الفصل (44) Odalisque_جاريه
مرحبا مع فصل جديد ...
"معلمتي، معلمتي!"
"همم؟"
"في ماذا تفكرين لدرجة أنكِ لم تلاحظي مناداتي لكِ وأنا أمامكِ مباشرة؟"
استفاقت ليف من شرودها، وقطبت حاجبيها قليلاً قبل أن تعتذر بسرعة: "آه، هل انتهيتِ؟".
"لا، ليس هذا هو الأمر يا معلمتي. لم تكوني تستمعين إليّ، أليس كذلك؟"
"أنا آسفة. أنا فقط... لا أستطيع التركيز اليوم."
مسحت ليف غرتها بيدها وأطلقت تنهيدة طويلة. وعندما رأت "ميليون" ملامح الإرهاق الواضحة على وجهها، سارعت بطلب شاي صحي لها. نظرت ليف إلى النافذة وهي تشعر بضيق غير مفهوم.
لقد مرت ثلاثة أيام منذ عودتها من قصر "بيريوورث". بعبارة أخرى.. مرت ثلاثة أيام على ذلك اللقاء المباغت مع الماركيز.
منذ ذلك الحين، انقلبت حياة ليف اليومية رأساً على عقب، ولم تعد الأمور إلى طبيعتها حتى في اليوم الثالث. كان الأمر لا مفر منه؛ فأينما نظرت ومهما فعلت، كان خيال الماركيز يطاردها. تلك اللحظات القصيرة التي تشاركاها، والمشهد بأكمله في تلك اللحظة، ترسخ في ذهنها ورفض الرحيل.
وصف الماركيز ما حدث بأنه "درس"، وربما فعل ذلك حقاً ليعلمها كيف تتعامل مع الأمر.. لكن ليف كانت تدرك في قرارة نفسها أن ذلك لم يكن مجرد درس. كان تواصلاً جسدياً عميقاً وحميماً لا يتشاركه إلا المقربون جداً.
بالطبع، سبق لليف أن كشفت عن حضورها أمام الماركيز عدة مرات كعارضة، لذا لم يكن غريباً ألا يفاجئها هذا التواصل. لكن الفرق هذه المرة أنه لم يكن خلال "ساعات العمل الإضافية". لم تكن هناك بصفة عارضة، بل ذهبت لشكره فقط، ومع ذلك وجدت نفسها عاجزة عن المقاومة أمام سحره الطاغي.
«كيف يمكنني أن أكره ذلك؟»
كان مجرد التفكير في الأمر يحبس أنفاسها. ومع أنها كانت تدرك سمعة الماركيز الصعبة، إلا أنها بدأت تفهم الآن لماذا تنجذب الكثير من النساء لتجربة شيء معه. لم يكن المهم بالنسبة لها إن كانت تحبه أم لا، بل كان اللقاء بحد ذاته محفزاً لدرجة أنها لم تعد تفكر في أي شيء آخر.
أما قطعة الحلوى التي أعطاها إياها، فقد ظلت في درج مكتبها دون أن تلمسها. شعرت أنها إذا أكلتها، فقد لا تتمكن أبداً من الهروب من هذه الأفكار المربكة. ومع ذلك، لم تستطع رميها أيضاً، فاكتفت بإخفائها عن ناظريها.
"معلمتي، هل أنتِ بخير؟"
نظرت ميليون إليها بقلق. هزت ليف رأسها بسرعة وقالت: "أنا بخير، سأعوضكِ عن درس اليوم بحصة إضافية".
"لا داعي للدروس الإضافية! الأهم من ذلك، هل أنتِ متفرغة للعشاء غداً؟ والداي يريدان دعوتكِ".
ترددت ليف قليلاً. كانت تحاول تجنب الالتزامات الشخصية بسبب عملها غير المنتظم مع الماركيز، لكن ميليون أصرت: "سيكون هناك معلمون آخرون أيضاً، ولا يمكنكِ الغياب!".
أومأت ليف بالموافقة. ورغم أن فكرة طرأت ببالها بأن الماركيز قد يطلبها فجأة غداً، إلا أنها تجاهلت الاحتمال. في الحقيقة، لم تكن تريد مواجهته الآن، واعتبرت تلبية دعوة "بارون بيندينس" عذراً مقبولاً للتهرب منه.
كانت هذه أول مرة تحضر فيها ليف مأدبة عشاء في عزبة بيندينس.
"آنسة روديس، هل أعجبكِ الطعام؟"
"نعم، إنه لذيذ."
ابتسمت ليف بأدب، لكن عينيها كانت تلمح النافذة بقلق. لقد حل الظلام تماماً، وبدأت تشعر بالتوتر؛ فهي عادة ما تنهي دروسها قبل الغروب، وفي حالات العمل الإضافي كانت تعود بالعربة. لقد نسيت للحظة مدى وحشة الشوارع في الظلام.
«لقد تشتت انتباهي بالأشياء الخاطئة.»
ندمت قليلاً على قبول الدعوة، لكنها قررت أن تستأجر عربة عند عودتها لتجنب السير في الظلام.
لاحظت ليف أن المعلمين الموجودين تم اختيارهم بعناية، وكان معظمهم من عامة الشعب مثلها. وفي هذا السياق، كان وجود "كاميل" على الطاولة مثيراً للدهشة؛ فقد بدا وكأنه الأكثر قرباً من البارون وزوجته، رغم أنه كان آخر من تم توظيفه.
راقبت ليف كاميل وهو يتبادل النكات مع البارون. وعندما التقت أعينهما، رسم كاميل ابتسامة ودودة على وجهه، وبدا وكأنه يتوق للتحدث معها، لكنها شاحت بوجهها.
خطرت ليف فكرة: بما أن كاميل ضليع في الدوائر الاجتماعية، فماذا يعرف عن الماركيز؟ ربما لو سمعت عنه شائعات سيئة أو قصصاً عن علاقاته العابرة، سيساعدها ذلك في السيطرة على مشاعرها المتخبطة. سيكون من الأسهل عليها لو علمت أنه مجرد رجل يعبث بالآخرين، فقد سبق لها التعامل مع أمثاله.
قررت ليف أنها ستسأل كاميل بذكاء أثناء تناول التحلية. لكنها في أعماقها، لم تكن متأكدة مما إذا كانت تريد حقاً سماع تلك القصص، أم أنها تبحث عن شيء آخر تماماً.
**

تعليقات
إرسال تعليق