الفصل (4) سوء حظي هو أنني أحببتك - The Misfortune of Loving You,
## **الفصل الرابع**
"لا تأكل؟"
ارتفع حاجبا روان استنكاراً لما سمعه. وأضاف سيلفر، مفسراً حالة الذهول التي بدت على قائده:
"نعم سيدي. لم تشرب سوى الماء منذ أيام. تقول مربيتها إنها قد ترغب ببعض الفاكهة.."
"يكفي."
قاطع روان كلمات سيلفر بحدة؛ لم يكن الأمر يستحق سماع المزيد.
من المؤكد أنها تشتهي تلك الفواكه التي تطلبها المرأة عندما تفقد شهيتها؛ رمان أو عنب، وهي أصناف غير متوفرة في هذا الوقت من العام. شعر بالضيق لامتلاكه ذاكرة عديمة الفائدة كهذه تحفظ تفاصيلها، لكن ليس هذا هو المهم؛ بل تلك المرأة التي تملك الجرأة للتذمر من وضعها الحالي.
«كنتُ أعلم أنكِ لن تنكسري بسهولة.»
كانت الجوهرة الثمينة للكونت إيبرن، وكان دلالها واضحاً للقاصي والداني، بل ألم يختبره هو بنفسه؟ ومع ذلك، هناك حدود لجهل المرء بمكانته. كان مخطئاً عندما ظن أن الأمر سينتهي بسرعة، كان عليه تقويم تلك العادات لكي لا تعود لغطرسها مجدداً.
"أين هي الآن؟"
سأل روان بعد لحظة تفكير. إذا كان قد ارتكب خطأً، فيمكنه تصحيحه الآن.
كانت ديلنيا تجلس على أرضية عربة متهالكة.
العربة الجديدة التي أُحضرت من بيلفورت كانت مريحة ونظيفة، لكنها ضيقة من الداخل؛ لم يكن فيها متسع لماريان وصوفي معاً. لذا، آثرت ديلنيا التنازل عن العربة الجديدة لوالدتها ومربيتها، وقررت السفر وحيدة في العربة القديمة.
كانت الأرضية الخشبية المتآكلة تصدر صريراً لا ينقطع، لكن ديلنيا ظلت جالسة بوقار واستقامة وكأنها تجلس على أريكة مخملية في صالون قصرها. لم يكن يراها أحد، لكن ذلك لم يمنعها من الحفاظ على كبريائها، تماماً كما حافظت على نظافتها بمسح جسدها بمنديل مبلل من حصتها اليومية من ماء الشرب. بالنسبة لها، كانت هذه التفاصيل الصغيرة هي الوسيلة الوحيدة للحفاظ على ما تبقى من كرامتها.
«تُرى ماذا سيحدث عندما نصل للعاصمة؟»
فكرت بقلق وهي تجلس بتصلب. عائلة إيبرن ليست من العائلات المرموقة، لكنها غارقة في التاريخ والتقاليد؛ فقد دافع أجدادها عن بيلفورت منذ عهد الإمبراطور الأول. والآن، وفي لحظة واحدة، أصبح مستقبلهم كشعلة شمعة في مهب الريح.
«لا يمكنني وضع خطة دون معرفة التفاصيل.»
ازدادت الأسئلة في رأسها، حتى قطع حبل أفكارها طرقة على باب العربة.
"هذا سيلفر دييب. هل لديكِ لحظة؟"
"نعم."
أجابت ديلنيا وهي ترتب شعرها بيدها، وانفتح الباب بعدها بلحظة.
"ما الأمر؟"
"الرائد بارتيز يريد رؤيتكِ."
".... الرائد بارتيز؟"
كررت ديلنيا الاسم وهي لا تكاد تصدق أذنيها. لم تره منذ أن أحضر العربة الجديدة، ويرجع ذلك جزئياً لتجنبها الخروج، لكن روان أيضاً لم يظهر في محيطها. والآن، فجأة، يطلب رؤيتها.. ماذا يريد؟
"حسناً."
ترددت للحظة، لكنها لم تكن في موقف يسمح لها بالرفض، فنهضت واقفة. وما إن خرجت من العربة ووضعت قدميها على الأرض حتى شعرت بدوار شديد ودار العالم من حولها. تمايلت بجسدها دون سيطرة، فأسرع سيلفر ليمسك بذراعها.
"هل أنتِ بخير؟"
"نعم، أنا بخير."
ابتسمت ديلنيا بخجل وسحبت ذراعها برفق. شعرت بالإحراج رغم الموقف، أو ربما بسببه. تراجعت سيلفر بأدب، فشدت ديلنيا على أسنانها وثبتت قدميها وسارت في عتمة الليل.
"من هنا."
بشكل غير متوقع، توقف سيلفر عند صومعة غلال بعيدة عن مكان تجمع الجنود. نظرت ديلنيا حولها بحيرة؛ فقد كانت تتوقع الذهاب لثكنات الضباط.
"هل الرائد بارتيز هنا؟"
"نعم، إنه ينتظركِ بالداخل."
