الفصل (4) !Get to Work ..Prince | أنجِز عملك..أيها الأمير!,
## الفصل الرابع: المساعدة، ريناتا
كان النبلاء يجلسون في صفوف منتظمة، بوضعيات جامدة توحي بالوقار، لكن مقعداً واحداً ظل فارغاً بشكل ملفت للانتباه. إنه المقعد الأهم؛ الكرسي الذي يشبه العرش في رأس الطاولة. رفعت ريناتا بصرها ببطء، لتجد الرجل الذي سحب الستارة قبل لحظات يقف في ضوء خافت، وهو نفسه من كان يشغل ذلك المقعد العظيم.
قال ثيودور بصوت منخفض ومحسوب: "لقد قررت تغيير الخطة. سأحضر مهرجان الصيد بعد كل شيء. لقد أصبح الأمر لا يقبل الجدل، فأخي قد ضل طريقه بعيداً جداً."
ذلك الوجه الذي تراه كل يوم، الوجه المحفور في ذاكرتها لدرجة استحالة نسيانه.
أضاف ثيودور: "من أجل المستقبل.. حان الوقت لأتوقف عن لعب دور الأمير المتبذل. حان الوقت لأهتم بسمعتي.. بالطريقة الصحيحة."
عندما التقت عيناهما، أدركت ريناتا الحقيقة بوضوح غريزي قاسٍ. ذلك القناع الذي ارتداه بسهولة -قناع الابن الثاني المدلل والمستهتر- لم يكن سوى تمثيل بارع. فمن تحته يكمن رجل وُلد ليحكم، رجل يبدو غروره طبيعياً كالتنفس، رجل يضغط حضوره على الهواء كالمخمل الملكي الملتف حول الفولاذ.
وبينما كانت متجمدة في مكانها، قطع ثيودور المسافة بينهما، وتوقف على بعد بوصات فقط. ثم التفت قليلاً نحو الحاضرين وقال: "وهذه.. هي الشخص الذي سيساعد في ترجيح كفتنا. مساعدتي المخلصة التي لا غنى عنها.. السيدة ريناتا هاينزبرون. ابنة سلالة الخيمياء القديمة التي ظلت لقرون تعلم وترشد دماء العائلة المالكة."
مرت موجة من الصدمة بين النبلاء؛ بعض الوجوه شحبت، وبعضها تضايقت عيونهم في ريبة، بينما ارتدت وجوه أخرى ابتسامات ترحيب متكلفة. ثقل النظرات سحق ريناتا، فتراجعت غريزياً خطوة للوراء.
رفع ثيودور إصبعه، وبحركة كسولة واحدة من يده، أطاعته الغرفة بأكملها. ساد صمت مطبق وفوري، فنهض النبلاء وغادروا، وتلاشت أصوات خطواتهم حتى انغلقت الأبواب الثقيلة بصوت خافت. أصبح الصالون تحت الأرض خالياً تماماً إلا منهما.
أصبح الهواء أكثر ثقلاً ودفئاً، وشعرت ريناتا بأنه حميمي بشكل خطير. التفت ثيودور نحوها بالكامل، وخفض صوته لنبرة خاصة لم تكن موجهة إلا لها: "ريناتا.. هل أنتِ بخير؟"
كانت عيناه تبحثان في عينيها بلطف مربك، بينما كانت يده التي أمرت للتو قاعة كاملة من الأرستقراطيين تحوم قرب وجنتها؛ مترددة، وكأنه يخشى أن تتهشم إذا لمسها بشكل خاطئ. حتى في تلك اللحظة، كان التيار الخفي بينهما ينبض بشيء خام، غير مسمى، وأقوى من أن يتم تجاهله. كانت تشعر بحرارة جسده وسماع إيقاع أنفاسه غير المنتظم، وعرفت أنه ينتظر.. ليس جواباً، بل إذناً.
أزاح ثيودور يده ببطء عن كتفها، متتبعاً مساراً مقصوداً حتى أطبقت أصابعه -برفق لكن بحزم- حول ساعدها. رغم أنها لاحظت السؤال في عينيه: "هل أنتِ مرعوبة؟"، إلا أنها لم تستطع إلا التحديق في المكان الذي يمسكها فيه؛ في أصابعه الطويلة الملفوفة حول كم ثوبها، وفي الدفء المتسرب من القماش إلى جلدها.
في الواقع، كانت تتجاوز مرحلة "الرعب". كان جسدها متصلباً كتمثال، وعقلها في حالة تشتت عنيف نتيجة اكتشاف حقيقته، ونشاط ولي العهد المشبوه، وحقيقة هويتها التي انكشفت بهذه السهولة.
قالت بصوت صغير ومضغوط: "لحظة واحدة فقط، أرجوك."
أطلق سراحها فوراً وتراجع رافعاً كلتا يديه في استسلام علني: "خذي كل الوقت الذي تحتاجينه. تنفسي."
كانت هذه الإيماءة مألوفة لدرجة مؤلمة. كانت تعرف هذا الرجل، تعرفه حقاً، لفترة أطول مما اعترفت لنفسها.
