الفصل (4) Sea Monster Stew,
## الفصل الرابع: الخديعة الكبرى وعينا الساحر القرمزيتان
التوى معصم القبطان «هاوك» بخفة وعفوية وكأنه كان يتوقع حركة الفتى، وقبض بقوة على أذن «كيزا» ساحباً إياها.
صاح هاوك مازحاً: "مجرد نجاحك في تفادي لكمتي لا يعني أنك نجوت من العقاب!"
تذمر كيزا بضيق: "آه! لقد أخبرتكَ مئات المرات ألا تمسكني من أذني!"
"لقد كنتُ أتساءل لِمَ تطوعتَ فجأة وبتلك الحماسة لتنظيف مقصورة القبطان... إذن كان مخططك هو التسلل وسرقة قلادة تلك الفتاة؟"
رد كيزا ببرود وهو ينفض يد القبطان عنه: "ألم تكن أنتَ مَن سلبها منها في المقام الأول؟ أنا فقط أعدتُ الأمانة لصاحبتها، ما الخطأ في ذلك؟"
ضحك القبطان هاوك وقرص خد كيزا قائلاً: "ومنذ متى أصبحتَ طيباً ورحيماً على غير عادتك؟ كل ما طلبته منك هو أن تبقي عينيك على الفتاة وتراقبها فحسب".
تذكر كيزا ملامح تلك الفتاة النحيلة التي كانت تحوم حوله بنفاد صبر وتوتر؛ شعرها الأشقر الأشعث، وجهها الشاحب المذعور، والطريقة التي كانت تشخص بها نحوه بعينيها الخضراوين الواسعتين رغم أنها كانت ترتجف خوفاً. ورغم أنها بدت مخلوقة صغيرة بائسة ومثيرة للشفقة، إلا أنها ذكرته بطريقة ما بشقيقته الصغرى المتوفاة؛ ولهذا السبب تحديداً ذهب وتطوع لجلي أرضية مقصورة القبطان. فرك كيزا يديه الخشنتين وأطلق صوتاً ساخراً: "تسميها آنسة صغيرة؟ إنها مجرد طفلة".
قهقه القبطان وعبث بشعر كيزا قائلاً: "إنها ليست صغيرة كما تظن أيها المشاكس؛ ففي موطنها بالإمبراطورية الهليومية، تعتبر في سن مثالية ومناسبة جداً للزواج".
اتسعت عينا كيزا بذهول: "أنت تعرف عمرها ومسقط رأسها أيضاً؟! رغم أنها مجرد عبدة قمنا بإنقاذها؟"
حرّك القبطان هاوك حاجبيه بمكر ودعابة، ثم سأله بجدية: "والآن أخبرني يا كيزا، ما هو انطباعك عنها؟"
"ماذا تقصد؟"
"هل بدت لك كوحش بحري متخفٍ في هيئة بشرية؟"
هز كيزا رأسه نافياً وهو يسير إلى جواره: "إنها بالتأكيد ليست وحشاً، ولكن... كان هناك شيء مريب وغريب بشأنها". لم تكن تفوح منها تلك الرائحة السمكية المقززة المميزة لوحوش البحر، لكن الفتاة الشقراء كانت تنضح بـ "اختلافٍ" غامض لم يستشعره في بقية العبيد الآخرين.
تأمل القبطان هاوك ملامح كيزا بتفكير لبرهة، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة وقال خبثاً: "لا تخبرني أنك وقعت في حبها؟"
*«أقع في حبها؟ تلك الطفلة القذرة؟ أنا؟»* تذكر كيزا مظهرها الأشعث وملامحها الضائعة، وأطلق سخرية تحدٍ: "هل جننت؟ وحده من يملك برغياً مفكوكاً في عقله قد يقع في حب طفلة تفوح منها رائحة المخاط".
ضحك القبطان من أعماق قلبه ولف ذراعه حول كتفي كيزا، ساحباً إياه نحو مقصورة القبطان وهمس له: "حسناً، مهمتك السرية تنتهي هنا. حان الوقت لتعود إلى هويتك الحقيقية... (كيزا سالخ الأحياء)".
