الفصل( 47) وصول الملك

 


###

استلقت "ألينا" في الظلام، عيناها معلقتان بمظلة السرير. كان الهدوء يلف الغرفة، فـ "أوستن" لم يأتِ بعد؛ إذ بات يتأخر كثيراً مؤخراً، غارقاً في التحضيرات لاستقبال الملك.

شردت بذهنها فيما أخبرها به الحارس عن والدتها، وبشكل غريب، تبدد ذلك الخوف الخانق الذي لازمها لأيام بشأن وصول الملك، ليحل محله هذا التفكير الجديد.

انفتح الباب ودخل "أوستن" في وقت أبكر من المعتاد، بدت عليه علامات الإرهاق الشديد؛ فهو الآخر لم يدخر جهداً في الترتيب لهذه الزيارة الملكية. جلس على حافة السرير وبدأ بخلع حذائه.

قال بنبرة هادئة: "تبدين مضطربة".

لم تجبه، فذهنها لا يزال عالقاً عند ذكرى والدتها.

تابع "أوستن" حديثه وهو يسيء فهم صمتها: "الملك.. هل أنتِ قلقة بشأن الغد؟"

فتحت فمها لتصحح له، لكنها تراجعت؛ لم تكن ترغب في مناقشة أمر والدتها معه، لذا تركته لظنونه.

استرسل قائلاً: "الملك في الثانية والستين من عمره. تزوج والدة (أودري) من أجل تحالف سياسي، لكنه وقع في حبها بصدق. توفيت عندما كانت أودري في السادسة عشرة، ولم يتزوج بعدها قط".

كانت تصغي إليه باهتمام.

وتابع: "إنه يحب أودري كثيراً، فهي ابنته الوحيدة. وهو يقدّر الولاء أكثر من الذكاء؛ وهذا هو السبب في أن خدمتي العسكرية أبقتني في حظوته رغم خلافاتنا. لم يتزعزع ولائي للتاج يوماً، وهو يدرك ذلك".

نهض وخلع معطفه، علقه على الكرسي، ثم جلس ثانية على السرير.

سألته بصوت خفيض: "هل سأعجبه؟".

عاد الخوف ليتسلل إلى قلبها الآن. ساد الصمت للحظة وكأن "أوستن" يزن إجابته بعناية.

قال: "سيجدكِ مثيرة للاهتمام.. وهو يميل لرؤية الأشياء المثيرة للاهتمام إما كقيمة غالية أو كتهديد خطر؛ نادراً ما يوجد لديه حل وسط".

"وأيُّهما أنا؟"

"هذا يعتمد على الصورة التي ستقدمين بها نفسكِ غداً".

ابتلعت ريقها وسألت: "وإذا قرر الملك أنني أشكل تهديداً؟ إذا أمر بنفيي أو سجني.. ماذا ستفعل؟"

أجابها بثقة: "لن يفعل بكِ شيئاً، أعدكِ بذلك. لا أحد يستطيع إخراج أي شيء من (ريفينمور) دون إذني.. حتى الملك نفسه".

"أتتحدى الملك.. من أجلي؟"

لم يجب، بل قال فحسب: "نامي الآن، لقد فات الوقت".

لم تجادله، واستدارت على جانبها. وبينما كانت على وشك الغرق في النوم، شعرت بحركة الفراش؛ لقد التفت نحوها.

همس بصوت كاد لا يُسمع: "**سأفعل**".

انقبضت أصابعها على الملاءات، وتعثرت دقات قلبها قبل أن تتسارع بقوة. لم تتحرك ولم تظهر أنها سمعته، لكنها نامت بسلام تلك الليلة، مدركة أن "أوستن" سيكون دائماً سنداً لها.

في الصباح، وبعد أن هيأت بفستانها الأحمر، سارت نحو الساحة حيث تجمع سكان القلعة بأكملهم. اصطف الخدم بالقرب من الجدران، ووقف النبلاء حسب مراتبهم.

تصدر "أوستن" الجمع، وبجانبه "أودري".

دوت أصوات الأبواق وانفتحت البوابات، ليدخل الموكب الملكي إلى ساحة "ريفينمور" بعرباته الذهبية، وحرسه المتشح بالقرمزي والذهب، وخيوله المزينة بالريش.

ترجل الملك من عربته ببطء؛ كان رجلاً طويلاً، أبيض الشعر، بوجه تنطق ملامحه بالهيبة والسلطة.

عانق "أودري" على الفور كأب يضم ابنته. تلاشت رزانة "أودري" المعتادة في أحضان والدها، وارتخت كتفاها بينما تشبثت يداها بمعطفه؛ بدت في تلك اللحظة ابنة عادية لا أميرة.

راقبتها "ألينا" وشعرت بوخزة غيرة؛ "أودري" تملك أباً يحتضنها بدلاً من أن يقايض بها. أشاحت بنظرها بعيداً قبل أن تنجرف وراء مشاعرها.

ثم حيا الملك "أوستن"؛ بمصافحة أولاً، ثم بتربيتة على كتفه.

"ريفينمور.. تبدو أنحف، ألا يطعمونك هنا؟"

"مطبخ القلعة كافٍ يا صاحب الجلالة".

