الفصل (50) التعبير عن المشاعر الدفينة

 


### ****

وقفت جوانا ومرافقوها أمام بوابة المبنى الحديدية المغلقة، بانتظار فتحها. وقبل أن تمد يدها لتهز الجرس المعلق على أحد جانبي إطار البوابة لتعلن عن وصولها، فاجأها صوت عالٍ تردد صداه في هواء ما بعد الظهيرة الهادئ:

"يا إلهي! هل هذه أنتِ حقاً يا سيدتي؟"

التفتت جوانا نحو مصدر الصوت، ورأت امرأة عجوزاً في أواخر الستينيات من عمرها، وقد رُبط شعرها الرمادي على شكل كعكة، وهي تقترب نحوها بخطوات متسارعة. وبمجرد أن عرفت هويتها، ابتسمت جوانا وسحبت يدها التي كانت قد أدخلتها عبر قضبان البوابة لتهز الجرس.

لم يكن صوت العجوز هو ما لفت انتباه جوانا فحسب، بل جذب أيضاً انتباه الفتيات اللواتي كنّ يلعبن في الفناء الأمامي؛ فحركن رؤوسهن ليتبعن وجهة العجوز، وما إن لمحن من تقصد، حتى انطلقت منهن صيحات فرح عارمة.

"السيدة جوانا!" صرخت الفتيات في وقت واحد، وركضن نحو البوابة المغلقة بسرعة فاقت سرعة العجوز، مما تسبب في تصاعد الغبار في الهواء مع ارتطام أقدامهن الثقيلة بالتربة الجافة.

ولأن البوابة كانت لا تزال مغلقة، لم يملك الأطفال سوى القفز بابتهاج أمامها، وهن يضحكن بمرح ويمددن أيديهن عبر القضبان للمس السيدة الشابة. استقبلتهن جوانا بذات النبرة السعيدة، ممسكة بأيديهن وهي تشاركهن الضحك.

"هيا يا فتيات، التزمن الأدب من فضلكن!" هكذا علقت العجوز بنبرة صارمة، وكأنها تؤدبهن وهي تقترب من البوابة. سرعان ما انسحبت الفتيات ووقفن جانباً بينما قامت العجوز بفتح القفل بالمفتاح الذي كان بيدها.

"التزمن الأدب!" كررت العجوز ملاحظتها مرة أخرى عندما رأت الأطفال على وشك الهجوم نحو السيدة الشابة بمجرد فتح البوابة.

أمام هذه الملاحظة الصارمة، أجبرت الفتيات أقدامهن على الثبات فوق الأرض، وانحنين للسيدة الشابة انحناءة مهذبة، ثم قلن بتناغم: "مرحباً بكِ في ميتم باول، السيدة جوانا". أطلقت جوانا ضحكة خفيفة على تصرفهن قبل أن ترد عليهن بإيماءة وشكر.

"الآن، من فضلكن ادخلن وأخبرن السيدة 'فالور' أن تجهز الغداء للضيوف"، هكذا أمرت العجوز الفتيات.

"لكننا لا نزال نفتقد السيدة جوانا ونريد اللعب معها، السيدة باول"، هكذا تذمرت أصغر الفتيات الأربع بنظرة حزينة، وهي تنظر إلى العجوز التي تُدعى السيدة باول بعينيها الواسعتين بينما تهز يدها.

تنهدت السيدة باول، ونظرت إلى الفتاة الصغيرة بنظرة حانية، وقالت وهي تمسح على شعرها البني: "لاحقاً يا إيما، دعي السيدة جوانا تنال قسطاً من الراحة أولاً. ألا ترين كم تبدو منهكة؟".

عند سؤال السيدة باول، أدارت إيما رأسها لتنظر إلى السيدة جوانا، التي كانت تبتسم لها رغم حالتها المرهقة. أومأت الفتاة الصغيرة، التي كان شعرها البني الطويل مضفوراً ومستقراً على كتفيها، بالموافقة، وقالت بصوت خافت: "السيدة جوانا متعبة الآن".

