الفصل (46) ما وراء المنطق السليم
## **زوجة الجنرال تريد المغادرة**
**الفصل السادس والأربعون: ما وراء المنطق السليم**
كان الوقت يمر.. في الغرفة الهادئة، لم يتردد سوى صوت تكتكة ساعة "الجد" الكبيرة القابعة في أحد الأركان. أما كانيلاس، الذي وقف ساكناً في منتصف غرفة تلك المرأة التي اختفت، فلم يكن يحصي الثواني، بل ترك نفسه يغرق في هاوية من الصمت المطلق.
خفض رأسه، وأغمض عينيه بشدة، بينما كانت يداه المرتجفتان مضمومتين كقبضتين. ومع مرور وقت غير محدد، هدأ تنفسه الهائج أخيراً، واستقرت وتيرته لتنسجم مع تكتكة الساعة في تناغم غريب.
فتح عينيه المغلقة، لتلمعا بحدة طاغية في الغرفة المظلمة، عاكستين ضوء القمر القابع هناك. ودون أن يلقي نظرة أخيرة، غادر كانيلاس الغرفة الفارغة، وشق طريقه بخطوات هادئة لكنها تحمل وعيداً عبر الممرات المتتالية. كسر وقع أقدامه الثقيلة صمت المكان حتى توقف فجأة في منتصف ممر خافت الإضاءة.
نظر أمامه، فرأى خادمة تسير في اتجاهه تحمل أكواماً من الملابس المطوية. وما إن لاحظت الخادمة وجود الجنرال على بُعد خطوات منها، حتى توقفت فجأة وانحنت بأدب. وبينما كانت تهم بالاستدارة لتسلك طريقاً آخر هرباً من الجو الرهيب الذي يحيط به، أوقفها صوت الجنرال العميق.
سأل كانيلاس الخادمة: "هل تعلمين إلى أين ذهبت الليدي جوانا؟"
لقد اتخذ قراره؛ لن يتخلى عن هذا الزواج. لماذا عليه أن يُهزم أمام امرأة تبدو وديعة لكنها باردة القلب؟ لماذا يستسلم بسهولة لامرأة لا تحترمه؟ هو جنرال "أرشيسا" البارز، وسيكون من العار على قائد عظيم حقق المجد تلو الآخر أن يُهزم على يد امرأة كهذه.
أليس من الممتع أكثر أن يجاري هذه المرأة التي وصفت نفسها بالكاذبة والمجنونة والعنيدة؟ فضلاً عن ذلك، أراد أن يعرف إلى متى ستتحمل التمثيل بهذا البرود، وما هي الأوراق التي تخفيها في جعبتها لتحقيق حلمها بإنهاء الزواج والتحرر منه.
الأمر المؤكد هو أنه لن يسمح لها بهزيمته؛ وإذا كان هناك من يحتاج للترويض، فسيكون هو من يروضها. إنها امرأة نادرة ومثيرة للاهتمام، فلماذا يتخلى عنها؟
صمم كانيلاس على أسر زوجته "المثيرة" وترويضها، ليذكرها بأن التخلي عنها وإنهاء زواجهما ليس سوى حلم لن يتحقق أبداً.
عند سماع السؤال الموجه إليها، هزت الخادمة الصغيرة رأسها بسرعة وهي تنكمش خوفاً أمام الجنرال. انحنت له مرة أخرى، لكن قبل أن تتمكن من المغادرة، تجمدت كتمثال؛ فقد سقطت عيناها المتسعتان على طرف نصل سيف حاد صُوِّب على بُعد بوصتين من أنفها.
إذا لم تكن وصيفة زوجته مستعدة لإخباره بمكان سيدتها بدافع الولاء، فلن يضيع وقتاً أطول في إجبارها. لو كان بإمكانه استخدام الأساليب التي يطبقها على أعدائه لانتزاع المعلومات، لكان قد عذبها، لكنه لا يستطيع فعل ذلك مع شخص يبدو قريباً من زوجته. لذا، سيبحث عن فريسة أخرى لا تملك صلة وثيقة بزوجته، ويكون من السهل كسرها.
هدد كانيلاس الخادمة المرتجفة بصوت ثقيل وعميق تردد صداه في الممر الهادئ: "أخبريني، وإلا لن تري شروق شمس الغد."
كان يدرك ما تفعله معظم الخادمات في بيوت النبلاء؛ من الخارج يظهرن مطيعات ولا يعرفن شيئاً عن أسيادهن، لكن الحقيقة هي أنهن يعشقن النميمة ونبش الأسرار الخاصة، ولا شك أنهن يزرعن آذانهن وعيونهن خلف الجدران.