فتح سيلفر لها باب المستودع وبقي بالخارج. تصبب العرق البارد من كفيها عند فكرة البقاء وحيدة مع روان. أخذت نفساً عميقاً لتهدئة نبضات قلبها ومضت للداخل.
هاجمتها رائحة العشب الجاف، وانغلق الباب خلفها بعنف. كان الظلام في الداخل أشد منه في الخارج، والضوء الوحيد المنبعث كان من مصباح يخفت في أقصى الزاوية. كان روان يجلس باستقامة فوق كومة من القش. الظلال التي رسمتها ملامحه الحادة أعطته مظهراً منحلاً؛ لو لم يكن يرتدي ذلك الزي العسكري، لبدا وكأنه ابن عائلة ثرية مستهتر يغوي فتيات القرية بجماله.
"...."
"...."
تباطأت خطوات ديلنيا وهي تحاول إخفاء توترها. لم يحِد روان بنظره عنها للحظة، وكانت عيناه الزرقاوات تلمعان بشكل مرعب تحت الضوء الأحمر.
"لقد استدعيتني أيها الرائد."
كانت هي من بادر بالكلام بعد أن توقفت على مسافة منه. لكنه ظل يحدق بها دون رد.
"الرائد بارتيز؟"
لم تحتمل نظراته القاسية، فحثته على الكلام مجدداً. قطب روان حاجبيه وقال أخيراً:
"يقولون إنكِ لا تأكلين."
"ماذا؟"
"مساعدي قلق لأنكِ لم تلمسي الطعام منذ مغادرتنا بيلفورت."
"آه.........."
زفرت ديلنيا تنهيدة ضحلة؛ لقد أدركت الآن سبب استدعائه لها. لم يكن الأمر متعقداً؛ في البداية حاولت الأكل تقديراً للجنود، لكنها لم تستطع الابتلاع، فتوقفت تماماً. لكن، هل يستحق تخطي بضع وجبات تحركاً من "الرائد"؟
"هل ستشتكين لي لأننا لم نوفر طعاماً يناسب ذوقكِ الرفيع؟"
كان صوته حاداً كالسوط. سارعت ديلنيا بالنفي: "لا، أنا فقط.."
"أم أن هذه مجرد واحدة من عاداتكِ القبيحة، حيث تمتنعين عن الطعام كلما شعرتِ بالانزعاج من شيء ما؟"
انحبست الأنفاس في حنجرة ديلنيا، وبدأت عيناها تهتزان بجنون رغم محاولتها الثبات. التوت شفتا روان بسخرية وهو يراقب رد فعلها.
"يا آنستي (My Lady)."
أعادها ذلك اللقب الساخر إلى الماضي فوراً. أمام روان، لم تكن تملك أي قوة للمقاومة.. تماماً كما كانت دائماً.
«آنستي.. لقد عاد الكونت.»
كان ذلك اليوم الذي عاد فيه الكونت لقلعة بيلفورت بعد غياب طويل. خرجت ديلنيا لاستقباله، وكان هناك أطفال غرباء. لم يكن من المعتاد وجود أطفال في القلعة؛ فالكونتيسة الضعيفة كانت تكره صراخ الصغار، حتى إنها جعلت غرفة ابنتها في ملحق منفصل. لم يستغرق الأمر طويلاً حتى سُحرت ديلنيا بأول أطفال من عمرها تكل عيناها عليهم، خاصة ذلك الصبي الذي كان يمسك يد أخته الصغيرة بقوة رغم مظهره الرث.
بينما كانت تحدق بذهول، شعر الصبي بنظراتها ورفع رأسه. وفي اللحظة التي التقت فيها عيناهما، عرفت ديلنيا ما ستفعله.
«أوه، آنستي!»
لم تكن تعرف حتى الآن ما الذي كان يدور في ذهنها حينها، كل ما عرفته هو أن حرارة مجهولة سرت في جسدها، فركضت متخلية عن وقارها وكأن شيئاً ما يسيطر عليها.
«أعطني هذا الطفل.»
للمرة الأولى والأخيرة، قدمت طلباً للكونت. كادت تفقد شجاعتها عندما نظر إليها والدها بحدة، لكنها لم تتراجع. وهكذا حصلت عليه.. حصلت على "روان الخاص بها".
لكن روان كان خادماً لم يكن ودوداً على الإطلاق مع سيدته. قال البعض إنه أصبح مدللاً بسبب اهتمامها الزائد، وأنه يحتاج للعقاب لكسر عناده. وديلنيا، بدورها، كانت أحياناً قاسية مع ذلك الصبي الذي لم يفتح لها قلبه قط.
لكن ليس دائماً.
في معظم الأوقات، كانت تريد حمايته، وإعطاءه الأفضل فقط، لرؤية وجهه العبوس يشرق، وهو الذي لم يكن يبتسم أبداً.
"ما هذا؟"
روان، الذي لم يفهم مشاعرها، كان يعاملها فقط من باب الواجب. ومع ذلك، كانت هناك لحظات يرتخي فيها قفل قلبه رغماً عنه..
**

تعليقات
إرسال تعليق