الفصل (48) دخان تذروه الرياح



### ****

على الرغم من أن الدوق قد عقد العزم على عدم التدخل في الحياة الزوجية لابنته، إلا أنه في هذه اللحظة لم يستطع إغماض عينيه أو التظاهر بعدم رؤية القلق الحقيقي الذي يبديه الشاب أمامه تجاه ابنته.

علاوة على ذلك، إذا سمح لجنرال "أرتشيس"، الذي يعد شخصية بالغة الأهمية لمملكة "تيرا"، بالمغادرة إلى جبل "ويست لين" في هذا الوقت المتأخر من الليل وفي حالته الراهنة، فلن يكون الدوق واثقاً من قدرته على الوصول إلى الميتم بسلام، مهما بلغت قوته وبأسه في ساحات القتال.

لذلك، قرر على الأقل تقديم نصيحة تعبر عن اهتمامه وامتنانه، كون صهره لا يزال صبوراً في التعامل مع ابنته العنيدة.

ولاحظ الدوق علامات الشك المرتسمة على وجه صهره بعد سماع النصيحة، فأضاف قائلاً: "لا داعي للقلق بشأن جوانا، سيدي كانيلاس. إنها ليست وحدها هناك؛ فخادمتها الخاصة وفرسانها معها، بالإضافة إلى رجال "فون روديجا" المسلحين". حاول الدوق إضافة حقيقة أكثر إقناعاً، وتابع مقترحاته:

"لذا، أقترح أن تنال قسطاً من الراحة أولاً وتتوجه إلى جبل ويست لين صباح الغد. وفضلاً عن ذلك، وبالنظر إلى حالتك المرهقة الآن، سيكون من الخطر أن تجبر نفسك على الذهاب في هذا الوقت، مع الأخذ في الاعتبار الطبيعة الجبلية الوعرة والمسالك الصعبة. آمل أن تأخذ هذا في الحسبان، يا سيدي كانيلاس، من أجل مصلحتنا جميعاً."

كان كانيلاس يفترض أن والد زوجته سينحاز لابنته ويدعمها عبر إخفاء موقعها الدقيق عنه. ومع ذلك، عندما سمعه يربط بين جوانا وجبل ويست لين على الفور، أدرك كانيلاس أن الدوق رجل حكيم، ولا ينحاز لابنته بشكل أعمى.

كما استشعر القلق الممزوج بالكلمات التي نقلها حماه، مما جعله يقتنع بصحة الاقتراح. سيكون من السيئ أن يذهب إلى هناك على عجل وهو في حالة تشتت وإرهاق جسدي وذهني، مما قد يجعله فريسة سهلة لـ "التريس" أو غيرهم من الأعداء، الأمر الذي قد يجعله عاجزاً عن حماية زوجته إذا ما حل بها أي خطر.

إلى جانب ذلك، شعر بالراحة وكأن حملاً ثقيلاً قد انزاح عن كاهله حين علم أن "فابيو" و"لوكا" معها. لقد ظن أن رجاله لا يزالون هنا في القصر، فبالنظر إلى كيفية طلبها من خادمتها الحفاظ على سرية موقعها، كان من المرجح ألا تسمح لرجاله بمرافقتها.

ومعرفته بأن رجاله هناك معها جعلت كانيلاس يشعر بالفخر بهم؛ فهو يعلم مدى الجهد الذي بذلوه ليتمكنوا من الانضمام إلى حاشية زوجته باردة القلب وقوية الإرادة. كما كان كانيلاس يثق تماماً بمهارات رجاله في استخدام السيف، فقد تدرب معهم بنفسه حين لم يكن في ساحة المعركة، لذا كان متأكداً من أنها ستكون في أمان بوجود فابيو ولوكا حولها.

بناءً على هذه الاعتبارات، قرر كانيلاس العمل بنصيحة حماه، ونيل قسط من الراحة أولاً، ثم التوجه إلى جبل ويست لين صباح الغد. وعندها، سيقوم بتوبيخ تلك المرأة العنيدة التي حاولت الهروب منه، لتلقي بنفسها في المخاطر بمجرد لقائه بها.

كانت الساعة تقارب السادسة صباحاً عندما غادرت جوانا قصر "دي لارا" متوجهة إلى ميتم "باول". شعرت بالارتياح لحصولها أخيراً على إذن والدها بعد جدال طويل دار بينهما.

كانت جوانا تعلم أن والدها لا يزال مستاءً منها بسبب الحقيقة التي جعلتها تقع في براثن ذلك المرض المفاجئ. كانت تدرك أن شكل الطفح الجلدي على جسدها لم يكن منظراً يسهل احتماله، خاصة بالنسبة لوالدها الذي لم يرها قط في مثل هذه الحالة، والذي بذل قصارى جهده للعناية بأبنائه.

ورغم غضبه، لم يكن بوسعها سوى الاعتذار بصدق والتأكيد له بأنها لن تكرر مثل هذا السلوك الضار الذي تسبب لجسدها بآلام شديدة مرة أخرى. كما أدركت أن ما فعلته كان أمراً عبثياً وسخيفاً، إذ لم يفلح في جعل الجنرال يتركها أو ينهي زواجهما.

كما طمأنت والدها بأنها ستشفى تماماً في غضون خمسة أيام ولن يتبقى أي أثر للطفح الجلدي على جسدها. حينها فقط رأت ملامح الارتياح تظهر على والدها، وإن بقيت آثار الاستياء على وجهه، لكن جوانا كانت واثقة أن الأمر لن يستغرق طويلاً حتى يطوي والدها ذلك الشعور، خاصة عندما يراها قد شفيت تماماً.

