الفصل (46) تسوية الحساب
## **سأكون الزوجة المثالية هذه المرة**
### **الفصل السادس والأربعون: تسوية الحساب**
انفتح الباب الذي كان موارباً على مصراعيه، ليظهر الأمير "كايل" فجأة.
كان وجهه عبارة عن قناع من الصدمة والغضب المتزايد. وبجانبه، وقف "ليون" بنظرة حادة وذكية في عينيه، وعلى طرف شفتيه ابتسامة ساخرة خفيفة.
نزلت نظرات "كايل" لتفحص "ماثياس" بغضب شديد.
صدر عارٍ.. منشفة ملقاة بإهمال على كتف واحدة.. وشعر مبلل.
والأمر الأكثر إثارة للغضب من كل ذلك—تلك العلامة الحمراء الباهتة لقبلة استقرت في ثنية ترقوته.
هسّ "كايل" بغضب: "ماذا تفعل بالضبط في غرفة أختي؟"
لم يهتز "ماثياس" أو يتراجع، وقال: "همم؟ ومنذ متى أحتاج إلى إذن لأكون في غرفة زوجتي؟"
ساد صمت ثقيل ومخنق. للحظة، بدا وكأن "كايل" قد نسي الحقيقة الأساسية لزواجهما.
اتكأ "ماثياس" بظهره على إطار الباب، وربع ذراعيه فوق صدره العاري بلا مبالاة مستفزة.
قال "ماثياس" بصوت بطيء وواثق: "كايل، إنها التاسعة صباحاً. أياً كان السبب الذي جئت لأجله، فإنه يمكن أن ينتظر.. فأنا مشغول قليلاً."
"مشغول؟! أهذا ما تسميه؟! ماذا تفعل بحق الجحيم؟" ارتفع صوت "كايل" بذهول واحتقار.
رد "ماثياس" ببرود شديد: "ما أفعله لا يخصك. أما أختك فهي تستحم، إلا إذا كنت تريد الانضمام إليها؟"
شعر "ليون" أن الجو على وشك الانفجار، فتدخل فوراً ووجه نظرة ذات مغزى إلى "كيرا".
"أخبري الدوقة أن سموه ينتظرها في غرفة الجلوس، سنذهب إلى هناك الآن."
أجاب "ماثياس" باختصار: "حسناً، سألحق بكم قريباً. اذهبوا."
التفت "ليون"، ووضع يداً حازمة على ذراع "كايل" ليقوده بعيداً في الممر. لكن وهو يمر بجانب "ماثياس"، أمال "ليون" رأسه قليلاً ليعطيه ابتسامة خبيثة—نظرة قالت كل شيء.
فهم "ماثياس" النظرة تماماً، ورغم فوضى الصباح، ظهر طيف ابتسامة مماثلة على وجهه.
بدا الصمت بينهما وكأنه يقول: "لعبة متقنة".
داخل الحمام المليء بالبخار، انفتح الباب بهدوء.
دخلت "كيرا" وهي تحمل منشفة مطوية بعناية، وكانت تنظر بعيداً باحترام، رغم الحمرة التي ظهرت على وجنتيها.
قالت وهي تقترب من حوض الاستحمام: "سيدتي، أعتقد أنه من الأفضل اختيار فستان بياقة عالية اليوم."
رمشت "أوليفيا" وهي تمد يدها لتأخذ المنشفة، ورفعت حاجبها باستغراب: "ياقة عالية؟ هل هناك مناسبة خاصة نسيتها؟"
أشارت "كيرا" بصمت نحو رقبتها.
تجمدت "أوليفيا" لثانية. "آه.. فهمت."
وأضافت "كيرا" بصوت ناعم: "ولي العهد ينتظرك في غرفة الجلوس. لقد غادر الدوق قبل لحظات."
تنهدت "أوليفيا" وهي تستعيد هدوءها: "أوه، لقد غادر؟ حسناً، جهزيني لمقابلة الأمير."
في غرفة الجلوس، كان الجو ثقيلاً وموتراً.
انتظر "كايل" وقتاً طويلاً جداً، أطول مما تسمح به التقاليد. جلس متصلباً، وكان يضغط على فكيه بقوة حتى بدا وكأنهما سيتحطمان، وعيناه معلقتان بالباب مثل الصياد.
كل ثانية تمر كانت تبدو له كإهانة متعمدة. وأخيراً، انفتح الباب.
دخلت "أوليفيا" برأس مرفوع، وهي ترتدي فستاناً بياقة عالية تخفي كل شيء. نهض "كايل" تلقائياً، لكنها توقفت على بعد خطوات منه، ونظرت إليه بسخرية هادئة.
