الفصل (55) I will be the perfect wife this time,
## رواية سأكون الزوجة المثالية هذه المرة
### الفصل 55: قبر من البتلات الزرقاء
تسمرت أوليفيا في مكانها، وشعرت كأن الهواء تحول إلى ثلج داخل رئتيها. نزل الاسم عليها كأنه نصل حاد وقاسٍ. ظلت واقفة في مكانها وعيناها معلقتان بحجر القبر، ولم يكن قبراً ضخماً أو فاخراً، بل كان يتميز ببساطة شديدة تفيض بالرقة. وكانت هناك زهور زرقاء رقيقة منثورة فوق التراب، تبدو بتلاتها الملونة في تناقض صارخ ومؤلم مع لون الحجر الرمادي البارد.
لم تشعر أوليفيا باقتراب ماتياس منها، وكانت خطواته ثقيلة وصمته يشبه الكفن. ظل صامتاً لفترة طويلة، ثم تحدث أخيراً بصوت مكسور أشبه بالهمس: "لقد أسميته إلياس... تماماً كما طلبتِ مني... قبل أن يرحل".
ارتجفت أوليفيا لدرجة الاهتزاز، وكأن الأرض انشقت تحت قدميها. تزلزلت شفتها، وعندما خرج صوتها أخيراً، كان أشبه بصوت زجاج يتحطم: "أنت... أنت تقصد... أن هذا هو قبر طفلنا؟ هل تقصد أن هذا هو المكان الذي يرقد فيه طفلي؟"
لم تكن الكلمات أكثر من همس ضعيف انقطع فجأة عندما انهارت أوليفيا أمام شاهد القبر. سقطت على ركبتيها، وكانت أصابعها ترتجف وهي تلمس الاسم المحفور، ثم رمت بجسدها فوق كومة التراب الصغيرة.
بدأت تنبش في التراب وتلمس الزهور المنثورة بحركات عشوائية ومتخبطة، كأنها تحاول اختراق الأرض الباردة لتمسك بتلك الروح الصغيرة المدفونة تحتها.
وبكت بغصة و اختناق قطع قلبها من شدة الحزن: "أنا آسفة جداً يا صغيّري... سامحني... يا رب سامحني. أنا أم سيئة... لم أكن بجانبك، ولم أقل لك وداعاً. أرجوك... أرجوك سامحني".
وتحولت صرخاتها إلى بكاء مرير هزّ أجواء الصباح الحزينة.
وفي الخلف، كان ماتياس واقفاً وعلامات الانهيار واضحة عليه. نزلت الدموع على وجهه الشاحب، وكان يمر بعذاب مضاعف؛ حزناً على والدته التي دفنها لتوّه، وحزناً على زوجته وابنه الراحل اللذين ينزف جرحهما أمامه الآن من جديد.
ركع ماتياس بجانبها، وجمع جسدها المرتجف بين ذراعيه وضغط عليها بقوة، وأخذ يمسح على ظهرها في محاولة يائسة لتهدئة عاصفة بكائها وصراخها.
وقال لها بنعومة: "اشش... اهدي وارتاحي. أنتِ لستِ أماً مقصرة، كل ما في الأمر أن قلبكِ لم يتحمل ألم الوداع وقتها. أنا متأكد أن روحه سعيدة بوجودكِ الآن".
وعلى بعد مسافة قصيرة، كانت إيزابيلا تراقبهما بحزن. فالمرأة التي أمامها الآن لم تعد تلك الدوقة القوية والمتكبرة التي يعرفها الجميع في القصر، بل كانت أماً مكسورة، ضاعت هيبتها وتلاشت قوتها فوق تراب قبر طفلها.
همست إيزابيلا وهي تضغط على يد ليون بحزن: "يبدو أننا اليوم لم ندفن شخصاً واحداً... بل دفنا شخصين".
وأخيراً، هدأت عاصفة حزن أوليفيا بعد أن نال التعب والبرد منها تماماً. ارتمت في حضن ماتياس، وتحول بكاؤها إلى أنفاس متقطعة وضعيفة حتى استسلمت للنوم العميق.
