الفصل(46) Odalisque_جاريه

 


بعد فترة وجيزة من الصمت، تمتم كاميل كما لو كان يخاطب نفسه: "يمكن استغلال هذا الأمر سياسياً".

ثم هز كتفيه بخفة وتابع بنبرة عادية: "لكن الماركيز ليس من النوع الذي يسهل التلاعب به، لذا حسب علمي، لم ينجح أحد في ذلك حتى الآن. لقد أصبح مثل قطعة فنية ثمينة ومنعزلة في هذه المرحلة، ذلك النوع من المنحوتات النادرة والجميلة التي لا يمكن إلا لعدد قليل من ذوي النفوذ عرضها في منازلهم".

"ليس من الجيد معاملة الشخص كأنه منحوتة".

"حسناً، الماركيز نفسه لا يعامل الناس حتى كمنحوتات".

"ربما.. ربما هو فقط يشعر بالخجل والارتباك حول الغرباء".

حتى وهي تقول ذلك، كانت "ليف" تدرك أنه افتراض سخيف. ومع ذلك، تحدثت بحذر دفاعاً عنه؛ ربما بسبب الرابطة السرية التي شكلتها معه؟ لم تكن تريد سماع أي شخص يتحدث بسوء عن الماركيز.

وسواء صدق كاميل أنها كانت جاهلة حقاً أم لا، فقد اكتفى بالابتسام وهز رأسه.

"مما سمعته، لديه حالة نفسية تجعله ينفر بشدة من التواصل الجسدي مع أي شخص. إنه يتجنب المصافحة ويجد صعوبة حتى في إجراء محادثات طويلة. لم أسمع قط عن أي نبيل تناول العشاء معه على طاولة واحدة. لهذا السبب اندهش الجميع عندما انتشرت إشاعات بأن البارون بيندانس قد كون صداقة مع الماركيز".

تحولت نظرة كاميل نحو القصر، ودرس المكان بتركيز قبل أن يميل رأسه قليلاً ويقول بصوت جاد وهادئ: "لكن مما أراه، يبدو أن تلك الإشاعة غير صحيحة". ثم نظر إلى ليف بابتسامة مشاكسة: "تظاهري بأنكِ لم تسمعيني أقول أي شيء من هذا".

"بالطبع".

كانت "ليف" قد شعرت منذ وقت مبكر بأن الماركيز يظهر سلوكاً دقيقاً وحساساً للغاية، ومع ذلك، فهو لم يعد يتصرف بهذا الشكل حولها. بينما يقول كاميل إن الماركيز يكره التواصل الجسدي.. كانت "ليف" قد شاركته لحظة عاطفية عميقة وقبلة دافئة.

لذا، بدا الادعاء حول وجود اضطراب نفسي مبالغاً فيه؛ والأرجح أنه يملك شخصية حساسة للغاية فقط. فلو كان اضطراباً حقيقياً، لما استجاب لمشاعرها بتلك القوة والعمق في تلك الليلة..

حولت "ليف" نظرها بسرعة، محاولة التخلص من الذكرى المستمرة لذلك اليوم. ولتشتيت انتباهها، ركزت بتمعن على أحواض الزهور في الحديقة، والتي كانت تضفي جواً غامضاً تحت الإضاءة. كان من المنطقي أن يذكر كاميل هذا المكان تحديداً؛ فلو كان حوارهما أكثر رومانسية، لكانت الأجواء مثالية لذلك.

وبينما كانت "ليف" تحدق في الزهور، تحدث كاميل فجأة: "أوه، لقد سمعت شيئاً آخر أيضاً".

أعطته "ليف" نظرة فضولية، فتابع كاميل: "بما أنه لا يظهر في أي تجمعات اجتماعية، يقول البعض إنه قد يكون ضابطاً عسكرياً سابقاً. لكن حسب معرفتي، لا يوجد سجل لذلك، رغم أن سجلات الضباط من رتب معينة لا يسهل الوصول إليها".

ضابط عسكري.. تذكرت "ليف" أن "ميليون" ذكرت شيئاً مشابهاً من قبل، حيث قالت إن هناك إشاعات بأن الماركيز بارع في القتال لأنه كان ضابطاً. فجأة، تذكرت "ليف" صورة الرجل الذي سقط بعد إطلاق النار عليه، وكيف اعترف الماركيز بهدوء بأنه هو من أطلق النار. حتى طريقة تعامله مع السلاح أثناء الصيد كانت تؤكد أنه ليس غريباً على هذه الأمور.

*"أحياناً، هناك قتل لا يمكن تجنبه، يا معلمة".*

ربما كان الماركيز حقاً ضابطاً، وربما صاحب خبرة قتالية كبيرة.

"يُقال إن مشاكله النفسية المفترضة قد تنبع من خدمته العسكرية، وأنا أجد ذلك مقنعاً إلى حد ما".

"لكن ليس من الصواب وصف شخص ما بالاضطراب بناءً على مجرد تكهنات. الصحة مسألة حساسة لا ينبغي مناقشتها بإهمال".

"أنتِ محقة".