خطت جوانا خطوة للأمام وانحنت لتلتقي عيناها بعيني إيما: "سألعب معكِ ومع شقيقاتكِ لاحقاً بعد أن أنال قسطاً كافياً من الراحة. هل أنتِ موافقة على ذلك يا إيما؟" قالت جوانا ذلك بابتسامة مطمئنة وهي تلمس أنف الفتاة الصغيرة بلطف. وبمجرد سماع تلك الكلمات الواعدة، أومأت إيما بابتسامة عريضة ومبتهجة وعيناها تلمعان ببريق ساطع.

وعلى إثر ذلك، ركضت جميع الفتيات إلى داخل المبنى لنقل الرسالة التي كلفتهم بها السيدة باول إلى السيدة فالور، طباخة الميتم.

وقفت السيدة باول أمام جوانا بمئزرها الأخضر الملطخ بالدقيق فوق فستانها البيج المتواضع، وتفحصتها من أعلى إلى أسفل قبل أن تستقر نظراتها على وجه السيدة الشابة في النهاية.

وبعينين محمرتين دامعتين وابتسامة رقيقة على شفتيها، قالت السيدة باول بصوت منخفض ومتهدج: "ظننت أنني لن أراكِ ثانية يا سيدتي". مدت يداها المجعدتان لتلف يد جوانا، وهي تربت برفق على ظهر كفها.

بادلتها جوانا الابتسامة، ورفعت يدها الأخرى لتضعها فوق يد السيدة باول الدافئة، وردت بصوت منخفض وناعم: "وأنا سعيدة لأنني تمكنت من رؤيتكِ مرة أخرى، السيدة باول".

لقد كانت جوانا ممتنة حقاً لحصولها على فرصة أخرى لزيارة مكان ظنت أنها لن تتمكن من المجيء إليه أبداً بعد زواجها وانتقالها إلى "أرتشيس". كان هذا هو المكان الذي تزوره كلما أرسلت عائلة دي لارا الإمدادات؛ فكانت تقضي ثلاث أيام على الأقل تتحدث وتستمتع بصحبة السيد والسيدة باول اللذين كانت تعتبرهما بمثابة جدّيها.

أومأت السيدة باول برأسها تأثراً بكلمات السيدة الشابة. لم تنطق بأي كلمة بعد ذلك، بل اكتفت ببعض التربيتات الخفيفة على ظهر يد جوانا، وهي الوسيلة التي استخدمتها العجوز للتعبير عما في أعماقها من مشاعر.

بعد أن تبادلتا النظرات لفترة مع ابتسامة صادقة ارتسمت على وجهيهما، تنبهت السيدة باول عندما حادت بعينيها لتجد الضيوف الآخرين واقفين بهدوء خلف السيدة الشابة.

أعادت نظرها إلى جوانا وقالت: "لقد طلبت من الأطفال الابتعاد عنكِ لكي ترتاحي، ولكن انظري ماذا أفعل أنا الآن". تنهدت وهي تنقل بصرها نحو مرافقي جوانا: "أنا أجعل الضيوف المرهقين يقفون لفترة أطول بسبب مشاعري التي لم أستطع السيطرة عليها". تنهدت مرة أخرى قبل أن تقول:

"أرجو أن تعذروا هذه العجوز، أيها السيدات والسادة. كلما تقدم بك العمر، زاد احتمال أن تصبح رهيف المشاعر تجاه الأشياء البسيطة والصغيرة".

ابتسمت جوانا لكلمات العجوز وهزت رأسها حين التقت عيناهما، وكأنها تخبرها أن الأمر لا يستدعي القلق أبداً.

بادلتها السيدة باول الابتسامة وعلقّت: "لا بد أنها كانت رحلة شاقة للغاية كالعادة. تفضلوا بالراحة في الداخل، أيها السيدات والسادة". ثم قادت السيدة باول السيدة الشابة ومرافقيها إلى داخل مبنى الميتم، لتنهي تلك الدردشة العاطفية تحت وطأة تلك الأجواء الدافئة.

** Sweetnoveltime# 

تعليقات

"ركن الحكايات.. حيث تذوب القلوب بين السطور

قائمة الاعمال المترجمة

The duke's bed warmer

-الفصل (1)- صحوة النظام

المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي

الفصل (1) ثمن الابنة