الفصل (49) من يستحق أوستن؟
###
لا يزال صدى اسم "أوستن" يتردد في أرجاء الغرفة؛ كانت تلك المرة الأولى التي تنطقه فيها "ألينا"، والأدهى أنها فعلت ذلك وهي تطوقه بذراعيها. لم يعلق أي منهما على الأمر، وقطع هو الصمت أولاً.
بدأ قائلاً: "اجتماعات الملك الخاصة تتسم بالعفوية. سيعرض عليكِ الشاي، اقبلي عرضه. وسيشير إلى الكرسي المقابل له، لا تجلسي إلا بعد أن يجلس هو".
أصغت لكل كلمة بعناية.
تابع: "لا تشاركي بمعلومات لم يسأل عنها. أجيبي على أسئلته بصدق؛ فهو يثمن الصدق فوق كل شيء تقريباً".
سألت: "ماذا يريد مني؟"
"لا أدري".
"لقد كنت معه طوال الصباح، ألم..."
قاطعها أوستن: "لم يذكر الأمر. لقد علمتُ بالاستدعاء من هارينغتون".
ثم وقع نظره على فستانها وأردف: "اختيارك للفستان موفق".
"أودري كانت ستختار الأزرق".
"أودري كانت ستتبع البروتوكول، لكن الملك لا يكترث للبروتوكول في الاجتماعات الخاصة؛ إنه يهتم بالأشخاص".
أومأت برأسها. لقد حان وقت الرحيل. تنحى جانباً، فسارت نحو الباب.
ناداها بصوت خفيض: "ألينا".
توقفت مكانها.
قال: "أياً كان ما سيحدث هناك، اخرجي من تلك الغرفة بنفس الشخصية التي دخلتِ بها. لا تسمحي لأحد بأن يغير ذلك".
ردت: "شكراً لك"، ثم سارت في الممر باتجاه غرفة جلوس الملك.
أخذت نفساً عميقاً قبل أن تطرق الباب.
"ادخل".
دخلت لتجد الغرفة أصغر مما توقعت؛ كانت غرفة جلوس رسمية تضم رفوف كتب ومدفأة صغيرة يطقطق فيها الحطب في الزاوية. وُضع كرسيان بجانب النافذة بينهما طاولة صغيرة، وكان الشاي في انتظارها بالفعل.
كان الملك يجلس على أحد الكرسيين، يرتدي سترة بسيطة بدلاً من الزي الرسمي.
"آنسة أشورث.. اجلسي".
امتثلت لأمره. سكب الشاي وقدم لها الكأس، فتناولته بيدين ترتجفان قليلاً.
قال: "أنتِ متوترة".
"نعم، يا صاحب الجلالة".
"جيد. المتوترون صادقون، أما المرتاحون فيتظاهرون". رشف من شايّه وتابع: "أخبريني عن نفسكِ، آنسة أشورث".
وضعت الكأس ونظرت إليه: "والدي تاجر مفلس. توفيت والدتي وأنا في الرابعة. تم بيعي لدوق (ريفينمور) عبر عقد (تدفئة سرير) لسداد ديون والدي".
استمع إليها دون أي رد فعل أو حكم مسبق، وسأل: "كيف كانت حياتكِ قبل المجيء إلى (ريفينمور)؟"
أجابت: "حياة بسيطة. علمتني مربيتي الخياطة والركوب والقراءة. وعندما لم نعد نملك ثمن الخدم، علمتُ نفسي الطبخ والتنظيف وإدارة المنزل من لا شيء. لقد تعلمتُ كيف أبني أشياءً من العدم".
سأل: "وماذا عن (ريفينمور)؟ هل بنيتِ شيئاً هنا؟"
فكرت في السؤال لدقيقة قبل أن تجيب: "اللايدي برينان كانت وحيدة، ولم تعد كذلك. زواج اللايدي مارغريت كان يعاني، وأصبح الآن أفضل. وحلقة الخياطة تمنح اثنتي عشرة امرأة مكاناً ليكنّ فيه على طبيعتهن".
رد الملك: "حسناً جداً. الآن، أخبريني عن الدوق.. أي نوع من الرجال هو؟"
"إنه... معقد".
ابتسم الملك: "الجميع يقول ذلك عن أوستن. أخبريني بشيء جديد".
ترددت في البداية، ثم تحدثت بثقة: "إنه أكثر رجل حذر قابلته في حياتي. يلاحظ كل شيء. وهو أيضاً يحمي من حوله، ليس بالإعلانات أو الإيماءات الكبيرة، بل بأفعال غالباً ما تمر دون أن يلاحظها أحد".