حملها ماتياس برقة شديدة وخوف، كأنها دمية من البورسلان مليئة بالكسور وتكاد أن تتحطم إذا أمسكها بقوة.
قال ليون بصوت منخفض وعيناه تعكسان الحزن: "لنذهب إلى العربة... دعونا نعد إلى القصر".
وحتى وهي غائبة عن الوعي، رفضت يدا أوليفيا الاستسلام؛ وظلت أصابعها مشدودة على البتلات الزرقاء التي جمعتها من قبر إلياس، متمسكة بها داخل كفها كأنه وعد قاطع.
وطوال طريق العودة، ظل ماتياس يراقبها وشعور الذنب يأكل عقله؛ فلو كان يعلم أن مواجهتها بالقبر ستكلفها كل هذا الألم، لما أجبرها على الحضور أبداً.
عندما فتحت أوليفيا عينيها أخيراً، وجدت نفسها وسط أجواء غرفتها المألوفة. كانت مستلقية على السرير الحريري، ولا تزال ترتدي فستان الحداد المتسخ بالتراب.
نظرت إلى انعكاس صورتها في المرآة بجانب السرير، وكانت الصدمة واضحة؛ عيناها متورمتان وحمراوان، وشفتاها شاحبتان، وبشرتها بلون العظام الجافة.
نظرت إلى أسفل نحو يديها، وكان الغبار وتراب المقبرة يغطي جلدها، ولكن بين هذا الاتساخ كانت تقبع البتلات الزرقاء الذابلة لزهور طفلها إلياس.
شعرت بضيق في حلقها، وأجبرت نفسها على الجلوس رغم أن رجليها كانتا ثقيلتين ك الرصاص. دارت الغرفة بها بشدة، وكادت أن تسقط لولا أن الباب فُتح فجأة.
دخلت إيزابيلا، وكان التعب واضحاً على وجهها أيضاً. وعندما رأت أوليفيا تترنح وتكاد تسقط، أسرعت نحوها لتسندها.
صاحت إيزابيلا بخوف: "أوليفيا! ماذا تفعلين؟ أنتِ لستِ في حالة تسمح لكِ بالوقوف—"
ردت أوليفيا بصوت باهت: "إيزابيلا... أنتِ هنا".
وضعت إيزابيلا كأساً من الماء بين يديها، وشربت أوليفيا في صمت تام، حتى وقعت نظرات إيزابيلا على الزهور الزرقاء المهروسة التي كانت أوليفيا لا تزال متمسكة بها بقوة وإصرار. وعندما مدت إيزابيلا يدها لتأخذها منها، تراجعت أوليفيا بسرعة وسحبت يدها بعنف ورفض شديد.
وقالت إيزابيلا بنبرة ناعمة ولكنها واقعية وجافة: "أوليفيا، يجب أن تتقبلي الواقع. لماذا تتمسكين بهذه البقايا من المقبرة؟ هل فقدتِ عقلكِ؟ أنتِ تحتفظين بألعابه، بمهده، وبأشياء لم تعد لكِ بها أي حاجة... والآن ترفضين ترك الزهور أيضاً! هل تظنينني عمياء؟ أنتِ تمنعين الخادمات حتى من تنظيف غرفته!".
وفي لحظة غضب أعمى، رفعت أوليفيا يدها لتصفع إيزابيلا، لكن قوتها خانتها في الهواء ولم تسعفها. أمسكت إيزابيلا بمعصمها وثبتت يدها، ولم ترد لها الصفعة، بل تحولت ملامح وجهها إلى شيء أسوأ من الغضب؛ تحولت إلى الشفقة والرحمة.
انحنت إيزابيلا وضغطت على يدي أوليفيا الضعوفتين بين يديها وهمست بصدق وتأثر: "أوليفيا، أنا أعلم أن ما حدث اليوم قد فتح جرحاً قديماً ومؤلماً... ولكن يجب أن تتركي هذا الجرح يشفى. لا يمكنكِ البقاء هكذا وأنتِ تنزفين للأبد".
