الفصل (49)

 


عند عودتها إلى غرفتها الصغيرة المألوفة في قصر "إلينغتون"، شعرت بجدية وهدف متجدد. سحبت صندوقاً كبيراً متهالكاً من تحت سريرها. حسناً، لم يكن لديها الكثير من الأشياء التي تملكها حقاً لحزمها؛ بضعة فساتين قطنية بسيطة، حفنة من الكتب المهترئة، والشريط الأزرق الذي أهداه لها الدوق. كان هذا هو ملخص حياتها في هذا المنزل.

بينما كانت تطوي فستاناً قطنياً بسيطاً، لم تستطع مخيلتها منع نفسها من استعادة ذكريات تلك المحادثة التي دارت في صباح ذلك اليوم. فبعد الاجتماع العنيف مع العائلة وقضائها الليلة في مقر إقامته، أصر "إيريك" على توصيلها إلى المنزل بنفسه. تذكرت تلك اللحظة بوضوح، وهي تقف بجانب عربته بينما كان السيد "راي" ينتظر بصبر.

**~ استرجاع (Flashback) ~**

ساعدها إيريك في الصعود إلى العربة، وكانت يده دافئة وثابتة على ذراعها. أغلق الباب بهدوء لكنه لم يبتعد، بل أراح ذراعيه على النافذة المفتوحة لباب العربة، ثم وضع رأسه على ذراعيه، مكتفياً بمراقبتها بتعبير ناعم وغير متكلف. كان يتأمل جمالها، وبسبب حدة نظراته شعرت "ديليا" بدفء يسري في وجنتيها.

نظرت إليه، وإلى الطريقة التي يداعب بها ضوء الصباح شعره الداكن الفوضوي. سألها بابتسامة رقيقة: "ماذا ستفعلين اليوم؟"

ردت ديليا على سؤاله بسؤال آخر: "ماذا عنك؟ ماذا ستفعل أنت اليوم؟"

تنهد إيريك تنهيدة تحمل ثقل المسؤولية، وأجاب: "سأعمل. في الواقع، قد أضطر للعمل طوال الليل. لدي طلب شراء دولي يجب إنهاؤه، ولا يمكنني ترك الأمر كله لـ 'آيدن' ليتولاه، فالحمل سيكون ثقيلاً جداً عليه." ثم صمت قليلاً وأضاف: "أو إذا انتهيت مبكراً، فقد أذهب إلى الكوخ عند الفجر للحصول على بعض الراحة."

سألت ديليا بفضول: "لماذا لا تذهب إلى قصر عائلتك؟"

عادت ابتسامة طفولية مألوفة إلى وجهه: "تعلمين أنني أحب كوخي وخصوصيتي." حدق في عينيها الزرقاوين، وتحولت نظراته إلى الجدية مجدداً: "هل تودين المجيء معي، ديليا؟"

كانت الدعوة مغرية، لكنها هزت رأسها بالرفض: "لا أستطيع، سأكون مشغولة بحزم أمتعتي."

ارتفع حاجبا إيريك دهشة: "هل ستنتقلين من قصر إلينغتون اليوم؟"

أومأت ديليا برأسها تأكيداً.

عرض عليها قائلاً: "هل أرسل السيد 'راي' ليصطحبكِ هذا المساء إذاً؟ ليعيدكِ إلى مقر إقامتي؟"

أجابت ديليا، وقد ظهرت فيها نزعة العناد والاستقلالية: "لا، شكراً لك. سأستأجر عربة بنفسي عندما أكون مستعدة."

لانت تعابير إيريك، ورفع رأسه عن ذراعيه ومد يده عبر النافذة، ليداعب وجنتها بلطف: "لا تفعلي كل شيء وحدكِ، ديليا."

صمتت، وانحبست أنفاسها أمام لمسته الحانية.

تابع بصوت خفيض وصدق عميق: "لقد عنيتُ ما قلته. سأكون دائماً بجانبكِ. ليس عليكِ القيام بكل شيء بمفردكِ بعد الآن."

كان الصدق الخام في صوته غامراً؛ بدا حقيقياً أكثر من اللازم، يشبه تماماً ذلك الحب الذي أقسمت على اعتزاله للأبد. وفي لحظة دفاع عن النفس اتسمت بالمرح، أبعدت يده بخفة عن وجنتها.

قالت بنبرة لا تخلو من الدفء رغم الكلمات: "لا تعاملني كطفلة. إذا استجد موقف لا أستطيع التعامل معه، سأحرص على إخبارك."

سحب إيريك يده وطوى ذراعيه على نافذة العربة متكئاً عليها مرة أخرى، وبدا على وجهه فخر عظيم: "أنا فخور بكِ، ديليا."

