الفصل (52) Maylily
## **مايليلي – الفصل 52**
كان القرويون يقولون دوماً إن والد "مايليلي" كان نبيلاً زار "بوردشاير" في صيفٍ ما.
حين كانت تسمع تلك الكلمات، كانت تتخيله دوماً نبيلاً رفيع الشأن، يشبه زبائن جدها في محل الخياطة؛ وقوراً ومهيباً. لكنها، بعد أن أدركت أن كلمة "وقار" لا تليق برجل يتخلى عن طفلته، توقفت عن تخيله تماماً.
ومع ذلك، جاء "فيكتور" ليتطابق تماماً مع الصورة التي رسمتها لوالدها منذ زمن طويل.
ثيابه الرسمية الأنيقة، صوته اللبق ونبرته المهذبة، حتى الطريقة التي يلوح بها للنادل في قاعة الشاي، أو يحرك بها ملعقته في الكوب، كانت توحي برقيّ لا يقل عن رقيّ "كونت إيفرسكورت" نفسه.
*«أن يكون رجل كهذا هو والدي حقاً..»*
بمجرد النظر إلى هيئته الوقورة، شعرت "مايليلي" وكأن غمام الخزي والدونية الذي لازمها طوال حياتها كـ "طفلة مجهولة النسب" بدأ يتلاشى تدريجياً. وفي غمرة هذه المشاعر، رفعت كوب الشاي الخاص بها ببطء.
قال "فيكتور" وهو يضع ملعقته على الصحن ويرفع كوبه: "شكراً لكِ لأنكِ خصصتِ وقتاً لرؤيتي، يا ماي ليلي." كانت أشعة الشمس المتسللة عبر النافذة تنعكس على خاتمه الذهبي السميك في خنصره، فتجعله يلمع ببريق لافت.
أجابته بخجل وقد تورطت وجنتاها: "اعتقدتُ أنه يجب أن نخصص وقتاً ليعرف كل منا الآخر بشكل أفضل، يا أبي."
ابتسم "فيكتور" برضا لسماعها تناديه بذلك، وقال: "سماعكِ تقولين هذا يسعدني جداً. هل أعجبكِ الشاي؟"
"نعم، إنه رائع."
"جربي إضافة القليل من الحليب، سيجعل النكهة أغنى وأكثر سلاسة."
راقبت "ماي ليلي" بصمت "فيكتور" وهو يسكب الحليب في كوبها بنفسه. هذا الفعل البسيط من الحنان جعل شيئاً ما داخل صدرها يرتجف بلطف.
سألها "فيكتور" عن حياتها، منذ أيام الدراسة وحتى اليوم، وكانت أسئلته تحمل اهتماماً لطيفاً مشوباً بلمحة اعتذار حذرة. هل يمكنهما ردم فجوة السنين التي ضاعت من عمريهما؟ بهذا الأمل، أجابته بصدق. كانت هذه المرة الأولى التي تتحدث فيها عن حياتها بهذا التفصيل لأي شخص، ورغم ارتباكها في البداية، إلا أن نظراته الدافئة ساعدتها على الاسترخاء.
ثم طرح "فيكتور" السؤال الذي يهمه حقاً: "أليس من الصعب العمل كمغنية دون وجود راعٍ ؟ لقد سمعت أن التعامل مع أعضاء الجوقة في فرقة أوبرا رودين ليس جيداً تماماً."
كان من الشائع أن ترتبط المغنيات اللواتي لديهن "رعاة" بعلاقات خاصة، والمجتمع يفترض ذلك تلقائياً. لذا، احتاج للتأكد من وضعها. فالرجل الذي ينتظر شراءها، "الفيكونت داوسون"، يشترط عروساً طاهرة في جسدها وسمعتها، رغم أنه هو نفسه تزوج ثلاث مرات سابقاً.
أجابت "مايليلي" بعفوية، غير مدركة لنواياه: "إنه أمر يمر به الجميع، لكن بما أنني تمكنت من الغناء على المسرح في سنتي الأولى، أعتقد أنها بداية جيدة."
كانت عيناها الواسعتان تلمعان بطموح بريء، ولم تبدُ أبداً كشخص لديه "راعٍ". ارتاح "فيكتور" تماماً لهذه الحقيقة، ثم سأل فجأة: "هل هناك رجل تواعدينه؟"
رمشت "مايليلي" بذهول أمام هذا السؤال المباغت: "... لا."
تنهد "فيكتور" بتصنع: "أشعر بضيق في قلبي حين أفكر أنكِ بلغتِ سن الزواج ولم تجدي شريكاً مناسباً بعد. أظن أن هذا خطئي."
"آه..."
"لا تقلقي يا مايليلي. قبل أن يفوت الأوان، سأهتم أنا بهذا الأمر."
