الفصل (56) العوده للمنزل (2)



لم يتوجهوا إلى المناطق المركزية الفخمة، بل انعطفوا نحو الأطراف الخارجية، حيث تبدأ ملامح "فراهين" الحقيقية. فخلف الأبراج المذهبة والمباني التجارية الضخمة، تقع المناطق الحدودية التي يسكنها المغامرون والرحالة، ورغم بساطتها، كانت "فراهين" نظيفة ومنظمة.

هناك، في زاوية متواضعة بين ورشة حدادة ونزل للمغامرين، كان يعيش رجل عُرف سابقاً باسم "ديريك ماغلور"، أحد نبلاء مملكة "ستارفال" السابقين ووالد كايلين، والذي يدير الآن حانة بسيطة. لم يكن للحانة لوحة إعلانية فاخرة، بل مجرد لوحة خشبية متأرجحة كُتب عليها:

**"الخنزير الرمادي"**

وقف الثلاثة أمام الباب. كان الوقت باكراً والباب لا يزال مغلقاً. ارتجفت يدا "كايلين" وتردد للحظة، ثم أخذ نفساً عميقاً، واستجمع شجاعته وقرع الجرس.

*كلينج كلينج*

جاء صوت من الداخل جعل قلب كايلين يخفق بشدة: "انتظر لحظة، أوشكت على الانتهاء." وبعد لحظة، فُتح الباب.

"آسف على التأخير، أنا..."

توقف الرجل في منتصف جملته. كان الرجل الذي يقف أمام كايلين أعرض مما يتذكره؛ رسم الزمن خطوطاً حول عينيه وفمه، وغزا الشيب شعره الداكن. كان يرتدي مئزراً جلدياً ثقيلاً ويحمل قطعة قماش في يد وكوباً في الأخرى.

إنه **ديريك**، والد كايلين.

توقف الزمن في تلك اللحظة. لم تنطق كلمة واحدة، فقط نظرات صامتة. الطفل الذي يتذكره ديريك كان في الخامسة من عمره، بعينين حالمتين، أما الرجل الذي يقف أمامه الآن فهو مقاتل مخضرم من الرتبة الذهبية، بنظرة حادة كالفولاذ.

قال ديريك أخيراً بصوت متحشرج: "لقد كبرت."

وقف كايلين بلا حراك، ثم رد بهدوء: "وأنت أصبحت أصغر مما أتذكر."

ضحك ديريك بخفة: "وأنت أصبحت أطول مما تمنيت.. أيها الولد الشقي!"

تقدم ديريك وسحب كايلين إلى عناق قوي، ولم يعد قادراً على كبح مشاعره. تصلب جسد كايلين للحظة قبل أن يلف ذراعيه حول الرجل الذي رباه. همس ديريك وهو يشدد من عناقه: "لقد عدت.. عدت حقاً. ظننت أنك لن تعود أبداً."

نظرت "أليرا" بعيداً وهي تشعر بارتجاف في شفتيها، بينما خفض "نيل" رأسه احتراماً لهذه اللحظة. عندما شعر ديريك بحرج الاثنين الآخرين، سحبهما وضمهما إليه أيضاً؛ فكيف لا يعرف أبناء أصدقائه القدامى؟ ملامحهم تشبه والديهم بشكل مذهل.

قال ديريك بحنان: "لا داعي للخجل مني.. كان والداكما إخوة لي، ويمكنكما اعتبار هذا المكان منزلكما."

ابتسمت أليرا؛ فهي كانت قد عاشت مع ديريك لعامين قبل الأكاديمية. أما نيل فبقي صامتاً، لكن صمته كان أبلغ من الكلمات.

أغلقت الحانة أبوابها ذلك اليوم. في الداخل، كان ضوء الشموع يرقص على الجدران الخشبية. لم يكن مكاناً فخماً، لكنه كان دافئاً وحقيقياً، بعيداً عن سياسة الإمبراطوريات ودماء الحروب. صب ديريك لهم المشروبات وجلس معهم.

اعترف ديريك بمرارة: "كنت قد استعددت للأسوأ.. عندما رأيت إشعار النظام (سقوط ملك النجوم)، ظننت أنني فقدت كل شيء."

رد كايلين بهدوء: "لم تكن الوحيد."

قال نيل وعيناه على الطاولة: "عائلتي.. رحلت."

وهمست أليرا بصوت بالكاد يُسمع: "وعائلتي أيضاً."

تحدث ديريك بذكريات حزينة عن والديهما، عن "هولس" الذي كان يحمل أليرا وهي طفلة، و"ثاليا" التي كانت تضع الأعشاب العطرية في درعه لتبدو رائحته كالتوت. تنهد ديريك: "لم يتبقَّ منهم شيء.. فقط الذكريات."

لم يبكِ كايلين، ولا نيل، ولا أليرا؛ فلم تعد لديهم دموع ليذرفوها.

بعد صمت طويل، قال ديريك بجدية: "لم نكن نريد إرسالكم وأنتم أطفال.. الأكاديمية كانت مجرد اسم مغلف بالوعود الزائفة لتحويل الأطفال إلى أسلحة. لكنني الآن سعيد لأننا فعلنا ذلك، وإلا لكانت العواقب أسوأ."

ثم تابع: "قد تكون الأكاديمية حولتكم لأسلحة وعلمتكم التضحية بأنفسكم كأبطال، لكن انسوا كل هذا الهراء الآن، واعتبروا أنفسكم في منزلكم. قد تكون هذه الحانة متواضعة، لكن تحت سقفي، سأحميكم جميعاً مهما حدث."

قاطعه كايلين مصححاً: "لسنا أسلحة.. نحن (الجاغرنوت) [العمالقة]."

ابتسم ديريك على الاسم: "اسم غبي وشجاع في نفس الوقت!" احمر وجه نيل خجلاً لأنه هو من اختار الاسم.

قال ديريك وهو يقف: "حسناً، غداً سأقوم بتدريبكم. لديكم القوة والتحكم، لكن في العالم الحقيقي؟ القواعد تنحني، والناس يغشون، والوحوش تتطور. لا يوجد جرس لإنهاء القتال عندما تسقط."

رد كايلين بثقة: "نحن مستعدون، لماذا لا نبدأ الآن؟"

ديريك: "ارتاحوا اليوم، فغداً سآخذكم إلى دهليز قريب لأريكم كيف تبدو الوحوش الحقيقية."

سألت أليرا فجأة: "لكن يا عمي، أين سننام؟ لديك غرفتان فقط."

تلعثم نيل: "ماذا؟"

ضحك ديريك: " نيل سينام معي، أما كايلين وأليرا فيمكنهما أخذ الغرفة الأخرى."

قال كايلين بخجل ومازحاً: "حسناً، إنها مرتي الأولى، كوني لطيفة معي!"

احمر وجه أليرا بشدة، بينما انفجر ديريك بالضحك وابتسم نيل لهما.

**

تعليقات

"ركن الحكايات.. حيث تذوب القلوب بين السطور

قائمة الاعمال المترجمة

The duke's bed warmer

-الفصل (1)- صحوة النظام

المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي

الفصل (1) ثمن الابنة