الفصل (43) Odalisque_جاريه
عندما شعرت "ليف" بنظرات أختها، وضعت "كوريدا" الشوكة التي كانت تمسكها ووقفت بارتباك.
"آه، سأذهب معكِ."
لكن ليف أدركت أن لقاء كوريدا بالماركيز مباشرة لم يكن فكرة صائبة؛ فالماركيز معروف ببروده وانعزاله. وإذا علمت كوريدا، التي لا تملك خبرة واسعة في شؤون النبلاء، أن رجلاً بهذا النفوذ قد قدم لها معروفاً شخصياً، فستجد الأمر غريباً بالتأكيد. علاوة على ذلك، لم يكن هناك سبب يدفع الماركيز لرؤية كوريدا بنفسه. هزت ليف رأسها دون تردد.
"لا داعي لذلك. هل ستكونين بخير بمفردكِ حتى أعود؟"
"هل أنتِ متأكدة أنني لا يجب أن ألقي عليه التحية؟"
تدخل فيليب بلطف من جانبهما محاولاً إقناع كوريدا: "لا بأس يا آنسة كوريدا". كما أومأ أدولف مشجعاً، طالباً منها ألا تشعر بأي عبء.
ترددت كوريدا قليلاً ثم قالت بحذر: "يمكنني البقاء وحدي، ولكن..."
حاول أدولف طمأنة ليف قائلاً: "لن يستغرق الأمر طويلاً. إذا كنتِ قلقة، يمكنني البقاء معها".
لم تظن ليف أن فيليب أو أدولف قد يلحقان الأذى بأختها، خاصة وأن كل شيء يتم بأوامر الماركيز؛ فإيذاء كوريدا يعني عصيان أوامره.
"سأعود قريباً يا كوريدا."
"نعم، لا تقلقي واذهبي."
حسناً، لنجعل هذا اللقاء سريعاً.
اتخذت ليف قرارها ونهضت، ولحسن الحظ، خصص أدولف خادماً لمرافقتها حتى لا تضل طريقها في القصر الشاسع. كان الماركيز في جناحه الخاص بالطابق العلوي.
كان واقفاً بجانب النافذة، يمسك بلفافة تبغ (سيجار) بين شفتيه، وخصلات الدخان تتصاعد لتخرج عبر النافذة المفتوحة.
"هل انتهى فحص شقيقتكِ؟"
"نعم، وبفضل كرمك، سار الأمر على ما يرام."
"الدكتورة جيرترود قد تكون حادة الطباع، لكن مهاراتها موثوقة. سمعتُ أنها لم ترد على تحيتكِ بشكل لائق؟"
يبدو أن أحدهم نقل له الخبر في حينه. وبما أنه هو من رشح طبيبته الخاصة، فمن الطبيعي أن يهتم بالتفاصيل. لم تتفاجأ ليف، بل أومأت وقالت بصوت خفيض: "لا بأس، طالما تلقت كوريدا الرعاية المناسبة".
لقد كانت تييري جادة جداً أثناء الفحص، ولم تكتفِ بتشخيص سريع، بل لاحظت أدق الأعراض، وبدلاً من سحب الدماء المفرط كما حدث في الماضي، اكتفت بوخزة بسيطة، وكانت تستأذن كوريدا قبل أي لمسة، مما خفف توترها كثيراً.
"هل سمعتِ نتائج الفحص؟"
"ليس بعد. قالت إن الأمر سيستغرق بعض الوقت لتأكيد بعض الأمور."
"أفهم ذلك. سأحرص على إبلاغكِ فور جهوزية النتائج."
وبينما بدأت ليف تشعر بالارتياح، جلبت كلمات الماركيز موجة جديدة من القلق؛ ماذا لو كان التشخيص سيئاً؟ ماذا لو كان الدواء السابق عديم الفائدة؟
طردت ليف هذه الأفكار السوداء، وشبكت يديها بقوة معبرة عن امتنانها: "شكراً لك. لقد ساعدتني كثيراً..."
"اجلسي."
قبل أن تنهي كلامها، أشار الماركيز نحو الأريكة. جلست ليف، وبسبب توترها، جعلت الوسائد تصدر صوتاً أعلى مما توقعت.
"قد يظن البعض أنكِ أنتِ المريضة."
احمر وجه ليف وردت بخجل: "لقد كان مجرد خطأ".
"لو لم أكن أعرف مدى شحوب وجهكِ الآن، لأريتكِ المرآة."