"بهذه السرعة؟"
"انظر إلى هناك".
حيث أشار القبطان، كانت هناك شعب مرجانية حمراء صارخة تبرز من وسط المياه؛ وهي العلامة القاطعة على اقترابهم من أرخبيل جزر كاراباس. حدّق كيزا في الشعب المقتربة وغرق في تفكيره: "إذا اختفيتُ فجأة، ألن يرى ذلك الطفل الأمر غريباً؟"
ضحك القبطان وطبطب على كتفه: "ومنذ متى صرتَ تهتم بمشاعر الآخرين بينما أنت تجوب البحار وتسلخ الوحوش؟". لم يكن القبطان مخطئاً، فهز كيزا رأسه بصمت، وقام باستدعاء "جلد العملاق" السحري في الهواء.
تجسد جلد عملاق مسلوخ يرتدي درعاً أزرق داكناً على سطح السفينة، وبدا مهيباً وحياً؛ بظهر عريض ولحية سوداء طويلة. أطلق القبطان هاوك صفير إعجاب وهو يتفقد الجوف الفارغ لجسد العملاق وقال: "هذا الوجه مرعب ومقشعر مهما تكرر أمامي رؤيته".
أجاب كيزا: "لقد اخترتُ عملاقاً ذا ملامح مخيفة عمداً لأسلخ جلده". خطى كيزا إلى داخل جوف الجلد وأغلق الظهر بإحكام؛ وفي اللحظة ذاتها، انفتحت عينا العملاق واندبّت فيهما الحياة!
وتحدث كيزا بصوت العملاق الهادر: "آه... وأخيراً انتهت هذه المهمة المملة والمضنية". تمدد بجسد العملاق الجديد واتجه نحو مقصورته الخاصة وهو يدندن بنغمة مبهجة بعد أن بدأ وجه الفتاة الشقراء يتلاشى تدريجياً من مخيلته.
بعد مرور بضع ساعات، وصلت السفينة بالقرب من جزر كاراباس، لكن الفتى ذو الشعر الرمادي لم يظهر له أي أثر منذ أن سحبه القبطان.
وفي النهاية، قررت بيتشي البحث عنه بنفسها واستجمعت شجاعتها للصعود إلى سطح السفينة. كان القبطان هاوك يوجه البحارة لتفريغ البضائع، فاقتربت منه بحذر وقالت بخفوت: "عذراً... أيها القبطان؟"
التفت إليها مستغرباً: "همم؟ ما الأمر أيتها الآنسة الصغيرة؟"
"ذلك الفتى الذي أخذته معك بالأمس... إلى أين ذهب؟"
"آه، ذلك الفتى". أشار القبطان بطرف إصبعه نحو سفينة قراصنة أخرى تتبعهم من بعيد وتابع: "لقد نقلته إلى سفينة قائد آخر. وعلى الأرجح لن تريه مجدداً".
*«نقلته لسفينة أخرى؟ لماذا فجأة؟!»*. وبينما كانت على وشك طرح سيل من الأسئلة، اخترقت الأجواء صرخة ألم حادة وقاطعة من مكان قريب!
جز القبطان على أسنانه بضيق واستدار قائلاً: "ذلك الصعلوك... لقد تسبب في مصيبة أخيراً". التفتت بيتشي بغير وعي نحو مصدر الصوت، وسارعت بتغطية فمها بكلتا يديها بذعر؛ حيث كانت بركة من الدماء الحمراء القانية تتدفق وتنتشر بغزارة على سطح السفينة!
وفي وسط الدماء، كان يقبع وحش بحري ضخم ذو عنق طويل، وقد شُق جسده إلى نصفين! كان الوحش هائلاً لدرجة تمكنه من ابتلاع رجل بالغ دفعة واحدة. وبجانب بركة الدماء، كان يقف رجل بهيئة عملاق ضخم وبملامح مخيفة جداً وحاجبين أسودين معقودين بشر.
صاح القبطان به غاضباً: "كيزا! ما معنى هذا التصرف؟!"
