الفصل( 48) أوستن
###
في الليل، جلست "ألينا" مستندة إلى الوسائد في جناح "أوستن"، وقد أراحت كاحلها المصاب على وسادة صغيرة. كانت القلعة من حولها تضج بالحركة؛ وقع أقدام في الممرات، وأصوات خافتة تتردد في كل زاوية. الجميع كان منشغلاً بالتفكير في الملك.
لكنها كانت تفكر في شيء آخر؛ ذلك "النصف صفحة" الذي كتبه "أوستن" عنها للملك. لم تكن تدري ماذا كتب، ولا متى، أو حتى لماذا فعل ذلك.. لكنه فعل، وهذا وحده جعلها تشعر بسعادة غامرة.
انفتح الباب ودخل "أوستن".
قال باقتضاب: "الملك يطلب حضوري الليلة، ربما لن أعود قبل الصباح".
أجابت: "حسناً".
أومأ برأسه وهمّ بالمغادرة، فنادته: "يا صاحب السمو؟"
توقف مكانه.
سألت: "لماذا تخبرني بهذا؟"
"أخبركِ بماذا؟"
أجابت: "أنك لن تعود الليلة. لم تفعل هذا من قبل.. أعني، كنت تختفي لساعات دون كلمة واحدة، وتصل في الثالثة صباحاً دون تفسير. لم يسبق لك أن أطلعتني على جدول مواعيدك".
اشتدت قبضته على إطار الباب، وقال: "أنا فقط أتصرف بتهذيب".
تنهدت بعدم تصديق، ومالت برأسها قائلة: "لماذا؟ ما الذي تغير؟"
لم يجب، وكان بوسعها رؤية صراعه الداخلي لمحاولة التفسير. وبدلاً من ذلك، قال: "ابقِ في الداخل، كاحلكِ لم يلتئم تماماً بعد".
وكالعادة، اختار التهرب.
ابتسمت وقالت: "ليلة سعيدة، يا صاحب السمو".
توجه "أوستن" مباشرة إلى جناح الملك. ناقشا الشؤون العسكرية، وطرق التجارة، وكل ما يُتوقع من دوق أن يرفعه للملك. وبعد النقاش، جلسا بجانب المدفأة، وبيد كل منهما كأس من النبيذ.
اتكأ الملك على كرسيه، وأدار الكأس بين يديه قبل أن يتحدث: "تلك الفتاة".
كان "أوستن" يتوقع هذا منذ اللحظة التي وقعت فيها عينا الملك على "ألينا" في الساحة.
قال الملك: "لستُ هنا لآمرك بما يجب فعله؛ فأنت رجل ناضج، ودوق، ولك كامل الحق في اتخاذ قراراتك الخاصة". صمت لبرهة وتابع: "لكن ابنتي انتظرت هذا الزواج لثلاث سنوات. كانت صبورة ومتفهمة، بل وقبلت... ترتيباتك الخاصة، متظاهرة بأنها لا تهمها".
رد "أوستن": "لم تكن تهمها فعلاً".
"وهل تهمها الآن؟"
انتظر الملك إجابة، لكن "أوستن" ظل صامتاً.
قال الملك: "جد حلاً للأمر، بطريقة أو بأخرى".
تحدثا لساعة أخرى. وعندما خرج "أوستن" من أجنحة الملك، كان الممر خالياً إلا من الحرس الملكي. كانت الساعة قد تجاوزت الثانية صباحاً.
وبدلاً من العودة إلى غرفته، توجه إلى مكتبه وجلس يضع رأسه بين يديه. لقد وُضع أمام خيار لا يستطيع اتخاذه، وموعد نهائي لا يمكنه تجاهله. ولأول مرة، شعر بالخوف الحقيقي.
في الصباح، استيقظت "ألينا" ولاحظت أنه لم يعد بالفعل. وبينما كانت تهم بالنهوض، طُرق الباب. فتحت لتجد خادمة ملكية تقف أمامها.
"آنسة أشورث، جلالة الملك يطلب حضوركِ في جناحه الخاص قبل الإفطار".
لم تستوعب "ألينا" الكلمات، وظنت أنها سمعت خطأ: "جلالة الملك.. الملك نفسه؟"
أجابت الخادمة: "نعم يا آنسة، وقد ذكر أنه عليكِ المجيء بمفردكِ". انحنت الخادمة وغادرت.
