الفصل (53) تعامل مع البطل الثاني كأنه من الحجر,
كان كل شيء يبدو كفوضى عارمة.
دفنتُ وجهي في الوسادة، ثم رفعتُ رأسي ببطء. دون أن أشعر، كانت السماء خارج النافذة قد أظلمت. لقد استسلمتُ للنوم بمجرد عودتي إلى المنزل، لكنني كنتُ أستيقظ مراراً وبشكل متقطع.
"آه، رأسي..."
بينما كنتُ أضغط على جبيني، استولت أحداث الفجر الباكر على عقلي. لقد كان الأمر سيئاً.. سيئاً للغاية. لم تكن هناك كلمة تصف الموقف أدق من ذلك. لم يقتصر الأمر على صبّ غضبي على ريكاردو، بل إنني لم أستطع حتى التحدث بوضوح مثل الحمقاء.
هل يعني هذا أنني شعرتُ بالراحة؟
لا، على الإطلاق. لو كنتُ شعرتُ بالراحة، لما ندمتُ هكذا.
*طرق، طرق.*
"آنسة، لقد استيقظ اللورد بلوا."
أومأتُ برأسي رداً على كلمات إميلي. "سأذهب الآن."
وقفتُ وأنا أصلح شعري بيدي بغير مبالاة. تبعتني إميلي وهي تواصل الحديث: "في وقت سابق وبينما كنتِ نائمة، خرج اللورد بلوا."
"... جدي؟ إلى أين؟"
هزت إميلي رأسها: "لا أعرف الكثير، لكنه بدا محبطاً للغاية منذ عودته."
"..."
"لكنني متأكدة أنه سيبتهج بمجرد رؤيتكِ." رفعت إميلي إبهامها لي مشجعة.
*هل تعتقد أنني نوع من الفيتامينات البشرية؟*
ومع ذلك، قررتُ أن عليّ تحسين الحالة المزاجية قليلاً قبل مقابلة جدي.
أمام باب غرفته، صفعتُ خدّي بخفة ثم هتفتُ بمرح: "جدي، هذه أنا! بيانكا!"
بمجرد أن فتحتُ الباب، كان أول ما استقبلني هو رائحة تملأ الغرفة؛ كانت رائحة مهدئ يهدف إلى تخفيف الألم مؤقتاً. ثم رحب بي جدي، الذي كان يقرأ كتاباً.
"تفضلي بالدخول، يا عزيزتي."
"ظننتُ أن أخي سيكون هنا أيضاً، لكن يبدو أنه جاء وغادر بالفعل."
سحبتُ كرسياً كعادتي وجلستُ بجوار السرير. فتح جدي النافذة قليلاً وقال بتعبير محرج: "الرائحة قوية جداً، أليس كذلك؟"
"ليست بسوء عطري، على أي حال."
"ألا يُسمى ذلك عادةً 'شذى'؟"
"يبدو أنك لم تشم عطراً قوياً من قبل حقاً، أليس كذلك؟"
ضحك جدي ببطء كما لو لم يكن لديه خيار آخر. "سيدريك مرّ من هنا منذ قليل."
"هل أخي هو من أعطاك هذا الكتاب؟"
على غلاف الكتاب الوردي، كان العنوان الغريب **"الكونت الذي يقسو عليّ فقط"** مكتوباً بخط عريض.
*هذه رواية رومانسية، أليس كذلك؟*
عندما رأت تعابير وجهي الممتعضة، تنهد جدي بعمق: "قال إنني أفرط في التفكير وأعطاني إياه."
"سيساعدك هذا بالتأكيد على تفريغ عقلك."
*سيدريك، حقاً..*
نهضتُ بهدوء وأغلقت النافذة، فضيق جدي عينيه باستياء.
"أنا أشعر بالبرد! ماذا لو أصبتُ بالزكام؟"
"نحن لا نزال في الصيف، أليس كذلك؟"
"ما خطبك؟ زكام الصيف هو الأسوأ، كما تعلم."