أجاب العملاق ببرود وهو ينفض الدماء عن سيفه ويشير بذقنه نحو جثة الوحش: "هذا الشيء قضم ذراع المسؤول عن التوجيه وفصلها عن جسده يا قبطان".
ارتجفت بيتشي وهي تتأمل الجثة الهامدة، ولمحت قيداً حديدياً ضخماً ملفوفاً حول عنق الوحش؛ ويبدو أن القراصنة كانوا يبقون عليه حياً لمساعدتهم في نقل البضائع الشاقة. وتابع العملاق بنبرة جافة ولامبالية: "لا يمكننا إدخال ماشية عاصية وغير مطيعة إلى أرض كاراباس".
رمشت بيتشي بصدمة؛ فهذه كانت المرة الأولى في حياتها التي تشهد فيها عملية ذبح وحش بحري بهذه الوحشية والدموية. كان المشهد يفوق قدرتها على التحمل، فتجمد جسدها بالكامل من الرعب. وفي تلك اللحظة، التقت عيناها بعيني العملاق وهو يغمد سيفه؛ رمقها بنظرة جانبية خاطفة قبل أن يشيح بوجهه عنها فجأة مستديراً.
وبينما كانت تتأمل ظهره العريض الواسع بذهول، ترنح جسدها الصغير ومال إلى الجانب فاقدة توازنها. سارع القبطان بمد ذراعيه والتقاطها قبل أن تسقط مستنجداً: "مهلاً أيتها الآنسة! استعيدي وعيكِ! مهلاً!"، لكن بيتشي فقدت وعيها بالكامل وغرقت في ظلام دامس.
فتحت بيتشي عينيها ببطء لتجد نفسها مستلقية تحت غطاء دافئ ومريح. لف جسدها دفء لطيف، وكان أول ما رأته هو ألسنة اللهب تتمايل داخل مدفأة الغرفة. وعندما انتقلت بنظراتها نحو شاب يجلس بجوار المدفأة يقرأ كتاباً، كادت أنفاسها تتوقف من فرط المفاجأة والصدمة!
وفكرت بحذر وهي تسحب الغطاء حول جسدها وتنكمش: *«هل هو قرصان أيضاً؟...»*. كان الشاب وسيماً لدرجة لا تصدق ولا تليق بكونه قرصاناً؛ شعره الأسود الفاحم يلمع كالحرير، وعيناه القرمزيتان صافيتان ومتوقدتان كألسنة لهب تشتعل بشرر، وينضح مظهره بهالة غامضة وساحرة تبدو منفصلة تماماً عن عالم القراصنة الدموي.
أغلق الشاب كتابه وتحدث بصوت هادئ ورزين: "لقد استيقظتِ إذن". ورغم أن ملامحه كانت جامدة ولامبالية، إلا أن نبرته كانت ناعمة ولطيفة وكأنه يخاطب طفلة صغيرة.
تأملت بيتشي المكان بحذر؛ وبالإضافة إلى سريرها الأبيض، كانت هناك ثلاثة أو أربعة أسرة أخرى مصطفة، وسألت بخوف: "أين... أين أنا؟"
أجاب الشاب: "في المستوصف الطبي للسفينة". ثم مد يده ببطء ووضع أطراف أصابعه على جبهتها ليتفقد حرارتها؛ كانت يده باردة كالثلج، لكنها حملت قوة غريبة بعثت السكينة والهدوء في عقلها المذعور. وتابع: "لقد سمعتُ أنكِ فقدتِ الوعي بمجرد رؤية دماء الوحش، هل هذا صحيح؟"
هزت بيتشي رأسها بخفة، وتمكنت بصوت مبحوح من السؤال: "ولكن... مَن تكون أنت؟..."
وهنا اخترق صوت القبطان هاوك الأجواء قادماً من مكان قريب عند عتبة الباب، حيث كان يقف عاقداً ذراعيه يراقب بيتشي: "إنه الساحر المقيم لطاقم القراصنة، (هيلدرت). ورغم أنني لا أفهم حتى الآن كيف لساحر رفيع المستوى من أرض (ويتشوا) أن ينتهي به المطاف كقرصان في طاقمي!".