أغلقت "ألينا" الباب وبدأ قلبها يخفق بعنف. *الملك يريد مقابلتي وحدي؟ لماذا؟ هل فعلتُ شيئاً خاطئاً؟ أم أن "أودري" أخبرته بشيء ما؟*
"أوستن!!!!"
فتحت الباب وركضت. صرخ كاحلها من الألم لكنها لم تبالِ. فتحت باب مكتبه لكنه كان فارغاً. توجهت إلى وكيله، السيد "هارينغتون".
سألت بنهج: "أين سمو الدوق؟"
نظر إليها "هارينغتون" بتفاجؤ: "لقد غادر سموه عند الفجر يا آنسة، إنه يتفقد الحقول الشرقية مع الملك و الأميرة أودري".
وقعت الكلمات عليها كالصاعقة. أومأت برأسها وغادرت. ووقفت في الممر تشعر بغربة موحشة.
لقد أمضت في هذه القلعة قرابة شهرين، تعرضت خلالها للاختطاف والإهانة والتهديد، وواجهت كل ذلك وحدها؛ لم تكن بحاجة إليه قط. لكن الآن فقط، أدركت مدى أهمية وجوده بالنسبة لها. لقد اعتادت على اهتمامه، وعلى دفئه الذي يتسرب من خلال شقوق بروده. اعتادت وجوده بجانبها حتى حين لا يفعل شيئاً.
كشيء لا تلاحظه إلا حين تفقده؛ هكذا أصبح هو بالنسبة لها. ومع غيابه، لم تشعر قط بمثل هذه الوحدة.
عادت إلى الغرفة، كان عليها أن ترتدي ملابسها. فتحت الخزانة وتأملت الفساتين. *ماذا يرتدي المرء عندما يستدعيه ملك وحده إلى جناحه قبل الإفطار؟ ما هو البروتوكول في موقف كهذا؟*
جربت الفستان الأسود ثم نزعته، ثم الأزرق ونزعته أيضاً. جربت الأخضر أخيراً ونظرت لنفسها في المرآة: "يبدو مناسباً".
بعد أن استعدت، جلست على السرير وكاحلها ينبض بالألم، ويداها ترتجفان. *ماذا لو كان قد اتخذ قراره بالفعل؟ ماذا لو وصلت إليه قائمة "أودري"؟ ماذا لو كان سيخبرني بأنه سيرسلني إلى (كالدير) أو (بريسكوت) أو إلى لورد لم أقابله قط؟*
اشتد الارتجاف وضاقت رؤيتها. قبضت على حافة السرير بقوة لتهدئة نفسها، لكن الغرفة بدت فجأة كبيرة جداً وصغيرة جداً في آن واحد.
ثم انفتح الباب. وقف "أوستن" عند المدخل، ولا يزال بملابس الركوب.
"قال السيد هارينغتون إنكِ كنتِ..."
لم تتركه يكمل. عبرت الغرفة وارتمت في أحضانه قبل أن يدرك عقلها ما تفعل. لفت ذراعيها حول صدره، وضغطت بوجهها على معطف الركوب الخاص به. تشبثت يداها بظهره بقوة شديدة وكأنها ستتحطم لو أفلتته.
همست: "الحمد لله أنك هنا.. كنت سأفقد عقلي. لا أعرف ماذا أفعل... **أوستن**".
تجمد في مكانه. وتمتم بدهشة: "**أوستن؟**"
تراجعت فجأة وهي تقول: "أنا..." لكنها لم تستطع الإكمال. تبادلا النظرات ويداها لا تزالان تقبضان على معطفه، بينما ذراعاه لا تزالان بجانبه. تراجعت ببطء وهي تشعر بالإحراج: "أنا آسفة، لم أقصد..."
قاطعها فوراً: "لا تعتذري".
"الملك استدعاني بمفردي، ولم تكن أنت هنا وأنا..."
قال بهدوء: "أعلم. لقد أرسل (هارينغتون) خبراً إلى الإسطبلات بأنكِ تبحثين عني، لذا عدت".
نظرت إليه بدهشة وفضول. *لقد ترك جولة الملك وعاد إلى القلعة من أجلي فقط؟ لأنني كنت أبحث عنه؟*

تعليقات
إرسال تعليق