تظاهرتُ بالارتجاف درامياً وأنا أقترب منه، وبدلاً من الرد، ربت بلطف على الكرسي الذي كنتُ أجلس عليه. "عزيزتي، هل تجلسين للحظة؟"
هل كان على وشك إخباري بشيء مهم؟ شعرتُ بتوتر غريب، فابتسم جدي ابتسامة صغيرة.
"ما الأمر؟"
"لا أعرف ما إذا كان الخادم قد أخبركِ بالفعل، لكن اليوم ذهبتُ إلى منزل 'هيسن'."
إذن الوجهة التي ذكرتها إميلي كانت منزل الدوق.
"... هناك شيء لم أستطع إخباركِ به." أمسك جدي بيدي بعناية، وبدا صوته أبطأ من المعتاد كما لو كان يجد صعوبة في الكلام. "أنا أعلم أنكِ، بيانكا، كنتِ تحاولين علاج مرض هذا العجوز."
"...!"
"وسيدريك أيضاً."
اجتاحني شعور بالرهبة، فتابع: "لكن لا تفعلي ذلك بعد الآن. أعتقد أنه سيكون من الأفضل لو قدرتما وقتكما معاً أكثر قليلاً. ما رأيكِ؟"
"وماذا لو كان هناك طريقة؟" أمسكتُ يد جدي بقوة. "ماذا لو كنتُ قد وجدتُ تلك الطريقة بالفعل..."
اتسعت عيناه عند كلماتي، فأكملتُ بسرعة: "يمكنني أن آخذ ألمك بعيداً. لن تضطر للمعاناة بعد الآن."
"... أنتِ دائماً تدهشينني." أغمض جدي عينيه بقوة ثم فتحهما. "إذن؟ يا عزيزتي، هل تؤمنين حقاً أن تلك الطريقة هي الصحيحة؟"
*تخميني كان صحيحاً. جدي يعرف بالفعل.*
يعرف عن إيلينز، وعن كل شيء يخص دريموكان. بما أن الأمر وصل إلى هذا الحد، فلا داعي لأن أتراجع.
"أنا، في الحقيقة، قابلتُ إيلينز."
"...!"
"قالت إنها ألقت اللعنة لأنها كرهت الجد الذي سلبها حريتها." حركتُ شفتي وتابعت: "لكنني لا أفهم ما الخطأ في قيام جدي بإنهاء الحرب."
الأمر ليس أنني لا أفهم وجهة نظر إيلينز، لكنني أؤمن أن جدي، الذي كان يوماً قائد فرسان "كارپيا"، اتخذ أفضل قرار ممكن. لأن الخاسر في الحرب مصيره دائماً نهاية مأساوية.
"... جدي، لماذا قبلتَ 'دريموكان'؟" رغم علمه أن إيلينز ستصب غضبها عليه.
ابتسم جدي مرارة: "يقولون إن الناس يعيشون وهم يأملون في المستقبل، لكن يا عزيزتي، البعض يعيش محاصراً في الماضي."
"..."
"ما زلتُ أشعر وكأنني في ساحة المعركة." كانت يد جدي، التي تمسك بيدي، لا تملك سوى أربعة أصابع. مسح على يدي بلطف وتابع: "تمنيتُ ألا يتكرر مثل ذلك الأمر أبداً. ولتحقيق ذلك، كان على شخص ما حماية دريموكان."
"لكن لم يكن يجب أن يكون أنت، يا جدي." خرج صوتي كأنه تذمر طفولي.
"... لو كنتُ أعلم أن غضبها سيوجه إلى من حولي، لكنتُ اخترتُ بشكل مختلف."
اللحظة التي استيقظت فيها إيلينز كانت يوم اكتمال القمر؛ مستغلة ضعف الختم، لعنت عائلة "رويجين". مات الجميع، ولم يبقَ سوى جدي ليعاني وحيداً.
"ومع ذلك، أرجوك لا تعتذر لي." قاطعته قبل أن يكمل. "لم ألمك أبداً، ولا للحظة واحدة."
"..."
