الفصل (55) ولدت من جديد: هوس الدوق,
### الفصل 55: قفاز وفضيحة
تسلل ضوء الظهيرة الناعم عبر النوافذ المقوسة العالية، ليلقي بظلاله على فناجين البورسلين الرقيقة والملاعق الفضية التي تزين طاولات غرفة الشاي. كان الهواء يعبق بهمسات الأحاديث المهذبة ورائحة الشاي الفاخر والمعجنات الطازجة.
وفي هذا الحصن المنيع من اللياقة والبروتوكول، وجدت الدوقة الأرملة **إلينا** نفسها تجلس في مواجهة شبح من ماضيها: البارون **إدغار إلينغتون**.
"كم مضى من الوقت يا إلينا؟" قال إدغار بصوت أجش وعميق بدا غريباً في تلك الغرفة الرقيقة. جلس أمامها بابتسامة ساخرة ارتسمت على وجهه الطاعن في السن: "عشرون عاماً؟ أم أنها أصبحت ثلاثين الآن؟"
بدت **إلينا** غير مهتمة تماماً برحلته في ذاكرة الماضي؛ رشفة بهدوء وتأنٍ من شايها، بينما ظلت نظراتها مثبتة على نقطة خلف كتفه مباشرة.
ضحك إدغار ضحكة جافة: "آخر مرة التقينا فيها، كنتِ تقفين خارج باب مكتبي مباشرة بينما كان الحراس الذين استدعيتِهم لي يرافقونني للخارج بكل 'لطف'". هز رأسه متذكراً: "لن أنسى ذلك اليوم أبداً".
أجابت **إلينا** بصوت بارد كصباح شتوي: "أنت تحصد ما تزرعه يا إدغار". التقت نظراتها بنظراته أخيراً، وعيناها لا تحملان أي دفء: "لقد غششتني. أخذت نصيباً كبيراً من أرباح مشروع الشحن الذي كان من المفترض تقاسمه بالتساوي بين مؤسستينا للمنسوجات".
قال وهو يذكر البديهي: "إذن لا تزالين تحملين ضغينة ضدي بعد كل هذه السنين".
ردت بحدة: "بالطبع أحمل ضغينة! كيف يمكنني أن أكون محايدة وسعيدة مع رجل احتال عليّ؟ المال الذي سرقته مني كان نتاج عملي الشاق، ودمي وعرقي ودموعي بعد أن تركه زوجي خلفه".
"حسناً،" قال إدغار، واختفت نبرة المزاح من صوته. انحنى بجانب كرسيه ووضع كيساً صغيراً لكنه ثقيل مصنوع من المخمل الداكن على الطاولة بينهما، ليهبط بصوت ثقيل ومقنع. "خذي هذا إذن. خذيه ودعينا ننسى الماضي أخيراً".
ضاقت عينا **إلينا** بريبة. فكت الرباط الجلدي وفتحت الكيس، لتلمع بداخلها كنز من العملات الذهبية تحت ضوء الشمس.
قال إدغار بنبرة ملأها الفخر: "مليون عملة ذهبية. هذا هو كل المال الذي احتلتُ به عليكِ، كل قرش، مع احتساب الفوائد على مدى ثلاثين عاماً".
حدقت **إلينا** في الذهب، ثم في وجه إدغار الجاد. أغلق الكيس ببطء، وعلت وجهها تعابير الذهول المطلق: "البارون إدغار العظيم والمغرور يعيد المال الذي سرقه مني؟" قالت بسخرية، ثم توقفت وسألت بريبة: "لماذا؟"
أجاب إدغار، وفجأة فقد صوته نبرة التباهي ليحل محلها إخلاص خام: "أريدكِ أن تعتني جيداً بحفيدتي **ديليا**. لقد مرت بالكثير في حياتها؛ أُحضرت إلى عائلة إلينغتون بعد وفاة والدتها وهي لا تعرف شيئاً عن عالمنا. عاشت حياة قاسية، خاصة منذ أن أصبح والدها -ابني هنري- طريح الفراش. ورغم كل شيء، هي لا تحمل ضغينة لأحد. إنها فتاة طيبة".
انحنى للأمام بتوسل: "الشيء الوحيد الذي أرادته حقاً لنفسها هو هذه الفرصة للزواج من حفيدكِ. لا أريد لأخطاء ماضيّ معكِ أن تعيق سعادتها. أريد أن أحقق لها هذا".
استمعت **إلينا** لحديثه بتعابير غير مقروءة. كانت قد قررت بالفعل، بعد أحداث دار الأيتام، أنها مهتمة بـ **ديليا**؛ فالفتاة تملك روحاً وعقلاً ذكياً. لكن هذه الإيماءة المالية الكبيرة من إدغار لم تكن رشوة في نظرها، بل كانت إهانة لحسن تقديرها الخاص.
