الفصل (50)



## 

بدأ القمر يتسلق كبد السماء، باسطاً توهجاً فضياً على الشارع الهادئ بينما توقفت العربة. نزل جورج أولاً، وكانت حركاته متيبسة ورسمية، ثم دار حول العربة وفتح باب ديليا، مـاداً يده في محاولة لأخذ صندوق أمتعتها منها.

أمسكت هي بالمقبض وشدته للخلف، وسألته بنبرة منخفضة وغاضبة: "ماذا تفعل؟ ألم أحذرك من الظهور أمامي مرة أخرى؟"

تجاهل جورج أسئلتها، وبدا وجهه مفعماً بالتصميم، ورد بسؤال من عنده: "أنتِ ذاهبة إلى مقر إقامة الدوق، أليس كذلك؟ سأقوم بإيصالكِ إلى هناك."

قالت ديليا وهي تنتزع الصندوق من بين يديه بقوة: "لا، شكراً لك. سأذهب وحدي."

حاول جورج مرة أخرى أخذ الصندوق، وكانت قبضته حازمة: "أنا أعرف الطريق. وأحتاج للتحدث معكِ يا ديليا، الأمر هام."

صمدت في مكانها، وانغرست أصابعها في المقبض الجلدي المهترئ للصندوق: "قلتُ لا، يا جورج بيمبروك! أي جزء من هذه الكلمة لم تفهمه؟ ما هي مشكلتك؟"

تحدث بتضرع وصوته يرتجف قليلاً: "أرجوكِ ديليا، دعيني أقوم بهذا الشيء الوحيد. قد تكون هذه هي المرة الأخيرة التي يمكنني فيها فعل أي شيء لأجلكِ."

كلماته تلك، المليئة باليأس البائس والمتلاعب، جعلت عزمها يتردد لثانية واحدة فقط. وفي تلك اللحظة من التردد، خطف الصندوق من يدها، ووضعه بسرعة في العربة، ثم التفت إليها مـاداً يده لمساعدتها على الصعود. ضربت يده بحركة حادة وغاضبة وصعدت إلى العربة بنفسها، وجلست في أبعد نقطة ممكنة عنه.

اكتملت الرحلة إلى مقر إقامة الدوق في صمت ثقيل وخانق. كان الصوت الوحيد هو قرع حوافر الخيل المنتظم على الحجارة. ارتفع القمر أكثر، شاهداً أبيض صامتاً على التوتر السائد بينهما.

وصلوا أخيراً خارج البوابات العالية والأنيقة لمنزل إيريك الخاص. نزلت ديليا أولاً دون انتظار مساعدته، وتبعها جورج وهو يسحب صندوقها خلفها.

عرض عليها وهو يتجه نحو البوابة: "سأضع هذا بالداخل لأجلكِ."

ردت ديليا بحدة وهي تأخذ الصندوق منه: "لا، شكراً لك. أرجو أن تغادر الآن يا جورج."

لم يتحرك. قال واسمها يخرج من بين شفتيه كصوت رقيق متألم: "ديليا..." ثم تنهد تنهيدة طويلة ومرهقة: "هل فكرتِ بي يوماً كحبيب فقط؟"

كان السؤال غبياً للغاية ومتمحوراً حول الذات لدرجة أن ديليا صُدمت للحظة: "ماذا؟"

تابع وصوته يفيض بحزن لم تعد تصدق أنه حقيقي: "إذاً، إذا انتهى هذا الجزء من علاقتنا، فهل سنصبح مجرد غرباء منذ الآن؟ لقد كنا أصدقاء طفولة يا ديليا، لم يكن لدينا سوى بعضنا البعض لسنوات."

سخرت ديليا بصوت قصير ومرير: "هل تلومني على هذا الآن؟ هل نسيت تماماً كيف انتهى بنا المطاف إلى هنا في المقام الأول؟"

رد جورج بسرعة: "أعلم أنه كان خطئي، أعلم ذلك. ولهذا السبب لا يمكنني أن أغضب لأنكِ ستتزوجين رجلاً آخر. حتى لو كان ذلك يؤلمني، سأتمنى لكِ السعادة. سأفعل.. كصديق لا يزال يهتم لأمركِ."

أسقطت ديليا صندوقها على الأرض بارتطام ثقيل وطوت ذراعيهـا فوق صدرها، وبدا على وجهها انزعاج شديد: "ما الذي تريده حقاً يا جورج؟ انطق به فحسب."

