الفصل (56) عهد الجد
### الفصل 56: عهد الجد
كانت **ليرا** مستلقية على أريكة مريحة، غارقة في كتاب من القصائد، بينما استقر كوب من الماء البارد على الطاولة بجانبها. لكن الأجواء الهادئة تحطمت فجأة عندما فُتحت الأبواب بعنف واقتحمت حماتها، الدوقة الأرملة **إلينا**، الغرفة كعاصفة رعدية.
وقبل أن تستوعب **ليرا** ما يحدث، اندفعت **إلينا** نحو الطاولة وخطفت كوب الماء من يدها. جفلت ليرا من الحركة المفاجئة، وكاد كتابها يسقط من حجرها، لكنها استرخت عندما رأت وجه الدوقة المحتقن بالغضب والاضطراب.
تجرعت **إلينا**، التي كان صدرها يعلو ويهبط من شدة الانزعاج، كوب الماء بالكامل دفعة واحدة، ثم رطمت الكوب الفارغ على الطاولة بصوت جعل ليرا تقفز من مكانها.
أغلقت **ليرا** كتابها بعناية ووضعته جانباً: "أمي، أين كنتِ؟ هل هاجمكِ قطيع من الذئاب الجائعة في طريقكِ للمنزل؟"
ردت **إلينا** وهي تذرع الغرفة ذهاباً وإياباً أمام المدفأة: "هاجمني؟ نعم، لقد هاجمني قطيع من الذئاب! أولاً زوجة أب شريرة وماكرة، والآن جد عجوز عديم الحياء.. هذه العائلة.. حقاً!" ورفعت يديها في الهواء بيأس: "لكن هذا ليس بجديد، لقد رأيت ما هو أسوأ من ذلك بكثير في زماني".
استمعت **ليرا** بصبر بينما بدأت الدوقة الأرملة في سرد أحداث يومها، في سلسلة من الشكاوى عن الرجال العجائز الملحين، والإحراج العلني، والتدهور العام في أصول اللياقة الأرستقراطية.
وتابعت **إلينا** غضبها قائلة: "ربما من الجيد أنها طفلة غير شرعية، على الأقل لن تضطر رسمياً لمشاركة العار الذي تراكم على اسم عائلة (إلينغتون) عبر السنين!".
شعرت **ليرا** بالحيرة التامة: "عن ماذا تتحدثين يا أمي؟"
لم تجبها **إلينا** مباشرة، وبدت وكأنها تحدث نفسها الآن، حيث بدأ غضبها يبرد ليتحول إلى تصميم حاد وجديد. توقفت عن السير وانغمرت في الأريكة المقابلة لليرا: "أحتاج إلى كتابة رسالة. يجب أن أكتب رسالة لتلك الفتاة".
سألت **ليرا** بدهشة: "رسالة إلى **ديليا**؟ لماذا ترسلين لها رسالة الآن؟"
لم تقل **إلينا** شيئاً لفترة طويلة، وأسندت رأسها إلى الوسائد بتعابير مدروسة وحذرة حلت محل الغضب: "أريد أن أختبرها بنفسي، بعيداً عن كل هؤلاء الحمقى. أريد أن أرى معدنها الحقيقي".
~ ••••• ~
في قصر البارون **إدغار إلينغتون** الفخم والكئيب، وصلت **ديليا** إلى المدخل الضخم وقرعت الجرس.
جاء صوت رئيس الخدم الرسمي من خلف الباب الثقيل: "من هناك؟"
أجابت بوضوح: "هذه أنا، ديليا. جئت لرؤية جدي".
في أقل من ثانيتين، دوى صوت سحب الترباس، وانفتح الباب الضخم. انحنى رئيس الخدم، وهو رجل طيب الوجه يُدعى **بريستون**، بعمق: "آنستي، إنه لمن دواعي سروري". أخذ منها قبعتها البسيطة وأكمل: "البارون في غرفته، لم يكن يشعر بخير منذ عودته من نزهته".