وجه هيلدرت حديثه لبيتشي متجاهلاً القبطان: "وجهكِ ما زال شاحباً؛ يجدر بكِ نيل قسط آخر من الراحة". ثم مد يده وبث طاقة باردة ومهدئة داخل عقل بيتشي، فرمقت القبطان بنظرات حذرة قبل أن تستسلم مجدداً لسلطان النوم وتغط في سبات عميق.
تأمل هيلدرت الفتاة المستغرقة في النوم، وعقله يعج بمشاعر مختلطة؛ فعندما اندفع القبطان إلى المستوصف وألقى بالفتاة هنا، شعر بعبثية وإنهاك شديدين وفكر بسخط: *«أن أقوم بـمداواة وعلاج مجرد عبدة وضيعة بيديّ هاتين!»*؛ وكان ذلك بمثابة تحطيم لكبرياء ساحر رفيع المستوى مثله.
عاتب القبطان هيلدرت وهو يتأمل الفتاة النائمة: "توقف عن مخاطبتها وكأنها طفلة صغيرة؛ فهذه الآنسة تبلغ من العمر سبعة عشر عاماً، أي أنها امرأة بالغة".
تفحص هيلدرت وجه الفتاة بعينين متفاجئتين؛ فوجهها الطفولي الممتلئ وبنيتها الصغيرة لم توحِ أبداً بأنها في السابعة عشرة من عمرها. وتابع القبطان: "بالمناسبة، ألم تقل لي سابقاً إنك بحاجة إلى مساعد بشري؟ ما رأيك بهذه الآنسة؟ تبدو مثالية لتكون مساعدة لك".
أعاد هيلدرت النظر إلى الفتاة بناءً على كلمات القبطان، وعقد حاجبيه بتفكير قبل أن ترتسم على وجهه ملامح الحيرة والذهول؛ فقد استشعر طاقة سحرية شاذة وفريدة من نوعها تتسرب ببطء من جسد الفتاة الصغير... إنها لم تكن طاقة بشرية على الإطلاق!
لقد كانت بوضوح تلك الطاقة السحرية السمكية المميزة لـ "وحوش البحر"—شيء أمضى سنوات طويلة في دراسته، ولم يكف يوماً عن مَقته وازدرائه.
وفكر بصدمة: *«... إنها هجينة ونصف وحش فوق كل هذا!»*. كمش أنفه اشمئزازاً وكأنه استنشق رائحة سمك متعفن، واختفت نظرة اللين السابقة ليحل محلها برود واحتقار شديد في عينيه القرمزيتين.
سأل القبطان بنبرة غامضة: "هذه الطفلة... هل أنت متأكد تماماً أنها بشرية عادية؟"
أجاب القبطان بثقة وهو يمرر إصبعه على عنقه بحركة الذبح: "لو كانت وحشاً بحرياً، لكان كيزا قد فصل رأسها عن جسدها سلفاً. لقد تعمدتُ وضع كيزا إلى جوارها، وبقاء رأسها معلقاً في جسدها حتى الآن هو الدليل القاطع على أنها بشرية عادية تماماً".
كانت الطاقة السحرية التي تنبعث من الفتاة ضئيلة وضغيفة للغاية، وكان من الطبيعي ألا يستشعرها كيزا الذي لم يتعلم أصول السحر قط.
واشتعلت في عقل الساحر فكرة خبيثة: *«هجينة لم ينتبه لوجودها حتى (كيزا سالخ الأحياء)... ستكون عينة مثالية وائعة للتجارب والبحوث السحرية!»*.
تبددت كل مشاعر الشفقة الضعيفة من قلبه، واتخذ هيلدرت قراراً بارداً وهز رأسه موافقاً: "حسناً يا قبطان، سآخذ هذه الطفلة كمساعدة لي". وارتسمت ابتسامة خافتة على شفتيه وهو يدثر الفتاة بالغطاء؛ ابتسامة تمازج فيها الاحتقار المبطن مع فضول العلم القاتل!

تعليقات
إرسال تعليق