قالت بصوت بارد: "يا له من أمر رائع. الرجل الذي كان يعاملني دائماً باحتقار، يقف الآن ليرحب بي. ألا تجد هذا التحول غريباً؟"
كلماتها لمست جرحاً فيه.
دون أن يقول كلمة، جلس "كايل" ببطء في مقعده، لأنه لم يرد أن يزيد غضبها. اقتربت "أوليفيا" وجلست أمامه، وكان الصمت بينهما مخنقاً.
أمسكت بإبريق الشاي وبدأت تصب بحركات هادئة، وقالت وهي تدفع كوباً نحوه: "لن يدخل الخدم هنا لفترة."
تمتم "كايل" وهو يأخذ الكوب: "شكراً لكِ". حدق في الكوب الرقيق وتساءل: "هل هذا... لي حقاً؟"
أمالت "أوليفيا" رأسها بسخرية: "إذا كنت لا تريده، سآخذه ثانية."
قال بسرعة وهو يمسك الكوب بقوة: "لا، أريده. أعطني إياه."
رفع الكوب إلى فمه وارتشف منه، لكن جسده كله تيبس في الحال.
كان الشاي مراً بطريقة وحشية—كان ثقيلاً جداً لدرجة أن طعمه صدمه، وحاول بصعوبة ألا يبصقه.
راقبتْه "أوليفيا" بصمت تام، قبل أن تظهر ابتسامة باردة على وجهها، وقالت بجمود: "إنه شاي أسود."
حاول "كايل" استعادة هدوءه، فمالت "أوليفيا" للأمام وقالت بصوت هادئ ومخيف: "والآن، لماذا طلبت رؤيتي في هذا الوقت المبكر جداً؟"
سأل "كايل" بصوت متعب: "لماذا فعلتِ ذلك؟"
رمشت "أوليفيا": "فعلت ماذا بالضبط؟"
"القلادة. لقد أعطيتِها لـ 'ليلى'. أعرف كم كانت تهمكِ.. كانت كنزك منذ الطفولة. لماذا رميتها بهذه السهولة؟"
مسحت "أوليفيا" غباراً وهمياً عن تنورتها بلا مبالاة: "ثمينة؟ طبعاً هي كذلك. لكن عندي هنا مجوهرات أكثر مما أحتاج. يمكنني شراء عشرات غيرها. دعنا نقول فقط.. قيمتها العاطفية انتهت، ولم تعد سوى قطعة زينة غالية."
ظهر الحزن على وجه "كايل".
"هل هذا بسبب أمي؟ أم.. بسببي؟" انخفض صوته إلى همس: "إذا كان بسبب ما قلته ذلك اليوم.. لأنني رفعت يدي عليكِ—أقسم أنني لم أكن أعرف ما أفعله. أنا آسف يا أوليفيا. حقاً. أرجوكِ سامحيني وخذي القلادة."
نهضت "أوليفيا" من كرسيها بخطوات هادئة وواثقة.
مشيت نحوه، وانحنت، وأمسكت بذقنه بقوة ولكن برفق.
قالت وهي تنظر إليه بحدة: "أنا أعطيت القلادة لـ 'ليلى' وليس لك. لهذا، ليس لك الحق أن تقرر مصيرها."
نظرت في عينيه مباشرة: "وبما أنك تذكرت ذلك اليوم.. فأنا لا أحب الديون المعلقة. ما رأيك أن نصفي الحساب الآن؟"
بلع "كايل" ريقه وهو ينظر إليها: "حسناً.. أنا موافق. اطلبي ما تريدين، سأعطيكِ أي شيء—"
لم يكمل جملته.
**"طااااخ!"**
كانت الصفعة قوية جداً، لدرجة أن رأسه انحرف جانباً.
قالت "أوليفيا" بصوت بارد جداً: "هذه.. لأنك رفعت يدك عليّ."
**"طااااخ!"** صفعة ثانية، كانت أقوى، سقطت على خده الآخر.
"وهذه.. لأنك صرخت في وجهي أمام زوجتك واتهمتني بنشر فضائحك."
**"طااااخ!"** صفعة ثالثة. هذه المرة، جرحت أظافرها طرف خده، وظهر خط أحمر بدأت تخرج منه قطرة دم.
"وهذه.. لأنك نسيت أنني أختك—ودست على كرامتي أمام زوجي."
تجمد "كايل" من الصدمة. رفع يده ببطء إلى وجهه ولمس الدم الدافئ. كان يشعر بذهول يسري في جسمه.
قال بصوت خافت: "آه.. هذا مؤلم حقاً."
