الفصل (51) Maylily
## **ماي ليلي – الفصل 51**
"لا يمكن أن يكون هذا حقيقياً..."
تمتمت "ماي ليلي" بذهول بعد سماعها لكل ما قاله "فيكتور". في ممرٍ خفتت أضواؤه، استحال وجهها شاحباً كأن الدماء جفت من عروقها.
أجابها "فيكتور" بنبرة بدت حانية للغاية: "من الطبيعي تماماً أن يصعب عليكِ تصديق الأمر. أنا أيضاً، كان من الصعب عليّ في البداية تقبل حقيقة وجودك."
ورغم نبرته الودودة، لم تتبدد الصدمة عن وجهها. ظلت "ماي ليلي" لفترة تغمض وتفتح عينيها الواسعتين ببطء، كمن سقط في فجوة زمنية توقف فيها كل شيء. وحتى في نظرتها العاجزة تلك، كانت تبدو فاتنة كالدمى.
فكر "فيكتور" في نفسه وهو يتأملها: *«كيف يمكنها أن تشبهني إلى هذا الحد؟ إنها حقاً تحفة فنية.»* وبينما كان يتغنى بجيناته المتفوقة التي تجسدت في جمال ابنتها، رفعت "ماي ليلي" عينيها ببطء عن الأرض، والتقت نظراتها القلقة بنظراته.
قالت بصوت واهن: "أنا لا أقصد التشكيك فيك يا سيدي، ولكن... من كلماتك وحدها، يصعب عليّ تصديق أنك والدي حقاً. قد يكون هناك سوء فهم أو خطأ ما، ربما خلطت بيني وبين شخص آخر."
ابتسم "فيكتور" بخبث مبطن وقال: "كنت أعلم أن هذا سيحدث، لذا أحضرت معي شيئاً." ثم أخرج مغلفاً قديماً من جيب معطفه، يحمل ختم بريد من "بوردشاير". وتابع: "هذه رسالة أرسلتها والدتكِ لي فور ولادتكِ."
اتسعت عينا "ماي ليلي" وهي تنظر تارة إلى المغلف وتارة إلى وجه "فيكتور"، ثم أخذته بيدين ترتجفان بوضوح. وبينما كانت تفتح الرسالة، تتبعت نظرات "فيكتور" معصمها النحيف وملابسها وقبعتها وحقيبتها؛ كانت كلها رثة وقديمة الطراز، مما كشف له عن طبيعتها المتواضعة التي لا تليق بفنانة تقف أمام الجمهور.
فكر بانتشاء: *«سيعجب بها الفيكونت داوسون أكثر. إنها جميلة كالزهرة كما هي، وفوق ذلك هي مقتصدة. ذلك العجوز البخيل سيرحب بمثل هذه العروس بأذرع مفتوحة.»*
"هل أنت حقاً... الشخص الذي تخصه هذه الرسالة؟"
عادت نظرات "ماي ليلي" إليه، وقد لمعت عيناها بالدموع، كأنها بدأت أخيراً تدرك الحقيقة المريرة والجميلة في آن واحد.
أجاب "فيكتور" متصنعاً التأثر: "هذا صحيح يا عزيزتي."
"إذن هو حقاً..."
تلمست "ماي ليلي" اسم والدتها المكتوب في نهاية الرسالة بأصابع مرتجفة قبل أن تخنقها العبرة وتلوذ بالصمت.
"نعم، أنا والدكِ. أعتذر لأنني تأخرت كثيراً في المجيء إليكِ."
أتم "فيكتور" جملتها نيابة عنها، وخلع قبعته السوداء كمن يقدم تحية رسمية. ومع اختفاء ظل حافة القبعة، ظهر شعره الذهبي المرتب بعناية.
في تلك اللحظة، حدقت "ماي ليلي" في وجهه كالمسحورة. الشعر الذهبي المتوهج، العينان اللتان تشبهان صفاء السماء، والنظرة المنكسرة قليلاً، وتلك الشامة الصغيرة أسفل شفته... كل علامة كانت دليلاً قاطعاً على رابطة الدم التي تجمعهما.
وقبل أن تفيض الدموع من عينيها، مسحتها بسرعة بظهر يدها وقالت: "أنا... لا أدري بماذا أفكر."
في نهاية يوم عادي، يظهر رجل يدعي أنه والدها الذي لم تعرف بوجوده قط، كضيف غير مدعو. لو سقط القمر فجأة أمام نافذتها لما شعرت بغرابة أكثر مما تشعر به الآن. هل يجب أن تحقد عليه لأنه جاء متأخراً؟ أم تبكي لأنها افتقدته طوال حياتها؟
أخرج "فيكتور" منديلاً وقدمه لها قائلاً: "أعلم أن هذا يصعب استيعابه. يمكنني تخيل مدى صعوبة الأيام التي مررتِ بها. أرجوكِ، دعيني أكون والداً لكِ الآن، حتى وإن كان الوقت متأخراً."