"شكراً لك يا بريستون،" أجابت **ديليا**. وبينما كانت تسير نحو الدرج الكبير، رأت خادمة صغيرة تحمل صينية فضية عليها طبق من الفاكهة الطازجة. ما إن رأتها الخادمة حتى انحنت باحترام.
قالت الخادمة: "آنستي".
ابتسمت لها ديليا وسألت: "هذا لجدي، أليس كذلك؟" أومأت الخادمة، فمدت ديليا يدها لتأخذ الصينية: "دعيني آخذها، لابد أنكِ مشغولة".
بدا الارتباك على الخادمة: "لا يا آنستي، لا يصح أن تقومي بـ..."
قاطعتها ديليا وهي تأخذ الصينية بلطف وثبات: "لا بأس، أريد فعل ذلك".
حملت الصينية وصعدت الدرج، ثم سارت في الممر الطويل الهادئ وصولاً إلى غرفة جدها، وطرقت الباب بخفة.
جاء صوت غاضب من الداخل: "اذهبوا بعيداً. لقد أخبرتكم أنني لست جائعاً".
ابتسمت ديليا لنفسها وقالت بوضوح: "هل أنت متأكد يا جدي؟"
ساد صمت قصير، ثم لان الصوت من الداخل بشكل ملحوظ: "**ديليا**؟ هل هذه أنتِ؟ ادخلي يا ابنتي، ادخلي".
دخلت ديليا ووضعت الصينية على الطاولة بجانب كرسي مريح، ثم جلست على حافة سرير جدها: "كيف تشعر يا جدي؟"
تنهد بتعب: "أنا بخير يا عزيزتي، مجرد شيخوخة". نظر إليها بعينين حزينتين: "لا أحد يزورني بعد الآن، سواكِ".
ابتسمت ديليا محاولة الترويح عنه، وأخذت تفاحة حمراء وسكيناً صغيراً وبدأت في تقشيرها بمهارة، حيث خرج القشر الأحمر في حلزون طويل ومثالي. لاحظت أن ذهنه شارد، ونظراته بعيدة ومضطربة.
سألته بلطف: "ما الخطب يا جدي؟"
تنهد إدغار مرة أخرى: "لا شيء.. فقط.. أشعر أنني قد لا أكون ذا فائدة حقيقية لكِ".
توقفت ديليا عن التقشير وسألت بحيرة: "ماذا تقصد؟ قبل أسبوع أرسلت تلك الرسالة التي تمنح موافقتكِ على زواجي، وبفضلكِ اضطر والدي والبارونة أخيراً على الموافقة. لقد كنت عوناً كبيراً".
رد إدغار ملوحاً بيده استخفافاً: "لا تشكريني على ذلك، كان هذا أقل ما يمكنني فعله. مقارنة بما أدين لكِ به حقاً، فإن هذا لا شيء. أحتاج إلى تعويضكِ بشكل لائق يا عزيزتي".
تحيرت ديليا: "ما الذي تدين لي به يا جدي؟"
ارتسمت ابتسامة حزينة على شفتيه: "لا تقلقي بشأن ذلك الآن، سأهتم بالأمر". استعادت عيناه شيئاً من بريقهما القديم: "سأحرص على أن تحظي بأفضل حفل زفاف شهدته هذه المملكة على الإطلاق. سيكون فخماً وجميلاً لدرجة أن الناس سيتحدثون عنه لأيام، بل لسنوات. هذا عهدي لكِ".
بادلته ديليا الابتسامة، وقد تأثر قلبها بصدقه رغم عدم فهمها لمصدر شعوره بالذنب: "حسناً، شكراً لك يا جدي".
أكملت تقشير التفاحة وقطعتها إلى مكعبات صغيرة، وأطعمته إياها بقطعة صغيرة، في إيماءة بسيطة مليئة بالحب بين حفيدة والرجل الآخر في عائلتها الذي لم يشعرها أبداً، ولو لمرة واحدة، بأنها أقل شأناً من العالم.
#

تعليقات
إرسال تعليق