رفعت ليف رأسها، بينما بدأ الماركيز يتحرك ببطء. ألقى بلفافة التبغ نصف المحترقة في المنفضة، واقترب منها بحركة متأنية وهادئة، تماماً كما فعل حين سلمها المنديل من قبل.
"رائحة التبغ قد تساعد أحياناً على تهدئة الأعصاب."
أخذت ليف منه اللفافة بذهول وهي تنظر إليه بدهشة. وعندما التقت أعينهما، ارتبكت ونظرت بعيداً بسرعة. وضعتها بين شفتيها بحذر، وهي تشعر بملمسها غير المألوف، ثم أشعل الماركيز طرفها بعود ثقاب.
حدقت ليف في الشعلة الصغيرة المتراقصة، قبل أن تسحبها بعيداً فجأة بسبب حرارة حادة لسعت أنفها. بدأت تسعل بشدة وهي تغطي فمها، واغرورقت عيناها بالدموع من شدة السعال. ورغم معاناة ليف، ظلت اللفافة مشتعلة في يدها بنور أحمر خافت.
"آه، يبدو أن الأمر كان ثقيلاً عليكِ."
كان الماركيز يتوقع رد فعلها، وإلا فكيف يكون بهذا الهدوء؟ نظر إليها وهي محمرة الوجنتين وعيناها مبللتان، ثم أخذ اللفافة من يدها.
"إذاً، عليكِ التعلم أولاً."
وضع الماركيز اللفافة التي كانت في يد ليف للتو بين شفتيه، واستنشق الدخان ببراعة قبل أن يزفره. ثم مدت يده الحرة لتمسك بذقن ليف برقة، مما جعل أعينهما تلتقي.
كان دخان التبغ يلسع أنفها ويشوش رؤيتها، لكن تركيز ليف كان في مكان آخر تماماً؛ في ذلك الإحساس الغريب والمفاجئ الذي ضغط على شفتيها.
"……!"
اجتاحتها حرارة لم تشعر بها من قبل. كانت تلك اللحظة مليئة بالارتباك، وأغمضت ليف عينيها بقوة، فإغماض العينين جعل حواسها أكثر حدة. شعرت بلمساته الرقيقة والبطيئة التي جعلت كل تركيزها منصباً عليه، وشعرت برعشة تسري في عمودها الفقري.
خرجت منها تنهيدة خافتة، وكأنها كانت إشارة لتحول تلك اللمسة الرقيقة إلى قوة أكبر. دفعها الضغط للخلف حتى كادت تسقط، فتمسكت بقميص الماركيز غريزياً لتثبت نفسها. تجعد القماش في يدها، وعندها فقط خفت تلك القوة الطاغية.
انسحبت يده التي كانت تمسك بذقنها، وفتحت ليف عينيها المرتجفتين بصعوبة، لتجده يبتعد عنها ببطء ويعود لرباطة جأشه المعتادة. لم يتبقَ أثر لما حدث سوى تجعد بسيط في قميصه حيث كانت تتشبث به.
بحثت ليف عن أنفاسها وهي تحدق فيه بذهول، بينما قام هو بإطفاء ما تبقى من السيجار على الطاولة ببرود.
"أتساءل عما إذا كنتِ قد تعلمتِ الدرس جيداً."
ترك علامة سوداء مستديرة على الطاولة الثمينة، ثم أدار ظهره لليف تماماً. بدأت ليف تستجمع أفكارها المشتتة وتهمس: "...تعلمت، ماذا تقصد؟".
"كيفية التعامل مع الأنفاس في فمك."
مسح الماركيز شفتيه بمنديل، وعندما لاحظ تجعد قميصه، قطب حاجبيه لفترة وجيزة وسواه بيده، ثم أخرج من درج الطاولة شيئاً ما؛ كانت قطعة حلوى صغيرة مغلفة.
"لم يسبق لي أن علمتُ أحداً من قبل، لذا لا يمكنني الحكم على مدى فاعلية هذا الدرس."
وضع الحلوى المستديرة في يد ليف، وأمال رأسه قليلاً وهو ينظر إليها بابتسامة غلب عليها الغرور والجمال لدرجة أنها لم تستطع إبعاد نظرها عنه.
"لكنكِ مجتهدة، وأنا متأكد أنكِ ستتدربين."
أحكمت ليف قبضتها على الحلوى في يدها، وكأنها طوق نجاة يحميها من الغرق في هذا المستنقع الجذاب والخطير.
**

تعليقات
إرسال تعليق