كانت "أوليفيا" قد أدارت ظهرها له بالفعل، وعادت وجلست في مكانها برقي. وضعت رجلاً فوق الأخرى وأخذت نفساً عميقاً من الراحة.
"الآن.. نحن متعادلان."
ساد صمت طويل، قبل أن تخرج ضحكة قصيرة من "كايل".
اتكأ على كرسيه، ويده لا تزال على خده الذي يؤلمه، وعيناه تلمعان براحة لم يشعر بها منذ شهور.
تنهد وقال: "نعم، متعادلان." ثم صمت وأصبح جاداً ثانية: "لدي.. طلب."
"طلب؟ ألا تنتهي طلباتك أبداً؟" كان صوت "أوليفيا" حاداً مثل ألم الصفعة على وجهه.
"طلب واحد أخير. هل يمكنكِ.. هل يمكنكِ رعاية 'آن' في اليومين القادمين؟"
نظرت إليه بذهول: "تريد مني أن أكون.. مربية؟"
شعر "كايل" بالحرج، واختار كلماته بحذر: "الحقيقة هي أن موعد الزفاف قد قُدم، سيكون بعد أسبوعين فقط. الإمبراطور طلب 'ليلى' للقصر لتجهيزات الفستان والزهور والحفل. أنتِ تعرفين هذه الأمور."
قاطعته "أوليفيا" بقسوة: "والطفلة.. تزعجكم."
رد "كايل" بسرعة: "لا! لكنها صغيرة جداً وتحتاج اهتماماً دائماً، والحرس في القصر.. حسناً، حاولنا تعيين مربية لكن 'آن' رفضت الجميع."
عقدت "أوليفيا" ذراعيها: "وما الذي يجعلك تظن أنني سأكون مختلفة؟ إذا كانت رفضت مربيات محترفات، لماذا تظن أنها ستقبل بي؟"
قال بصوت فيه توسل: "لأنكِ حملتِها. في المرة الأولى التي رأتكِ فيها، لم تبكِ أبداً. كانت تنظر إليكِ فقط. أنا وليلى لاحظنا ذلك. هي لا تشبهكِ فقط يا أوليفيا، بل هناك شيء آخر في الطريقة التي تنظر بها إليكِ."
نظرت "أوليفيا" بعيداً، وبدت منزعجة، وكأن ذكرى مؤلمة مرت بخاطرها. "أنا آسفة، ابحث عن شخص آخر."
"أرجوكِ—"
رفعت يدها لتسكته: "قلت لا. الموضوع انتهى."
ساد صمت بارد. تنهد "كايل" باستسلام: "حسناً إذاً، أعتذر لأنني أزعجتك. سأراكِ في الزفاف."
ردت ببساطة: "نعم. وداعاً."
عادت "أوليفيا" لمكتبها وغرقت في العمل. كان مكتبها هو المكان الذي تهرب فيه من المشاعر. حتى "إيزابيلا" لم تأتِ مؤخراً، ولم تجد "أوليفيا" الطاقة لتسأل عنها.
بعد ساعات، ذهبت لغرفتها وارتمت على الأريكة لترتاح.
كانت الغرفة هادئة جداً، فقط صوت النار في المدفأة—إلى أن قطع هذا الهدوء صوت مفاجئ.
صوت بكاء ناعم.. بكاء طفل.
اعتدلت "أوليفيا" في جلستها بسرعة. الصوت لم يكن بعيداً، بل كان داخل الغرفة!
خفق قلبها بقوة. تتبعت الصوت الضعيف إلى خلف سريرها—خلف الستائر الثقيلة مباشرة.
وهناك، مخبأة عن العيون وملفوفة ببطانية صوفية، كانت "آن".
صغيرة وبريئة، ووجهها أحمر من البكاء. بدت عاجزة تماماً، وكانت تحاول كتم بكائها وكأنها تختبئ.
حدقت "أوليفيا" بذهول. أي شخص يراهما سيظن أنهما أم وابنتها من شدة الشبه.
كانت يدا "آن" الصغيرتان ترتجفان، ورموشها مبللة بالدموع.
تحركت غريزة "أوليفيا" فوراً.
نزلت بجانبها، وكانت يدها ترتجف وهي تلمس ظهر الطفلة. لم تهرب "آن"، بل اقتربت أكثر من دفء "أوليفيا".
هست "أوليفيا" بغضب شديد: "اللعنة عليك يا كايل.. أقسم أنني سأقتلك. أيها الوغد عديم الحياء.. رميتها هنا وهربت؟ مثل الجبان؟ مثل الفأر القذر؟"

تعليقات
إرسال تعليق