أفلتت ضحكة قصيرة من بين شفتيها: "قلت إنك ستكون مشغولاً، لكن يبدو أنك تشعر بالملل فقط وتبحث عن طرق لإزعاجي."

رد ببريق مشاكس في عينيه: "كلا، يجب أن أكون مشغولاً. عليّ أن أعمل بجد حتى تحصل ديليا على كل ما تريد."

ابتسمت ديليا ابتسامة حقيقية صادقة جعلت تعابيره تلين أكثر: "إذاً من الأفضل أن تعمل بجد أكبر، يا صاحب السمو."

ثم مالت للأمام ونادت السائق: "سيد راي، يمكننا الذهاب الآن!" التفتت إلى إيريك ولوحت بيدها: "وداعاً."

راقبها بابتسامة حانية بينما بدأت العربة في التحرك، وظل واقفاً هناك حتى دارت العربة حول الزاوية واختفت عن الأنظار.

**~ نهاية الاسترجاع ~**

انتهت ديليا من حزم آخر أشيائها وأغلقت غطاء الصندوق الثقيل. وبينما كانت تفعل ذلك، رأت مظروفاً سميكاً بلون كريمي ملقى على طاولة الكتابة الخاصة بها. لقد كانت مشغولة للغاية منذ عودتها من اجتماعها مع "أوين" لدرجة أنها لم تلاحظه. لا بد أن ساعياً قد سلمه بينما كانت "أوغستا" و"آن" في الخارج، وإلا لعرفت أنها لن تتسلمه أبداً.

التقطته، وكانت تفوح منه رائحة اللافندر الخفيفة. لمست ابتسامة لا إرادية شفتيها.

فكرت في نفسها: "يا له من رجل منتبه. كيف اكتشف في أقل من أسبوعين أنني أحب رائحة اللافندر؟ لقد قضيت نصف حياتي مع جورج، ولم يلاحظ ذلك أبداً. لكنه عرف منذ لقائنا الأول أن رائحة 'آن' المفضلة هي الورود."

هزت رأسها فوراً محاولة طرد الفكرة: "هذا لا يعني شيئاً، هذا مجرد جزء من التمثيل. إيريك رجل دقيق، لقد جمع معلومات عني تماماً كما فعلت أنا عنه. كل هذا من أجل العقد."

كان خداع الذات آلية دفاع مألوفة لديها، وسيلة لحماية قلبها من أمل كانت ترتعد خوفاً من الشعور به.

كسرت ختم الشمع بعناية وفتحت الرسالة. كان الخط قوياً وجريئاً، تماماً مثله:

> *"أتمنى أنكِ أكلتِ شيئاً هذا الصباح؟ لم أستطع التوقف عن التفكير في الأمر بعد مغادرتكِ، لذا كان عليّ كتابة هذه الرسالة.*

> *هل أنتِ بخير؟ تذكري ما قلته؛ ليس عليكِ القيام بكل شيء بمفردكِ.*

> *إلى دوقرتي،*

> *دوقُكِ."*

ابتسمت وهي تقرأ الكلمات. كان هناك من يقلق عليها، شخص يهتم بما يكفي ليتأكد مما إذا كانت قد أكلت. قد يكون تمثيلاً، جزءاً من صفقة ستستمر لعام واحد فقط، ولكن في الوقت الحالي، ستستمتع بهذا الشعور طالما أنه موجود. طوت الرسالة بعناية ووضعتها بأمان داخل فستانها.

سحبت الصندوق الثقيل خارج غرفتها، نزولاً عبر السلالم، وإلى الخارج من الباب الأمامي، تاركة إياه عند أسفل الدرج. ثم مشت إلى نهاية الممر الطويل لتنتظر عند البوابة الرئيسية العربة التي استأجرتها.

في غضون دقائق، اقتربت عربة وتوقفت أمامها. كانت مركبة بسيطة لا تحمل أي شعارات، تماماً كما طلبت.

قالت للسائق بنبرة خفيفة ومازحة وهي تفتح باب الركاب بنفسها: "يا إلهي، لقد تأخرت يا سيد."

لكن عندما فُتح الباب من قِبل الراكب بالداخل، تجمدت ابتسامتها على وجهها. كان يجلس هناك، ينظر إليها بتعبير كئيب وحازم... **جورج**.






تعليقات

"ركن الحكايات.. حيث تذوب القلوب بين السطور

قائمة الاعمال المترجمة

The duke's bed warmer

-الفصل (1)- صحوة النظام

المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي

الفصل (1) ثمن الابنة