ولكن، ماذا لو كانت هذه الخادمة سيئة الحظ مطيعة ووفية حقاً؟ هل ستصمت وترفض تسريب سر سيدتها حتى والسيف مصوب نحوها؟
تمتمت الخادمة بتلعثم شديد والدموع تنهمر على وجنتيها المحمرتين: "اللـ..ـليدي جـ..ـوانا في مـ..ـيتم بـ..ـويل، يـ..ـا سيدي."
لحسن حظه، وجد شخصاً غير مستعد لاستبدال حياته بالولاء والطاعة.
سأل كانيلاس ولا يزال سيفه مصوباً نحوها، بينما يلمع النصل تحت الضوء الضئيل للفوانيس: "وأين يقع هذا المكان؟"
أجابت وهي تنتحب: "إنه في جـ..ـبل ويـ..ـست لايـ..ـن، يـ..ـا سيدي." كانت يداها ترتجفان لدرجة أن قطعتين من الملابس سقطتا على الأرضية الرخامية من شدة فزعها.
عند سماع الإجابة، تصلب جسد كانيلاس كتمثال. كانت الإجابة بالنسبة له كالسيف المصوب نحو صدره. سأل مجدداً وكأنه لم يسمع أو يريد التأكد من أنها لم تخطئ بسبب خوفها: "هل يمكنكِ تكرار المكان مرة أخرى؟"
ردت الخادمة وهي تجهش بالبكاء: "جـ..ـبل ويـ..ـست لايـ..ـن، يـ..ـا سيدي.. أرجوك ارحم حياتي." تحول انتحابها إلى بكاء مرير، وسقطت قطعة ملابس أخرى.
أجاب وهو يعيد السيف إلى غمده: "شكراً على إجابتكِ، سأرحم حياتكِ هذه المرة." ترك الخادمة الباكية بعد أن التقط الملابس الساقطة ووضعها فوق الكومة التي تحملها.
ظن في البداية أن حاسة السمع لديه تأثرت بالإرهاق أو بالغضب، فلم يستطع استيعاب هذا الواقع المذهل؛ امرأة يفترض أنها في فترة نقاهة بسبب المرض، تغادر لتطارد الخطر في مكان مثل "جبل ويست لاين" فقط لتتجنبه أو تتجنب العودة معه إلى "أرشيسا".
وتذكر القصص التي رواها جنود "تيرا" في "سيدل" عن ذلك الجبل، فأسرع الخطى نحو البوابة الرئيسية للقصر. تساءل في نفسه: ماذا كان سيحدث لها لو قرر الاستسلام فعلاً والعودة إلى "أرشيسا" دون السؤال عنها؟
أطلق ضحكة خفيفة ساخرة مما يفعله الآن وهو يندفع للحاق بها. لماذا يطارد امرأة تتجاهله وتحتقره بهذا القدر؟ هل لأنه لا يتقبل الطريقة التي تعامله بها؟ أم لأنه يجدها "مثيرة للاهتمام"؟
إنها حقاً امرأة مثيرة، لا يمكن التنبؤ بها، ومجنونة.. لكن هذه الصفات لا تبدو كافية لوصف هذا اللغز في عينيه. لم تستطع أي امرأة أن تسبب لرجل مثله صداعاً وتوتراً كهذا، فهو لا يضحي بوقته الثمين في التفكير في هذه "التفاهات".
ولكن ماذا يفعل الآن؟ كانيلاس نفسه كان مشوشاً، غير قادر على إيجاد الإجابة الصحيحة. إن اهتمامه بامرأة "غير محترمة" كهذه يتجاوز منطق السلم لديه؛ حتى أنه في هذه اللحظة لم يعد يعرف نفسه.
لماذا ذهبت إلى ذلك الجبل وهي ليست بصحة جيدة؟ هل تعافت؟ ولماذا من بين كل الأماكن اختارت هذا المكان تحديداً؟ هل هي صدفة؟ ولكن لماذا توجد صدفة عبثية كهذه؟
لم يعد يعرف ماذا يسأل أو يعلق، فالأسئلة غير المجابة تزداد في عقله كلما فكر فيها. الأهم الآن هو العثور عليها، ثم سيجعلها تتوسل طلباً للمغفرة بسبب العقاب الذي سينزله بتلك المرأة العنيدة والمجنونة، ولن يهتم إن زاد ذلك العقاب من كرهها له.
وفجأة، اتجه تفكير كانيلاس نحو الكابتن الشاب الذي التقاه في "سيدل"، مما جعله يتوقف في مكانه.
ماذا لو كان ما يزعج عقله منذ لقاء ذلك الكابتن صحيحاً؟ هل تحتقره وتتوق لإنهاء زواجهما بسبب ذلك الرجل؟
**

تعليقات
إرسال تعليق