ربطت الكيس بإحكام ودفعته عبر الطاولة نحوه: "أنا لا أريد هذا".
دفع إدغار الكيس نحوها ثانية: "لماذا يجب أن تكوني هكذا دائماً يا إلينا؟"
دفعته مرة أخرى بقوة أكبر: "اسمع يا إدغار، لن أقبل هذا. لا يمكنك رشوتي بمالي الخاص، ولا يمكنك مداواة جرح عمره ثلاثين عاماً بالذهب". استندت إلى الخلف بازدراء: "حقاً.. يا لك من متباهٍ. ارحمني!"
أصر إدغار: "لكنني لا أتباهى! أنا أحاول بصدق إعادة ما سرقته".
سألته بحدة: "هل تعطي يا إدغار، أم ترشي؟"
ساد الصمت وجه إدغار.
سخرت **إلينا** معلنة انتصارها، وبدأت في جمع أشيائها: "هذا ما ظننته. على أي حال، لا أريد مالك. سأتظاهر بأن هذا الاجتماع لم يحدث، وأقترح ألا تحاول التواصل معي مجدداً. وداعاً".
وقفت لتغادر، ولكن قبل أن تخطو خطوة واحدة، فعل إدغار شيئاً صادماً تماماً؛ انزلق من كرسيه ونزل على ركبتيه على أرضية غرفة الشاي المزدحمة!
تجمدت **إلينا** من الصدمة. خفتت الهمسات في الغرفة وبدأ الناس يلاحظون المشهد. استدارت طاولة من الفتيات الصغيرات اللواتي كن يضحكن ليحدقن علانية، ووضعن أيديهن على أفواههن لكتم الضحك.
توسل إدغار بصوت عالٍ بما يكفي لتسمعه الغرفة بأكملها: "لا تفعلي هذا، أرجوكِ! كيف لي أن أعبر عما أشعر به؟"
احمر وجه **إلينا** من الحرج جراء هذا الانتباه غير المرغوب فيه، ونظرت حولها بذعر: "مـ-ما خطبك؟ ماذا تفعل؟ انهض!"
لكن إدغار شبك يديه متوسلاً بصدق: "المال هو الطريقة الوحيدة التي أعرفها لإظهار مشاعري! أخبريني ماذا تريدين يا إلينا! سأفعل أي شيء! فقط أرجوكِ، أتوسل إليكِ، لا تستخدمي ماضيّ.. أخطاء ماضيّ.. ضد ديليا".
بالنسبة لرواد غرفة الشاي، لم يبدُ هذا كنزاع تجاري، بل بدا كرجل مسن يائس يتوسل حبيبته السابقة لمنحه فرصة ثانية. تعالت ضحكات الفتيات.
همست إحداهن: "أوه، كم هذا رومانسي!"
وقالت أخرى: "لابد أنه كسر قلبها منذ سنوات".
شعرت **إلينا** بالانزعاج الشديد من هذا المشهد المتصاعد، وقالت له بهمس من بين أسنانها: "أفضل أن تنشق الأرض وتبلعني على أن يظن الناس أن هناك شيئاً يجمعنا!".
شرعت في المغادرة، لكن إدغار في يأسه مد يده وأمسك بيدها ليوقفها: "دوقة إلينا، أرجوكِ!".
صرخت وهي تحاول انتزاع يدها من قبضته: "أيها المغفل التافه! اترك يدي! اتركني!".
"أرجوكِ!" توسل إدغار، وبينما كان يشد قبضته، سحب قفازها عن طريق الخطأ، فانزلق القفاز تماماً من يدها، كاشفاً عن بشرة ذراعها الشاحبة والرقيقة أمام الغرفة بأكملها.
كان نزع قفاز الدوقة علانية فعلاً فاضحاً وحميمياً في تقاليد النبلاء. توقف إدغار عن التوسل فوراً، وفغر فاهه عندما أدرك فداحة خطئه. نظر إلى ذراعها العارية، ثم إلى وجهها، والآن اعتلت وجهه تعابير الرعب والاعتذار.
فتحت **إلينا** فمها من الصدمة، وتحول وجهها إلى قناع من الغضب العارم. قالت بصوت يرتجف من الحنق: "من أجل حب الله..". خطفت القفاز من يده، وبسرعة لا تناسب عمرها، ضربته بقوة على جانب رأسه بالحافة الصلبة لمروحتها المطوية.
ودون كلمة أخرى، اندفعت خارجة من غرفة الشاي، تاركة البارون إدغار راكعاً على الأرض، يمسك برأسه، وسط صمت الصدمة وضحكات مكتومة ملأت المكان.

تعليقات
إرسال تعليق