كان صدر أوليفيا يعلو ويهبط بصعوبة، وكأن كل نفس تخرجّه يزن أطناناً. وأخيراً، أخرجت تنهدة طويلة وفارغة بدت وكأنها تفرغ ما تبقى من روحها. ونظرت إلى إيزابيلا بعينين كأنهما رأتا نهاية العالم، وأشارت إليها لتجلس.
وقالت أوليفيا فجأة بنبرة باردة وجامدة عادت لطبيعتها كأنها لم تكن تبكي قبل قليل: "يكفي حديثاً عن الجنازة. بما أنكِ هنا، فلدي مهمة لكِ".
رمشت إيزابيلا بعينيها وتفاجأت من هذا التحول السريع في شخصيتها وسألت: "ماذا الآن؟ ما الذي يمكن أن تطلبيه مني في مثل هذا الوضع؟"
بدأت أوليفيا كلامها بنبرة حادة وقاسية: "هل تتذكرين عندما أخبرتكِ أنني ذاهبة لمقابلة تلك العجوز الشمطاء، تاليا؟"
رجعت إيزابيلا بظهرها إلى الخلف ورفعت حاجبها بفضول وقالت: "نعم، أتذكر".
وتابعت أوليفيا: "حسناً، لقد كنت أفكر... هناك شبه كبير وغريب في ملامحها مع الدوقة الراحلة. وفكرت أنه يمكنها أن تأخذ مكانها، لتصبح ظلاً صامتاً يضمن أن يمر هذا الزفاف الملعون بهدوء ودون أي مشاكل".
أطلقت إيزابيلا ضحكة قوية وغير مصدقة، وكان صوت ضحكتها غريباً في هذه الغرفة الكئيبة، وقالت: "هل ذهبتِ حقاً إلى تلك المرأة المجنونة وطلبتِ منها أن تمثل دور المرأة التي سرقت زوجها ودمرت حياتها؟ أوليفيا، إن ذكاءكِ الخارق لا ينافسه سوى دهاءكِ وجرأتكِ! وماذا كان ردها اللطيف على هذا الطلب؟".
ابتسمت أوليفيا ابتسامة ساخرة ومليئة بالمرارة وقالت: "بالطبع رفضت، وبشدة وعنف أيضاً".
تنهدت إيزابيلا وقالت وهي تضع يديها متقاطعتين: "أفهم ذلك. إذن، أين يضعنا هذا الآن؟ الجنازة السرية انتهت، والتراب لا يزال جديداً، ولكنكِ تعرفين مثلما أعرف أنا تماماً أن وجود الدوقة في حفل الزفاف أمر ضروري ولا نقاش فيه. لقد تبنّت ليلى، وغيابها عن الحفل سيكون دليلاً واضحاً ويثير الشكوك حولنا. إذن، ما هو الحل الآن يا عبقريتي الصغيرة؟".
نظرت أوليفيا إلى البتلات الزرقاء في يدها، وأظلمت عيناها بإصرار شديد بدا قريباً من الشر والشرير. كان الحزن لا يزال موجوداً بداخلها كألم حاد في صدرها، ولكن بدأت تغطيه حجارة البرود والضرورة القاسية.
وهمست أوليفيا: "الحل... هو أنه إذا كان الموتى لا يستطيعون السير، فيجب علينا أن نضمن أن الأحياء لن يتحدثوا، وسينفذون ما نريده بالضبط".
ثم ثبتت نظراتها على إيزابيلا بقوة وتابعت: "أنا أعرف أنكِ، على عكسي أنا، تحظين بثقة الجميع داخل جدران هذا القصر".
ردت إيزابيلا بثقة: "أنا أعرف هذا جيداً. ادخلي في الموضوع مباشرة، ماذا تريدين؟".
انحنت أوليفيا نحوها، وكانت البتلات الزرقاء لا تزال مشدودة في كفها كأنها قربان مسموم، وقالت ببرود قاتل:
"أريدكِ أن تسمّمي الآنسة الشابة... إميليا".

تعليقات
إرسال تعليق