خفض صوته واقترب خطوة: "لم أكن لأتصرف هكذا لو كان أي رجل آخر، لكن الدوق... ليس هو الشخص المناسب يا ديليا. فكري في الأمر؛ لقد قابلكِ للتو، وفي غضون أيام تقدم لخطبتكِ، واجتمع بعائلتكِ، والآن يجعلكِ تنتقلين إلى منزله وأنتما لم تتزوجا بعد. القلة الذين يعرفون الدوق، ويعرفون مدى خصوصيته وجديته، لن يصدقوا هذا أبداً. الأمر مريب."

ردت ديليا ببرود: "لا بد أنه غارق في حبي لدرجة تبرر ذلك."

بدا جورج مصدوماً لأنها لا ترى منطقه. تابعت ديليا وهي ترمقه بازدراء صريح، من حذائه الباهظ إلى وجهه الوسيم القلق: "عندما يقع الرجال في الحب، لا يستطيعون رؤية أي شيء آخر، ويفعلون أشياء تبدو غير منطقية للآخرين." صمتت قليلاً لتمهد لكلماتها التالية: "مثلك أنت، على سبيل المثال؛ أردتَ أن تكون قريباً من الشخص الذي تحبه بشدة لدرجة أنك لم تمانع حتى في الزواج من أختها لتحقيق ذلك."

أطلق جورج زفيراً عالياً كأنه كان يحبس أنفاسه؛ لقد أصاب الاتهام هدفه. قال مغيراً الموضوع: "لقد سألته.. سألته إن كان يعرف عن علاقتنا، عن ماضينا. وقال إنه لا يهتم. أي نوع من الرجال لا يهتم بماضي امرأته؟"

ردت ديليا وقد تملكها الغضب تماماً: "سموّه لا يمانع ذلك، على عكس بعض البشر البائسين الذين أعرفهم." التقطت صندوقها، وأخرجت المفتاح الذي أعطاها إياه إيريك، وبدأت في فتح البوابة الحديدية الثقيلة.

تبعها جورج وهي تدفع البوابة مفتوحة: "ديليا، أرجوكِ استمعي إليّ. أنا لا أفعل هذا بلا سبب. الدوق شخص مخيف، وأنا متأكد أن لديه دوافع خفية لكل هذا."

فجأة، تردد صدى فتح باب ثقيل من جهة مبنى العربات، وخرج خيال من بين الظلال. كان السيد "راي"، لكنه لم يكن السائق العجوز اللطيف الذي تعرفه؛ كان يمسك بين يديه بندقية طويلة وداكنة. تردد صدى "تكة" تهديد بينما كان يلقم رصاصة في بيت النار في ذلك الفناء الصامت، ثم رفع البندقية وصوبها مباشرة نحو صدر جورج.

"من أنت؟" لم يعد صوت السيد راي دافئاً وودوداً، بل صار بارداً، حاداً، وخطراً: "أفصح عن عملك هنا الآن قبل أن تخترق رصاصة جمجمتك."

صُدمت ديليا. حدقت في السائق، وفي الطريقة الاحترافية والثابتة التي يمسك بها السلاح. أصبح من الواضح فوراً أن السيد راي ليس مجرد سائق، بل هو حارس مدرب تدريباً عالياً، ومكلف بحماية منزل إيريك وسلامته، مستخدماً دور السائق البسيط كتمويه.

قالت ديليا بسرعة وهي تقف بين جورج والبندقية: "لا بأس يا سيد راي، اللورد جورج على وشك المغادرة. يمكنك العودة والاستمتاع براحتك."

نظر السيد راي إلى جورج للحظة طويلة وقاسية، وعيناه مليئتان بالشك، قبل أن يخفض بندقيته أخيراً: "أعلميني إذا احتجتِ إلى أي شيء، يا ميلادي." أومأت ديليا برأسها، وبإيماءة مقتضبة لها، استدار واختفى مرة أخرى.

أخرجت ديليا نفساً لم تكن تدرك أنها تحبسه وتابعت مشيها نحو الباب الأمامي وهي تجر صندوقها خلفها. تبعها جورج الذي بدا شاحباً ومرتجفاً.

وبينما كانت على وشك وضع المفتاح في القفل، مستعدة أخيراً لدخول حياتها الجديدة والآمنة، قال جورج شيئاً جعل جسدها بالكامل يتجمد:

**"هل تعلمين أن الدوق حاول قتل شخص ما؟"**






تعليقات

"ركن الحكايات.. حيث تذوب القلوب بين السطور

قائمة الاعمال المترجمة

The duke's bed warmer

-الفصل (1)- صحوة النظام

المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي

الفصل (1) ثمن الابنة