ابتسم الملك ثانية: "نعم، هذا هو أوستن". صمت قليلاً ثم أردف: "آنسة أشورث، ابنتي مخطوبة لأوستن منذ ثلاث سنوات".
"أعلم ذلك يا صاحب الجلالة".
"لقد كرست حياتها لهذه العلاقة. أعتقد أنها تحب أوستن أكثر مني؛ لو خُيّرت بيني وبينه، لاختارت أوستن، أنا متأكد من ذلك". ضحك بخفة وتابع: "(ريفينمور) أيضاً لا يمكنها العمل بدونها؛ فأودري هي من تدير هذا المنزل، ولا يمكن لأحد أن يحل محلها".
كان التلميح واضحاً وضوح الشمس.
قالت ألينا: "أنا لا أحاول حل محلها يا صاحب الجلالة".
قال: "أعلم أنكِ لا تفعلين، وهذا ما يجعل الأمر معقداً. لو كنتِ تحاولين، لكان بإمكاني إيقافكِ".
"ماذا تريد مني أن أفعل إذاً؟"
"أريدكِ أن تجيبيني على سؤال واحد بصدق".
"تفضل".
"لو قلتُ لكِ أن تغادري (ريفينمور) غداً... لو منحتكِ منزلاً، ودخلاً ثابتاً، ورعاية كاملة لوالدكِ، وحريتكِ. هل ستذهبين؟"
تسمرت مكانها. لقد كان يعرض عليها المخرج الذي طالبت به "أوستن" قبل أسابيع. صرخ عقلها بأن توافق؛ فهذا الخيار يمنحها كل ما أرادته: الحرية والراحة والأمان.
لكنها أجابت: "لا.. لن أذهب".
"لماذا؟"
"لأن الرحيل سيكون الخيار الأسهل، وأنا لم أختر السهل يوماً. إذا رحلتُ، سأرحل بشروطي الخاصة".
نظر إليها الملك لبرهة ثم نهض؛ كان ذلك إيذاناً بانتهاء المحادثة. نهضت هي الأخرى. لم تكن تدري ماذا قرر أو لماذا سأل ذلك السؤال، لكنها علمت أنها أجابت بصدق، وأن الملك قد رآها على حقيقتها.
"شكراً على الشاي، يا صاحب الجلالة".
"شكراً على صدقكِ، آنسة أشورث".
التفت الملك لينظر إلى ساحة "ريفينمور" من النافذة وقال: "أوستن رجل طيب.. أفضل مما يظن هو عن نفسه. ابنتي تستحق رجلاً طيباً، وأنتِ كذلك.. لكن المشكلة هي أنه لا يوجد منه سوى نسخة واحدة".
ابتسم، وقبل أن تجيب، قال: "سعدتُ بالحديث معكِ، يمكنكِ الانصراف الآن".
انحنت وغادرت. وما إن خرجت حتى استندت إلى الباب وأخذت نفساً عميقاً أخيراً.
وصلت إلى القاعة الكبرى متأخرة؛ كان الجميع قد بدأ تناول الطعام. الملك قرر تناول طعامه في جناحه الخاص. التفت الجميع للنظر إليها عند دخولها.
همست اللايدي "بيمبرتون" للايدي "هارغروف": "ماذا أراد الملك منها يا ترى؟"
"ربما سيرسلها بعيداً".
ابتسمت اللايدي "بيمبرتون": "هذا ما نتمناه".
جلست "ألينا" في مقعدها المعتاد، فأمسكت "مارغريت" بمعصمها من تحت الطاولة وسألت بلهفة: "هل أنتِ بخير؟ ماذا حدث؟ ماذا قال؟"
أخذت ألينا قضمة من الخبز وقالت: "عرض عليّ الشاي، كان جيداً".
"ألينا..."
"سألني بعض الأسئلة وأجبت بصدق، هذا كل ما في الأمر".
عرفت "مارغريت" أن هناك المزيد لكنها لم تضغط عليها. من مقعده، كان "أوستن" يراقبها، وشعرت بثقل نظرته. رفعت رأسها فالتقت أعينهما.
أعطته إيماءة بسيطة: *أنا بخير*.
بادلها الإيماءة: *جيد*.
أما "أودري"، فكانت تراقب هذا التبادل الصامت دون أي رد فعل، بل اكتفت برفع كأس النبيذ وتجرعه دفعة واحدة.

تعليقات
إرسال تعليق