الفصل(45) Odalisque_جاريه
تبين أن الحصول على فرصة للتحدث مع "كاميل" كان أصعب مما هو متوقع؛ فالبارون والبارونة لم يتركاه يغيب عن أنظارهما لحظة واحدة. وفي هذه الأثناء، كانت "ميليون" قد سحبت "ليف" بعيداً باتجاه الحديقة.
"حديقتنا تبدو ساحرة تحت ضوء القمر، أليس كذلك؟ إنها فاتنة جداً!"
حثت "ميليون" "ليف" على المضي قدماً، مشيرة إلى أن ترتيب الإضاءة كان مقصوداً ليجعل الحديقة تبدو كلوحة فنية هذه الليلة.
كان ذلك الوقت الذي يلي العشاء مباشرة، حيث انقسم الضيوف بين قاعة الصالون للمسامرة، وبين من آثر التنزه في الهواء الطلق. وحتى دون إلحاح من "ميليون"، كان عدد من المعلمين قد شرعوا بالفعل في استكشاف ممرات الحديقة.
"نعم، إنها حقاً رائعة."
وكما ذكرت "ميليون"، كانت الإضاءة كافية لجعل التجول ممتعاً، كما أن نسمات الليل كانت دافئة ومثالية للمشي. شعرت "ليف" أن هذا النور كفيل بتبديد أي وحشة قد يسببها الظلام.
"ميليون! ميليون؟"
توقفت "ميليون" التي كانت تتأبط ذراع "ليف" لتأخذها إلى عمق الحديقة، حين سمعت صوت والدتها تناديها من الخلف. لقد كان صوت البارونة "بيندانس".
"اذهبي يا ميليون."
"آه.. كنت أود حقاً أن أكون دليلكِ في الحديقة بنفسي."
زمّت "ميليون" شفتيها بخيبة أمل، لكنها لم تستطع تجاهل نداءات والدتها المصرّة، فتركت ذراع "ليف" على مضض.
"سأعود فوراً، لذا أرجوكِ انتظري هنا، اتفقنا؟"
"بالتأكيد، سأفعل. اذهبي، البارونة بانتظارك."
راقبت "ليف" بابتسامة خفيفة مغادرة "ميليون"، ثم عادت بتركيزها إلى الحديقة. رأت المعلمين يتحدثون في مجموعات صغيرة، مما جعلها تشعر بمدى عزلتها الاجتماعية؛ فالمناخ العام يشير إلى أن الجميع قد بنوا صداقات مسبقة، بينما هي لا تزور العزبة إلا لساعات الدرس.
كان يمكن لهذا العشاء أن يكون فرصة للتعارف، لكن "ليف" فضلت الهدوء. في الماضي، كان الطموح المهني يدفعها للتقرب من الجميع، لكن ذلك القلق لم يعد يسكنها الآن.
"ربما بسببه هو.."
تنهدت "ليف" بعمق وهي تتوغل في الحديقة. لم تكن تعرف إن كان هذا التغيير في شخصيتها جيداً، لكنها لم تعد تخشاه. الماركيز، رغم غموضه، كان هو الشخص الذي تستند إليه، وكان يملك جاذبية لا تنكر.
"لقد قبلته.."
كانت تلك أول تجربة عاطفية حقيقية لها. لم تكن "ليف" تملك رفاهية الأحلام الرومانسية منذ أن أصبحت المسؤولة عن عائلتها، لكن قوة تلك اللحظة بقيت محفورة في ذاكرتها.
تذكرت كيف استسلمت لمشاعرها لأول مرة، وكيف تسارعت نبضات قلبها حين اقترب منها، وكيف شعرت برغبة قوية في أن تبقى بجواره أكثر. لولا أنه انسحب أولاً، لربما فقدت اتزانها تماماً تحت تأثير تلك اللحظة العاصفة.
لمست "ليف" شفتيها بشرود، ثم أنزلت يدها بسرعة حين انتبهت لفعلتها. شعرت بحرارة وجهها تزداد، فأسرعت بخطواتها نحو الأعماق المظلمة للحديقة لعل الهواء يبرد أفكارها التي تراها "غير لائقة".
كلما ابتعدت عن المدخل، قلّ الزحام وزاد السكون. ورغم الإضاءة، بدأ الجو يبدو موحشاً بغياب البشر. وحين قررت العودة لئلا تتأخر، سمعت صوت حفيف من خلف الشجيرات.
"ميليون، هل عدتِ؟"
نادت بأمل، لكن الظل الذي ظهر كان أضخم بكثير من "ميليون".
"أوه، أعتذر لكوني الشخص الذي خيب ظنك."
حك الرجل رأسه بإحراج، فتمتمت "ليف": "المعلم مارسيل".
"سمعت أن ميليون خرجت، فجئت أبحث عنها، لكنكِ ابتعدتِ أكثر مما توقعت."
اقترب "كاميل" بابتسامته الحيوية المعتادة.
"هل كنت تريدني في أمر ما؟"
"أنا دائماً أريد التحدث معكِ، رغم أنني أعرف أنكِ لا تشعرين بالمثل، يا معلمة رودايس."
ابتسمت "ليف" بحرج. كانت تأمل أن المسافات التي تضعها ستخمد مشاعره، لكنه بدا مصراً.
"الحديقة رائعة، أليس كذلك؟ هناك حوض زهور مذهل في ذلك الاتجاه، هل رأيتِه؟"
بدأت "ليف" تتبعه في طريق العودة، حيث كان "كاميل" يفيض بالحديث المرح، محافظاً على مسافة أدب كافية. أثنى على مهارة البستانيين، وأظهر معرفة كبيرة بالعزبة والبارون.
"لدي أيضاً قصص مثيرة يمكننا تبادلها أثناء التنزه، هل ترغبين في السماع؟"
"هل هي من نوع القصص التي ذكرتها سابقاً؟"
أومأ "كاميل" مؤكداً أنه يعرف الكثير من خفايا الشخصيات المرموقة كالماركيز. في العادة، كانت "ليف" ترفض النميمة، لكنها الليلة كانت متعطشة للمعلومات.
"لا بأس، القصص النادرة دائماً ما تكون مشوقة."
استغرب "كاميل" من اهتمامها المفاجئ بالعالم الخارجي. فبادرته "ليف" بصراحة: "الماركيز ديتريون.. ما هي الإشاعات التي تدور حوله؟"
لم يتفاجأ "كاميل" كثيراً، بل شرح لها أن الماركيز لغز لا يفك شفرته أحد.
"أبسط الإشاعات تقول إنه لا أحد يعرف بلد عائلته الأصلي، ولا أحد يعلم إن كان قد وُلد ماركيزاً حقاً أم أنه لقب اتخذه لاحقاً."
اتسعت عينا "ليف" بذهول، لكنها فكرت في غطرسته وقوته، ورأت أن اللقب يليق به تماماً، وكأنه خُلق ليأمر ويُطاع.
تابع "كاميل": "غموض ماضيه يجعله هدفاً للجميع. ومظهره وحده كفيل بإشعال القصص. لو كان ألطف قليلاً لتمزقت القارة بسبب المعجبات، لكن انعزاله يزيد الفضول ويجعل الناس يتوقون للبحث في تاريخه."
"وماذا سيستفيدون من ذلك؟"
"من يدري؟ ربما يستخدمونه في ألعاب عاطفية، أو لأهداف سياسية وأمور أكبر بكثير مما نتخيل.."
**

تعليقات
إرسال تعليق