الفصل (48) Odalisque_جاريه
"أنتَ..."
اكتفى الكاهن بالنظر إلى الرجل دون تلاوة نصوص أو بكاء كما فعل الآخرون. جثا على ركبته ليلتقي بنظراته، وراقبه طويلاً قبل أن يوجه عينيه نحو والدة الرجل الراحلة. لمست يد الكاهن البيضاء والنظيفة وجنة الأم التي فارقت الحياة بهدوء.
"لماذا اخترتِ هذا الطريق؟"
كان تمتمة الكاهن وكأنه يخاطب نفسه غامضة، لكن الرجل شعر بطريقة ما أنه فهم المعنى الضمني؛ وكأن الكاهن أدرك شيئاً بمجرد النظر إليه. لم تكن والدته تصلي لله فحسب، بل كانت تنتظر.. تنتظر الشخص الذي يقف أمامه الآن. لقد واجهت موتها بيقين تام بأنها ستلتقي أخيراً بمن كانت تنتظره، ولهذا كان وجهها مسالماً.
قدم الكاهن صلاة لراحة نفس الأم قبل أن يمد يده للرجل. وبما أنه كان من المعتاد أن يرعى الكهنة أيتام الحرب، لم يجد أحد الأمر غريباً. وبدا أن الكاهن يتمتع بمكانة مرموقة، حيث قدم دعماً كبيراً للرجل. وفي ظل الحرب، كان حمل السلاح هو الطريق الأسرع للنجاح لشخص ذو خلفية غير مستقرة.
"الموت الذي يسود هذه الأرض سيكون خلاصك."
قال الكاهن هذه الكلمات عندما رأى خطاب قبول الرجل في الأكاديمية العسكرية. "إذا كان هذا قدرك، فابذل قصارى جهدك. المكافآت التي تليق بمكانة مشرقة ستتبعك بالتأكيد." في ذلك اليوم، أدرك الرجل مدى طموح الكاهن.. ولماذا لم يظهر لوالدته حتى تلك اللحظة. وأدرك الرجل، الذي ورث جمال والدته الاستثنائي، أن جوهره كان أقرب بكثير إلى والده.
####
توقف العمل على اللوحة مؤقتاً.
ظاهرياً، كان السبب هو صحة الرسام "براد". تنهد "براد" بارتياح عندما قبل الماركيز عذره الواهي بسهولة، معتقداً أنه يحظى بثقة عميقة. لكن "ديموس" كان يدرك طبيعة "براد" الضحلة؛ فقد كان الرسام في حالة فوضى حقيقية دفعته للشعور بالارتياح في موقف يثير الشبهات.
ألقى "ديموس" التقرير الذي يفصل أنشطة "براد" على المكتب: "يا له من أحمق".
تحدث مساعده "تشارلز" بقلق: "قد يهرب في منتصف الليل قبل انتهاء العقد".
رد ديموس: "دعه يفعل، سيوفر علينا عناء التدخل".
كان لدى "ديموس" الكثير من أمثال "براد" حوله؛ أشخاص يطمعون في ثروته أو مظهره أو نفوذه. لم يكن "براد" يستحق القلق، فهو رجل فشل في الفن وأضاع وقته في الشرب والمقامرة، مما سهل إغراءه بالمال. وفوق ذلك، لم يكن يملك أي ولاء؛ فبمجرد أن حصل على فرصة لبيع لوحاته، أخل بوعده لـ "ليف" وحاول رسم وجهها بأي ثمن.
سأل "تشارلز": "ألن تتخذ أي إجراء؟".
أجاب ديموس: "لماذا أفعل؟". فالمجموعة التي تورط معها "براد" لن تتركه وشأنه، وسيجبرونه على دفع ديونه بطرق قاسية جداً.
التفت "ديموس" إلى "أدولف": "هل نقلت الرسالة؟".
رد أدولف: "نعم، لكن.. بدت قلقة من أنه إذا توقف العمل تماماً، فلن تتمكن من استعادة اللوحة الموعودة".