"لقد وصلنا يا سيدتي". تغلغل صوت السير سيلفستر إلى داخل العربة حيث كانت جوانا تجلس منذ انطلاقها من قصر دي لارا، مما جعلها تفتح عينيها وتطرد أفكارها الشاردة.

وبعد رحلة استغرقت حوالي خمس ساعات، وصلت جوانا وحاشيتها إلى سفح جبل ويست لين عندما كانت الشمس تقترب من ذروتها.

أزاحت جوانا ستارة العربة ونظرت من النافذة بعينين شبه مغمضتين بسبب ضوء الشمس الذي تدفق عبر النافذة محولاً الأجواء الخافتة إلى ساطعة. وبعد أن تمكنت من الاعتياد على الضوء، ترجلت من العربة لترى منظراً مألوفاً لم تره منذ زمن طويل يمتد أمام عينيها.

وقفت جوانا خارج العربة تنتظر مرافقيها لتجهيز جميع الأمتعة التي سيتم صعودها إلى الجبل. كانت كلها أشياء تبرعت بها للأطفال في ميتم باول، الميتم الذي يقع تحت رعاية الدوق دي لارا.

في هذه الرحلة، وباستثناء المهمة التي أوكلتها لكبيرة الخادمات لنقل رسالتها إلى الجنرال، لم تأخذها معها لأن الطريق الذي ستسلكه لم يكن مناسباً لامرأة في منتصف العمر مثلها.

كان عليها تسلق حوالي ثلث ارتفاع الجبل، لأن الطريق المؤدي إلى الميتم كان مساراً ضيقاً وخطراً يمتد على طول منحدر شاهق، وهو مسار لا يمكن للعربات أو لراكبي الخيول غير المهرة مثلها العبور منه. لذلك، في كل مرة تزور فيها الميتم، كانت تأخذ فقط الخادمة الشابة "لوسي" وثمانية فرسان تحت قيادة السير سيلفستر.

ومع ذلك، كان هناك شيء غريب في هذه الرحلة، وهو وجود أفراد إضافيين في الحاشية، وهم رجال الجنرال المسلحون: فابيو ولوكا. ومن بين الاثنين، كانت قد قابلت أحدهما بالفعل، ولم يكن سوى الشخص الذي أحبط مجهودها الشاق للتخلص من الجنرال، فجعل خطتها تتبدد كالدخان الذي تذروه الرياح.

كانت جوانا منزعجة من وجود رجال الجنرال حولها، إذ كان من المفترض أن تكون هذه الرحلة وسيلتها للهروب منه. لذا، رفضت فوراً عندما ظهروا أمامها فجأة مطالبين بالانضمام إلى رحلتها السرية. علاوة على ذلك، كانت لا تزال تتذكر كيف تحطمت خطتها بسبب أحدهم، لذا لم تكن تريد لأي من رجال الجنرال تتبع رحلتها.

بيد أنه ورغم الرفض القاطع والمتكرر الذي أبدته، إلا أنهم أصروا بشدة ورفضوا التراجع، قائلين إنهم لا يستطيعون عصيان الأوامر التي أوكلها إليهم سيدهم بأن يكونوا حراساً لسيدتهم. والأكثر إثارة للقلق، أنهم لم يترددوا في استلال سيوفهم من أغمادها عندما حاول فرسان "باراسكا" تنفيذ أوامرها بمنعهم من اللحاق بها.

ولكن، قبل وقوع أي اشتباك، أدرك عقل جوانا الصافي وسط تشوشها أن هذه ليست طريقة لائقة للتعامل مع رجال الجنرال بفظاظة؛ فكلمات والدها كانت لا تزال عالقة في رأسها بأن جلالة الملك يقدر الجنرال تقديراً عالياً.

وفضلاً عن ذلك، ورغم ردودها الفظة، ظل رجال الجنرال يخاطبونها بأسلوب مهذب. لذا، وتجنباً لأي صدام مع الجنرال قد يسيء لوالدها أيضاً، سمحت لهم جوانا على مضض بمرافقتها.

كما فكرت بأنه حتى لو تبعوها، فلن تكون هناك وسيلة لإبلاغ الجنرال بوجهتهم، لأنها أبقت الوجهة سراً حتى وصولهم إلى الموقع. بالإضافة إلى ذلك، ستحاول إبقاءهم مشغولين لضمان تأخير أي وسيلة اتصال قد يستخدمونها لإبلاغ الجنرال بمكانها.

لم تكن متأكدة من نجاح خطتها البسيطة، إذ لم تكن على دراية كافية بالأساليب التي يستخدمها المحاربون لإرسال الشفرات لبعضهم البعض. ومع ذلك، لم تكن تريد فقدان الأمل في أن يكون هناك وقت كافٍ لتجنبه حتى تجد طريقة أخرى للهروب بعيداً دون أن يعرف أحد مكانها.

ومع ذلك، كانت تأمل ألا تضطر لاستخدام تلك الطريقة المرهقة للابتعاد عنه، بل تمنت أن يختار الجنرال تركها والعودة إلى "أرتشيس" بدونها، لشعوره بالإهانة والانزعاج من معاملتها غير المحترمة من خلال الرسالة التي تركتها له، ومن ثم يتم منحها فسخ الزواج.

كانت تلك أمنية جوانا البسيطة الأخرى.

**

جوانا يا جوانا ..لو كان كانلاس عذبك عن جد بالماضي و رجعتي بالزمن كنا تقبلنا ..بس حلم.. 😑




تعليقات

"ركن الحكايات.. حيث تذوب القلوب بين السطور

قائمة الاعمال المترجمة

The duke's bed warmer

-الفصل (1)- صحوة النظام

المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي

الفصل (1) ثمن الابنة