ومع تلك الحرارة الغريبة التي لامست أطراف أصابعها، سمحت "ماي ليلي" لدموعها بالهطول أخيراً، واقفة هناك لفترة طويلة، لا هي قادرة على الإمساك بالمنديل بقوة، ولا هي قادرة على دفعه بعيداً.
كانت رسالة والدتها الأخيرة قد بقيت غير مكتملة، وكأن النوم قد غلبها قبل أن تنهيها. عثرت عليها "ماي ليلي" في درج الطاولة الجانبية لسرير جدها يوم كانت ترتب مقتنياته مع عمتها بعد وفاته.
لم يكن هناك اسم للمرسل إليه، لكن "ماي ليلي" الصغيرة أدركت حينها لمن كانت موجهة. كانت والدتها تتوسل وتترجى ألا تُهجر، من أجلها ومن أجل طفلتها. تلك الأمنية التي لم تُرسل أبداً، بقيت أمانة عند الجد، الذي قام بدور الرجل الذي تخلى عن ابنته، واعتنى بالطفلة التي تركتها خلفها.
كانت الرسالة قد ذبلت بفعل السنين، ولم تكن "ماي ليلي" تتخيل وجع جدها كلما أخرجها ليقرأها. ومع ذلك، بكت "ماي ليلي" بصمت وهي تحتضن الورقة، حتى جاءت عمتها وأحرقتها، خوفاً من أن تُلوث تلك الذكريات حياة "ماي ليلي".
لم تعرف "ماي ليلي" كم مرة قرأت تلك الرسالة قبل احتراقها، لكن شيئاً واحداً ظل محفوراً في ذاكرتها: اسم والدتها المكتوب بخط مائل حزين. والآن، وجدت ذلك الأثر مجدداً في الرسالة التي قدمها هذا الرجل.
لم يعد هناك مجال للشك. ومع قبولها لهذه الحقيقة، بدأ وجه الرجل يتضح أمامها؛ فيه تكمن أصول عينيها الزرقاوين وشعرها الذهبي. وهكذا، وفي لحظة واحدة، وُلدت كلمة "أب" في عالم "ماي ليلي" بعد أن كانت معدومة.
وقفت "ماي ليلي" أمام خزانة ملابسها المفتوحة، تدندن بلحن هادئ بملامح جادة وهي تخرج فستاناً بلون الليلك. كان هدية من "كونت إيفرسكورت". تذكرت كم كانت سعيدة به لأن أزراره كانت من الأمام، مما يسهل ارتداءه.
"لا، لا يمكنني ارتداء هذا."
هزت رأسها بعدما وضعت الفستان أمام المرآة. أرادت أن يكون الكونت هو أول من يراها به، كما أن فخامة الفستان قد تثير الشبهات حول وضعها المادي.
في النهاية، اختارت فستاناً كحلياً بسيطاً. اليوم لديها موعد مع "فيكتور". أرادت أن تجري معه حواراً حقيقياً بعيداً عن صدمة اللقاء الأول. كانت تتساءل: أي نوع من الرجال هو والدي؟
قال لها إن رحيله لم يكن خياراً، بل نُفي للخارج قسراً من قبل عائلته التي عارضت زواجه، ولهذا لم يعلم بوجودها.
*«من الآن فصاعداً، أريد أن أعيش كوالدكِ وأكفر عما فعلته في حقكِ وحق والدتكِ.»*
إذا كانت كلماته صادقة، فهي تريد منحه فرصة. أرادت أن يأتي اليوم الذي تتأكد فيه أنها ووالدتها لم تُهجرا حقاً، لتأخذه من يده ويزورا قبري والدتها وجدها معاً، لعل ذلك يمسح الحزن عن روحهما المدفونة في تلك الرسالة القديمة.
بأمل ثقيل في قلبها، جلست أمام مرآتها تسرح شعرها. وقعت عيناها على زهرية صغيرة بجانبها؛ كانت زنابق الوادي التي وصلت صباحاً تنشر عطرها المنعش. حتى وهو في رحلة عمل، كان "ذلك الرجل" (الكونت) يحرص على إرسال الزهور لها كل يوم.
فكرت بابتسامة: *«أنا أشبه والدي أيضاً.»*
تساءلت إن كان سيأتي اليوم الذي تبتسم فيه وتخبره أن هذا هو الجواب الذي ظنت أنها لن تجده أبداً. وبأمل حذر، أنهت ارتداء ملابسها وانطلقت إلى مكان اللقاء.
##sweetnoveltime

تعليقات
إرسال تعليق