حرارة الطقس، أم بسبب مشاعر الطمأنينة والجاذبية التي تشعر بها نحوه؟
في بعض الأحيان، كان ريفير روس يبدو وسيمًا وجذاباً للغاية، خاصة في مثل هذه اللحظات العفوية، عندما يتخلى عن بروده المعتاد ويستسلم لحرارة الصيف كأي رجل عادي، مع الحفاظ على هدوئه وثباته. وكانت فانيسا تنجذب بشدة إلى هذه الملامح الطبيعية فيه.
شعرت برغبة قوية في الاقتراب منه، في أن تلمس يده وتستمد من قوته وحيويته تلك الطاقة التي تجعلها تنسى كل مخاوفها ومشاكل القصر المعقدة.
انتبه لها ريفير والتفت قائلاً بتسلية: "فانيسا... نظراتكِ تبدو مليئة بالتحدي".
وتابع ضاحكاً: "وكأنكِ تخططين لأمر ما في عقلكِ".
ردت بسرعة مدافعة عن نفسها: "متى فعلت ذلك...". تعثرت كلماتها وخانتها أفكارها، فابتسم ريفير روس بذكاء، وداعب خصلات شعرها الأمامية برقة وهو يمر بجانبها، متوجهاً نحو الحوض النحاسي في زاوية الغرفة؛ حيث سكب الماء البارد على وجهه ليبرد بشرته التي لفحتها أشعة الشمس في الحديقة.
راقبت فانيسا هذا المشهد بكل تفاصيله، وطبعت الصورة في مخيلتها: ملامحه الهادئة، قطرات الماء العالقة على رموشه وشفتيه. مَرر يده القوية عبر شعره المبلل، ثم أزاح سترته الخفيفة ليتخفف من حرارة الجو.
انعكست أشعة الشمس الدافئة فوق كتفيه القويتين، مبرزة ملامحه الرجولية الرشيقة مع كل حركة يقوم بها.
وفي تلك اللحظة، عادت بها الذاكرة فجأة إلى كواليس ما حدث بالأمس في غرفة الاستقبال... تذكرت مواجهتها مع عرافة الغجر عندما اختلى بهما الكونت.
قالت فانيسا للعجوز بصوت منخفض ومستعجل: "سيدة لوثر، أعتقد أن هذا الاختبار التقليدي ليس سوى خدعة بصرية".
وتابعت بذكاء: "أعتذر إن كان كلامي يبدو فظاً، لكن ليس لدي المتسع من الوقت لأختار كلماتي بعناية. الكونت وثق بكِ بما يكفي ليتركنا بمفردنا، لكنه سيشعر بالشك والريبة إن تأخرنا بالداخل كثيراً".
نظرت إليها المرأة العجوز بعينين ثاقبتين وقالت: "أرى أنكِ لا تثقين بي يا ليدي الشابة".
ردت فانيسا بثبات: "أعلم أنكِ كنتِ تحاولين إخافتي وإثارة ذعري أمام الكونت فحسب".
في تلك اللحظة، لمعت عينا العجوز ببريق غامض؛ ربما كانت نظرة تقدير لذكاء وجرأة هذه الفتاة التي لم تنهار.
وقالت العجوز بصوت منخفض: "المحلول العشبي الذي تحدثت عنه يبدو مقنعاً للرجال، لكنه في النهاية مجرد ماء عادي. المسألة برمتها تعتمد على ضمير المرء وثباته؛ فإذا كنتِ بريئة وواثقة، فلن ترتجف يدكِ مطلقاً وتثبت القطرة مكانها. أما إن كنتِ تشعرين بالخوف والذنب من شيء ما، فسترتجف يدكِ حتماً وتسيل القطرة وتنكشفين".
ردت فانيسا ببرود: "وإذا حدث الخيار الثاني، فمهما كان ما ستضعينه على يدي فإنه سيسيل بالتأكيد بسبب التوتر".
قالت العجوز: "لا أفهم تماماً ما تحاولين الوصول إليه".
أجابتها فانيسا مباشرة: "الكونت ينتظر في الخارج، وهو يثق برأيكِ تماماً. وسواء تماسك الماء فوق يدي أم سال، يمكنكِ صياغة أي رواية تختارينها له... أنا أريد شراء صمتكِ ودعمكِ".
بعد لحظات من الصمت المريب، انطلقت المرأة العجوز (السيدة لوثر) في ضحكة صافية وخفيفة وقالت:
"يبدو أن نصف الشائعات التي تدور حولكِ في العاصمة خاطئة تماماً يا ليدي؛ فقد سمعت أنكِ فتاة ساذجة ولا تجيدين التصرف".
سألتها فانيسا محاولة الحفاظ على هدوئها وإخفاء توترها: "إذن، كم هو الثمن؟". كانت تعلم أنه في أي صفقة، الطرف الأكثر حرجاً واستعجالاً هو من يخسر دائماً، تماماً كما حدث معها عندما ترجت ريفير روس سابقاً ليعقد معها اتفاقاً.
أجابتها العجوز: "الأمر يعتمد على ما تريدين حمايته. إضافة بضع كلمات تمدح نقاءكِ أمام الكونت ليس أمراً صعباً، ولكن امرأة مثلي تعيش على سمعتها بين العائلات النبيلة".
ورغم ردها الجريء، إلا أن الثمن الذي طلبته السيدة لوثر لم يكن باهظاً أو تعجيزياً، ولم يتطلب الأمر كذبة معقدة. بل إن النظرة الأخيرة في عيني العجوز قبل مغادرتها كانت تحمل نوعاً من الشفقة والتعاطف مع موقف فانيسا الضعيف.
وقالت لها العجوز كنوع من الدعم المستقبلي: "تذكري أن تتواصلي معي إن واجهتكِ أي مشاكل أو رغبتِ في التخلص من أي مأزق بشكل سري ومضمون".
وقد دفعت فانيسا الثمن برضا تام؛ فكل ما تحتاجه الآن هو تجنب المشاكل وإبعاد الشبهات عنها حتى نهاية الصيف. والأمر الذي كانت مستعدة للاعتراف به للكونت سابقاً بكل صراحة دون خوف، أصبحت الآن مجبرة على إخفائه بكل قوتها وبشكل يائس لأن... لأن قلبها لم يعد ملكاً للقصر.
"فانيسا".
انقطعت حبل أفكارها الشاردة فجأة عند سماع صوته الدافئ. امتدت يد ريفير القوية لترفع ذقنها بلطف نحو الأعلى. كان ريفير روس يقف الآن بالقرب منها تماماً، وانحنى بجسده قليلاً بينما استندت يده الأخرى على ظهر كرسيها، متأملاً ملامحها بنظرة مليئة بالاهتمام.
*

تعليقات
إرسال تعليق