علق الملك ضاحكاً: "كلمة كافٍ لا تكفي أبداً". ثم التفت إلى "أودري": "أصلحي له مطبخه".

ضحك الجميع. جالت عينا الملك في الحشد، وتوقفت عند "ألينا" لثانية واحدة قبل أن تتحرك بعيداً.

دخلوا القاعة الكبرى التي تحولت تماماً؛ حيث رُفعت مائدة الشرف، وعُلقت الرايات الملكية على الجدران، وصُقلت كل الزوايا حتى باتت تعكس الضوء كالمرايا. جلس الملك في الوسط، "أودري" عن يمينه و"أستن" عن يساره، وتوزع الآخرون في الأسفل حسب التدرج الهرمي للقلعة.

جلست "ألينا" عند المائدة الوسطى كما جرت العادة، وكانت تشعر بنظرات الملك تخترقها بين الحين والآخر، وكأنه يدرس قوامها وتفاعلها الاجتماعي. وطوال الوجبة، كان الملك يناقش أمور التجارة مع لوردات الجنوب، والمسائل العسكرية مع "أوستن"، والشؤون الاجتماعية مع "أودري".

راقبت "ألينا" كل شيء؛ هكذا تبدو السلطة الحقيقية، الملك يهيمن على القاعة كما تهيمن الشمس على مجموعتها.

من الجهة الأخرى للمائدة، التقت عيناها بـ "إيمريك"، فأعطاها إيماءة تشجيعية بسيطة، بادلته إياها بابتسامة.

بعد الغداء، انتقلوا إلى الغرفة الشمسية (The Solar)، وهي غرفة أكثر هدوءاً مخصصة للأحاديث الجانبية. جلس الملك في أكبر مقعد وبيده كأسه الكريستالي. بدأ اللوردات والسيدات بتقديم أنفسهم؛ ينحنون، يتبادلون المجاملات، ثم ينسحبون حسب البروتوكول.

عندما جاء دور "ألينا" ونهضت من مقعدها، اقترب منها "أوستن" ووضع يده على ظهرها، لكن لمسته اليوم بدت وكأنها درع حامٍ؛ انتشرت أصابعه على عمودها الفقري كما لو كان يحميها من العالم.

قال "أوستن": "جلالتك، هل تسمح لي بتقديم الآنسة (ألينا أشورث)؟"

صوب الملك نظره نحوها.

قال: "آنسة أشورث.. لقد تحدث (أوستن) عنكِ".

فوجئت "ألينا" لكنها لم تظهر ذلك: "أحقاً فعل يا صاحب الجلالة؟"

"بأسلوبه الخاص.. أي أنه ذكركِ مرة في رسالة، وأخذ هذا الذكر نصف صفحة كاملة". كاد الملك يبتسم وتابع: "وهذا بالنسبة لـ (أوستن) يُعد إعلاناً عن اهتمام كبير؛ فهو ليس من هواة الإطالة في المراسلات".

تعالت ضحكات خافتة في القاعة، وشعرت "ألينا" بيد "أوستن" تشتد قليلاً على ظهرها.

أجابت: "لي الشرف يا صاحب الجلالة، أتمنى أن يكون ما ذكره طيباً".

رشف الملك من شرابه وقال: "لقد وصفكِ بأنكِ (تحدٍ فريد من نوعه)". ثم وضع كأسه وتابع: "وقد اعتبرت ذلك إطراءً، لأن (أوستن) لا يصف أحداً بالتحدي بسهولة".

ابتسم الملك وأردف: "لقد ذكر أيضاً براعتكِ في التطريز، وأنكِ قمت بتعديل فستانكِ بنفسكِ.. هل هذا هو؟"

"نعم يا صاحب الجلالة".

انحنى الملك للأمام ليتفحص الغرز: "زوجتي الراحلة كانت تهوى الخياطة، كانت تقول إنه الوقت الوحيد الذي يهدأ فيه صخب عقلها". تراجع للوراء وقال بنبرة دافئة: "أنتِ تملكين يديها".

ساد الصمت الغرفة، ولم تدرِ "ألينا" بماذا تجيب على هذا الإطراء المهيب.

"شكراً لك يا صاحب الجلالة".

أومأ الملك برأسه، فقادها "أوستن" بعيداً بحذر.

همست له بمجرد ابتعادهما عن الأسماع: "نصف صفحة؟"

"توقفي".

"كتبت نصف صفحة عني للملك؟"

"لقد كان كلاماً موجزاً".

"ما مدى إيجازه؟"

"ألينا.. ليس هذا هو الوقت المناسب".

كادت تبتسم وهي تعيد كلماته: "(تحدٍ فريد من نوعه)".

"هذا الجزء كان دقيقاً تماماً".

ضحكت بهدوء، وتبادلا النظرات بينما كان الملك في الطرف الآخر من الغرفة يتحدث مع "أودري". شعرت "ألينا" بنظرات الملك عليها لثانية أخرى، لكن هذه المرة، لم تشح بصرها بعيداً.

تعليقات

"ركن الحكايات.. حيث تذوب القلوب بين السطور

قائمة الاعمال المترجمة

The duke's bed warmer

-الفصل (1)- صحوة النظام

المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي

الفصل (1) ثمن الابنة