"وأخي يشعر بالشيء نفسه بالتأكيد." سيدريك، بذكائه الشديد، كان يعرف يقيناً، لكنه لم يغير موقفه أبداً.
طمأنني جدي بلطف: "سيدريك سيكون عائلة جيدة لكِ. منذ أن أحضركِ إليّ وأنتِ لا تزالين طفلة."
"أنا شخص طماع، لذا أخي وحده لا يكفي. يجب أن تبقى معي أنت أيضاً يا جدي."
عندما سمعتُ ما قالته إيلينز، ترددتُ. كنتُ خائفة من المدى الذي سيصل إليه غضبها الآن بعد أن تحررت. لكن عندما شعرتُ باقتراب النهاية من جدي، تمسكتُ به دون تردد.
"بيانكا، أنتِ تشبهينني كثيراً."
"...!"
"أنا أيضاً كنتُ أشفق على وضعها يوماً ما. سخرتُ من جشع البشر الذي لا ينتهي، لكن قبل أن أشعر، عندما نظرتُ إلى الوراء، كان وجودها قد أصبح خوفاً هائلاً." وتابع جدي بصعوبة: "ماذا قالت مجدداً؟ ألم تعدني براحة سلمية وتحدثت عن ظروفها؟"
لم أستطع النطق بكلمة، فقد أصابت كلماته صميم قلبي.
"يا عزيزتي، بالنسبة لنا، الحرب لم يعد لها معنى."
"ولـ.. ولكن ماذا عنك يا جدي؟ ما الذي فعلتَه أنت تحديداً بشكل خاطئ؟" كان هذا أشبه بالاحتجاج. لو قال فقط إنه هو من تعرض للظلم... كان يغضبني رؤيته يقبل وضعه بهذه البساطة.
"هل تعلمين يا بيانكا؟" هززتُ رأسي صامتة. "الشخص الذي يقتل نفساً واحدة في الإمبراطورية يصبح مجرماً محكوماً عليه بالإعدام."
"..."
"لكن أنا، الذي قتلتُ المئات، هُتف لي كبطل." ارتجفت شفتا جدي وتابع: "بيانكا، أنا سفاح. حتى لو ادعيتُ أنني لم أرتكب خطأً، فقد اقترفتُ ذنباً لا يغتفر."
"هذا...!"
"آمل أن تعيشي أنتِ وسيدريك حياة مختلفة عن حياتي. أريد أن يكون أكبر همكما هو هذه اللحظة الحالية فقط."
تذكرتُ شيئاً قاله لي جدي ذات مرة؛ أنه كان يأمل أن أعيش كزوجة لريكاردو من أجل أن احصل على منصب يجعلني مرتاحه في هذه الحياة.
"... قد ترى نفسك سفاحاً يا جدي، لكنني لا أراك كذلك."
"..."
"لقد تمكنتُ من النمو كشخص يتطلع إلى المستقبل بفضل إنهاءك للحرب." أجبرتُ نفسي على الابتسام. "بالنسبة لي يا جدي، أنت بطل."
اتسعت عيناه وهو ينظر إليّ. ربما حتى تلك الكلمات بدت كعبء عليه الآن، لكنها كانت الشيء الوحيد الذي توجب عليّ قوله.
"آنسة."
بمجرد خروجي وإغلاقي للباب، ناداني "أتيكوس" الذي كان ينتظر بالخارج.
"أحضر لجدي المزيد من الروايات الرومانسية، يبدو أن لديه الكثير من الأفكار."
"تقولين الشيء نفسه الذي قاله الماركيز." ضحك أتيكوس باختصار قبل أن يسلمني رسالة. "أكثر من ذلك، لدي أخبار جيدة."
فتحتُ المغلف بتعبير حائر.
"مبارك لكِ يا آنسة."
ما خرج من المغلف كان **رسالة فسخ خطوبة**.
وعليها توقيع ريكاردو.
وكان مرفقاً في الصفحة التالية صك ملكية **منجم هوريغون**.
####مبرووك فسخ الخطوبه🙄

تعليقات
إرسال تعليق