رغم أن "ليف" رفضت ادعاءات كاميل واعتبرتها مجرد تخمين، إلا أن جزءاً منها لم يستطع منع نفسه من أخذ كلماته على محمل الجد، فقد تماشت مع بعض ما رأته وسمعته بنفسها. إذا كان ضابطاً، في أي جيش خدم؟ وبالنظر لغطرسته، فمن المستبعد أن يكون قد شغل رتبة منخفضة. هل قاد قواته الخاصة؟ كيف كان يبدو بالزي العسكري؟ بالتأكيد كان يبدو مهيباً جداً.

استغرقت "ليف" في فضولها، حتى قطع كاميل حبل أفكارها: "يبدو أنكِ مهتمة جداً بالماركيز. هل كنتِ دائماً بهذا الفضول؟".

أخذت "ليف" نفساً عميقاً محاولة تهدئة نفسها، وأجابت بنبرة مستوية: "أعتقد أنني تركت انطباعاً قوياً بعد رؤيته من بعيد في حفلة عيد ميلاد ميليون".

"آه، أرى ذلك".

لم يبدُ كاميل مقتنعاً، لكنه لم يضغط أكثر، مما جعل "ليف" تشعر بعدم الارتياح، وربما لأنها تخفي سراً، وجدت نفسها تولي اهتماماً أكبر لرد فعله.

تململت "ليف" بيديها، ولم تستطع تحمل الصمت، فقالت أخيراً: "أنت من ناحية أخرى، تبدو وكأنك تعرف الكثير يا معلم مارسيل. من الصعب تصديق أنك مجرد معلم فنون عادي".

"هذه مجرد معلومات يمكن لأي شخص التقاطها إذا استمع بعناية".

رد كاميل بخفة كعادته، لكن "ليف" لم تعد تقبل كلماته على ظاهرها. "البحث عن المعلومات مباشرة هو أمر أكثر فاعلية من مجرد الاستماع، أليس كذلك؟".

لقد اعترف كاميل بنفسه أنه بحث فيما إذا كان الماركيز ضابطاً سابقاً. وعند تعليق ليف المباشر، رفع حاجبه، وأدرك زلة لسانه، فابتسم ابتسامة غامضة: ".. أوه، أنتِ حادة الذكاء حقاً".

فرك كاميل رقبته بتعبير مرتبك، وكأن لديه المزيد ليقوله، لكن "ليف" سبقتُه: "ربما كان طلباً مزعجاً، لكن شكراً لك على مشاركة أفكارك".

بدأ الناس الذين كانوا يتنزهون يعودون إلى القصر واحداً تلو الآخر، فقررت "ليف" العودة أيضاً، لكن كاميل ناداها فجأة: "المعلمة رودايس".

بدت ملامحه جادة وهو يبتسم بتردد، وكأنه يصارع فكرة ما قبل أن يتحدث بحذر: "لا ينبغي أن تكوني مهتمة جداً بالماركيز".

كانت نبرته مختلفة تماماً عن طريقته الممازحة المعتادة، وأدركت "ليف" أنه يقدم لها نصيحة مخلصة. أمالت رأسها بتعجب وسألت: "لماذا لا؟".

ازداد عبوس كاميل، وتردد للحظة قبل أن يشيح بنظره ويجيب: "حسناً، أعتقد أنكِ إنسانة طيبة".

"عفواً؟".

لم تفهم "ليف" ما يقصده، فسألته مرة أخرى، لكن بدلاً من الشرح، تنهد كاميل وقال: "أعتقد أن هذا هو الشعور الذي ينتاب المرء وهو يشاهد صديقاً يتجه نحو طريق وعر. إذا كان هناك أي شيء يمكنني المساعدة فيه، فأخبريني. قد لا تثقين بي كثيراً الآن، ولكن ربما في وقت الشدة، أستطيع تزويدكِ بالإجابة التي تحتاجينها".

كان هناك شيء مقلق في كلماته، لكنها لم تستطع تحديد إن كان يقصد سوءاً. وبسبب هذا اللطف الغامض، قررت التراجع قائلة: "شكراً لك على العرض".

أومأ كاميل دون إحباط: "لقد قضينا وقتاً طويلاً هنا، أليس كذلك؟ يجب أن نعود".

كان الوقت متأخراً عندما غادرت "ليف" عزبة بيندانس، فأسرعت نحو الشارع حيث تتجمع العربات المشتركة. ورغم أن العزبة تقع في منطقة حيوية، إلا أن الشوارع كانت خالية تماماً مع حلول الظلام، مما جعل "ليف" تشعر بالقلق.

شدت شالها حول كتفيها لتدفئة نفسها، وأسرعت بخطاها. وبينما كانت على وشك الوصول إلى الطريق الرئيسي..

*صهيل!*

سمعت صوت حصان من زقاق مظلم قريب، يليه صوت حوافر تضرب الأرض بقوة.

**

تعليقات

"ركن الحكايات.. حيث تذوب القلوب بين السطور

قائمة الاعمال المترجمة

The duke's bed warmer

-الفصل (1)- صحوة النظام

المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي

الفصل (1) ثمن الابنة