تلبدت ملامح "مايليلي" بالقلق بدلاً من الاطمئنان. تلاعبت بكوبها لفترة قبل أن ترفع رأسها وتقول بحزم: "أبي.. أريد أن أنجح كمغنية أوبرا. ولأفعل ذلك، يجب أن أكرس نفسي كلياً لعملي، لذا ليس لدي خطط للزواج الآن."
رد "فيكتور" ببرود: "السعي وراء النجاح دون راعٍ يشبه محاولة الإمساك بالسحاب. والراعي لن يتحمل مسؤولية حياة المغنية للأبد. لقد رأيتِ ما يكفي في الأوبرا لتعرفي ذلك."
"ومع ذلك.. لا يمكن للمرء أن يعرف ما لم يجرب."
"رهانكِ بحياتكِ على احتمال ضئيل كهذا ليس خياراً حكيماً. سعادة المرأة تكمن في العيش براحة مع زوج مقتدر مادياً."
قالت "ماي ليلي" بإصرار: "لكني لا أستطيع تخيل عيش تلك الحياة. حتى لو لم أحقق نجاحاً باهراً، الغناء على المسرح وحده يجعلني سعيدة. لا أريد التخلي عن ذلك."
لم يعر "فيكتور" اهتماماً لإصرارها؛ فرأيها لم يكن يهم في ترتيبات هذا الزواج. قال بإنهاء للحديث: "فلنناقش هذا في وقت آخر." ثم دفع ثمن الشاي وغادرا.
اتفقا على اللقاء مجدداً لتناول العشاء في عطلة نهاية الأسبوع، ثم توجها إلى متجر ملابس قريب يخدم الطبقة المتوسطة. ورغم ضائقته المالية، قرر "فيكتور" الاستثمار في "رفع قيمة ابنته السوقية".
"أنا بخير حقاً، ليس لدي مناسبات لارتداء فساتين غالية كهذه،" قالت "ماي ليلي" بإحراج.
رد "فيكتور": "هذا يُحل بصنع المزيد من المناسبات. لا أريد أن أظل أباً لم يشترِ لابنته فستاناً واحداً."
بعد إصراره، بدأت "ماي ليلي" تتصفح الفساتين بذهول أمام هذا الاهتمام الأول الذي تتلقاه من والدها. لم تشك أبداً في سبب اختيار هذا التاجر "الغني" لمتجر متواضع بدلاً من أرقى بوتيكات "أبيرك". كانت طيبة القلب لدرجة أنها لم تشبه "فيكتور" في شيء سوى ملامح وجهه.
اشترى لها فستاناً بلون "المرجان" (Coral) جعل وجهها يتوهج جمالاً. وحين طُلِب منها عنوانها لإرسال الفستان بعد التعديلات، ترددت وقالت إنها ستأتي لاستلامه بنفسها، مما أثار استغراب فيكتور، لكنه ظن أنها محرجة من مكان سكنها فقط.
لسوء الحظ، هطل المطر بغزارة في عطلة نهاية الأسبوع.
ترددت "ماي ليلي" قبل موعد العشاء، لكنها قررت ارتداء الفستان الجديد؛ فوالدها أراد رؤيتها به. حين نظرت للمرآة، أدركت أنها في أعماقها كانت تتوق دوماً لحب أبوي، وتذكرت بمرارة كيف كانت تحسد أقرانها وهم يركبون على أكتاف آبائهم.
انطلقت وهي تشعر ببهجة وحذر من رذاذ المطر، لكن سوء حالة الطريق جعل العربة تتأخر. وصلت إلى المطعم الفاخر في شارع "أبيرك" متأخرة بعشر دقائق.
"ماي ليلي! لماذا تأخرتِ كل هذا الوقت؟!"
صدمها صوت "فيكتور" الحاد بمجرد دخولها. كانت نظراته مزيجاً من الانزعاج والقلق. اعتذرت برعب، فسرعان ما استعاد قناعه اللطيف قائلاً: "أعتذر لرفع صوتي، كنت قلقاً من أن يكون مكروه قد أصابكِ بسبب المطر."
حين استعادت هدوءها ووضعت يدها على ذراعه ليدخلا، قال فجأة وكأنه تذكر شيئاً: "أوه! من محض الصدفة أن الفيكونت داوسون يتناول العشاء هنا اليوم، لذا سننضم إليه. لا تمانعين، أليس كذلك؟"
أدركت "ماي ليلي" أن فرصتها في حديث حميم مع والدها قد ضاعت اليوم. أخفت خيبة أملها وابتسمت: "لا، أبداً."
بينما كان "فيكتور" يلقنها تعليمات حول كيفية التصرف بأدب أمام الفيكونت، وصلا إلى طاولة تقع تحت ثريا ضخمة تلمع بأضواء باهرة...
**Sweetnoveltime
مترجم:sofia

تعليقات
إرسال تعليق