رفع ديموس حاجبه: "آه، اللوحة". تذكر اللوحة التي يحتفظ بها في القبو وصمت للحظة. في الحقيقة، لم يكن ينوي إعادتها أبداً، وإلغاء العقد كان أمراً سهلاً بالنسبة له.
"ألم تتخلَّ عنها بعد؟"
كان يظن أنها نسيت اللوحة. رغبتها في استعادتها نبعت من خوفها على وظيفتها كمعلمة، وهي الوظيفة التي تمارسها لتعيل أختها المريضة؛ تماماً كما فعلت حين قبلت أن تكون عارضة للوحة. وبما أن "ديموس" حل مشكلة المال عبر "العمل الإضافي"، فإن استعادة اللوحة الآن لم يعد لها معنى جوهري.
"سأتعامل مع هذا الأمر بشكل منفصل."
كان ينوي استدعاءها قريباً على أي حال. لقد أسعده تقاربهما الأخير أكثر مما توقع، ولم يشعر بأي نفور. وبالنظر إلى مدى كرهه للتواصل مع الآخرين، كان شعوره تجاهها استثنائياً وخاصاً.
إذا لم يكن تواصلهما مزعجاً، ألا يمكن تحقيق المزيد؟ كان "ديموس" يتوقع أنها لن ترفضه أيضاً، فالمسافة التي حافظت عليها تلاشت في اللحظة التي لم تستطع فيها النزول من العربة واختارت البقاء معه.
"إذا كنت تحبها إلى هذا الحد، لماذا لا تبقيها بجانبك فقط؟" سأل "تشارلز" بحذر.
التقط "ديموس" سيجاره ببرود: "كلما كانت القطعة الفنية أكثر قيمة، استحق صاحبها تعويضاً مناسباً. امتلاك الفن يعني الاعتراف بقيمته ومعاملته وفقاً لذلك.. عندها فقط يمكن اعتباره ملكية حقيقية".
بالنسبة لـ "ديموس"، كانت "ليف" أثمن من أن يتم اختبار جمالها عبر مهارات "براد" المحدودة. ما جذبه فيها لم يكن فقط ملامحها أو بشرتها الصافية، بل وجهها، وخاصة عيناها الخضراوان الحزينتان اللتان تبدوان وكأنهما على وشك البكاء، ومع ذلك تظلان ثابتتين. كان يحب مرونتها وقوتها التي تجعله يرغب في دفعها إلى أقصى الحدود ليرى متى ستتحطم تلك الواجهة الصلبة. لقد أضافت حيوية لحياته الرتيبة.
سأل تشارلز بذهول: "هل تريد قلبها أيضاً؟".
لم يكلف "ديموس" نفسه عناء الرد. أما "أدولف"، الذي كان يراقب بصمت، فقد قطب حاجبيه قلقاً: "إذا تبين أنها ستكتفي بالتعلق بعاطفتك وحبك.. فستكون مثل أي شخص آخر". وهذا أكثر ما يكرهه "ديموس"؛ الناس الذين يبكون ويتوسلون لاهتمامه.
فهم ديموس نقطة أدولف: "هذا سيكون مملاً جداً".
أراد ديموس رؤية ضعفها، لكن إذا كان ذلك يعني التخلي عن كبريائها والتوسل لشيء تافه مثل الحب، فسيصاب بخيبة أمل كبيرة. "ليف" امرأة ذكية، وعليها أن تدرك مكانتها وكيف تتصرف لتبقى بجانبه.
قال ديموس بنبرة حادة لـ "أدولف" الذي بدا متعاطفاً معها: "لا داعي للاحتفاظ بقطعة فقدت قيمتها. عندها ستتولى أنت الأمر يا أدولف، ولهذا السبب صغنا العقد في المقام الأول".
انحنى أدولف وغادر مع تشارلز. بقي "ديموس" وحيداً يدخن سيجاره ويفكر.. إذا لم تتصرف "ليف رودايس" بشكل لائق.. إذا كانت مملة مثل البقية.. مجرد الفكرة تشعره بالضجر. فمن فضائل "المقتني" الحقيقي معرفة متى يتخلص مما لم يعد يستحق الاحتفاظ به.
**

تعليقات
إرسال تعليق