وعندما رفعت رأسها مجدداً، كانت نظراته تنتظرها؛ ثابتة، صبورة، وعميقة بشكل مستحيل.
سأل: "هل نجلس؟"
لقد اختفت نبرة الأمير المدلل التي اعتادت توبيخه عليها، وحل محلها صوت محفور من سلطة هادئة؛ صوت شخص لم يحتج يوماً لرفع نبرته ليأمر بالطاعة.
سحبت ريناتا كرسياً بيديها المرتجفتين، وجلست، وحاولت -بفشل- إخفاء تشابك أصابعها في حجرها. راقب ثيودور كل حركاتها بتركيز مزعج، ثم زفر نفساً قصيراً وضغط بإصبعين على صدغيه وكأنه يعاني من بداية صداع.
فتح شفتاه ثم أطبقهما، وكأنه يزن كل كلمة ممكنة. أخيراً، عقد ذراعيه ببطء ورفع كتفاً واحداً في تلك الهزّة المألوفة للمشاكسين، وكأن حركته تقول: "اسأليني عن أي شيء.. أي شيء تريدين معرفته."
كان يعود بذكاء إلى قناع "الأمير المتبذل" ليخفف التوتر الخانق بينهما. فكرت ريناتا: *إنه يحسب خطواته بشكل مخيف.*
قالت بصوت بالكاد يُسمع: "كل ما أظهرته لنا حتى الآن.. الكسل، المشاكسة، اللامبالاة.. هل كان كله تمثيلاً؟"
أمال ثيودور رأسه متأملاً: "إذا كان علينا تقسيم الأمر بوضوح إلى حقائق وأكاذيب، فنعم، هو أقرب للكذب."
سألت: "لكن لماذا؟"
توقفت عن الكلام، فالحلق غصّ بالبقية. لماذا بذل كل هذا الجهد؟ لماذا الاختباء؟ لماذا جعل الجميع يصدقون أنه شخص مختلف؟
قال ثيودور ونظراته لا تزيغ عنها: "في البداية.. كان الأمر حقيقياً. كنت أرغب حقاً أن يعتلي أخي العرش، لذا كانت كل تصرفاتي المتهورة إشارة متعمدة: 'أنا أتخلى عن أي مطالبة، أنا أبتعد'."
توقف قليلاً، ثم أضاف: "ثم تجاوز أخي خطوطاً لم أستطع تجاهلها. كأمير، لم يعد بإمكاني الوقوف مكتوف الأيدي. وكان جزء من الأمر عملياً؛ احتجت لبناء قاعدة قوتي الخاصة.. بهدوء، بعيداً عن عينيه."
المنطق كان شفافاً ومؤلماً. ولي عهد يرتكب جرائم خفية، وأخ أصغر يجمع القوة سراً لمواجهته. كان هذا يعني: *إنه ينوي عزل ولي العهد.. والاستيلاء على العرش بنفسه.*
خيانة. كانت الكلمة تدق في رأسها كنصل جلاد.
سألت ريناتا: "مع ذلك.. بذلت مجهوداً كبيراً مع السيدة برينمان. الرسائل، الهدايا، الملاحقة العلنية.. لم يكن أي من ذلك حقيقياً أيضاً؟"
ضحك ثيودور بمرارة: "آه، برينمان. بدأ الأمر كاستطلاع؛ الاقتراب منها بما يكفي لتأكيد تواطؤ عائلتها مع أخي. لكن بعدها.. كان أخي يتفاعل بشكل مذهل كلما اعتقد أنني قد أسرق شيئاً يعتبره ملكاً له. كانت غيرته مفيدة.. لذا تركت الأمر يستمر أكثر من اللازم."
حدقت فيه ريناتا بينما تجمعت القطع في رأسها بوضوح مهين. كل تلك المرات التي ألقى فيها المهام عليها: "ريناتا، أنتِ تكتبين رسائل حب أفضل مما أستطيع"، "اختاري شيئاً جميلاً لبرينمان".. ثم فقدانه للاهتمام فوراً.
خفف نظراته وقال ضاحكاً: "لقد جعلتك تعانين من ذلك حقاً، أليس كذلك؟ آسف."
سألت ريناتا في النهاية، بالسؤال الذي كان يلح عليها: "هويتي.. متى عرفتَ أول مرة؟"
تأملها ثيودور لنبضة قلب طويلة، ثم ارتسمت ابتسامة بطيئة على طرف شفتيه: "ممم.. منذ البداية؟"
هبطت الكلمات برقة، لكنها كانت كعود ثقاب أُشعل في كومة قش. *منذ البداية.* كل ردودها اللاذعة، كل تنهيداتها، كل رسالة كتبتها باسمه.. كان يراها. يراها كلها.
أدركت ريناتا الحقيقة وهي تشتعل خجلاً: لقد عرف بالضبط من تكون، وما تحمله في دمائها، وما يمثله اسم عائلتها.. ومع ذلك أبقاها قريبة. جعلها تقف بجانبه. لمس كتفها، ذراعها، حياتها.. بعناية بدت الآن مقصودة بشكل مرعب.
جلس ثيودور على حافة الطاولة بجانب كرسيها مباشرة—بشكل غير رسمي، وكأن المكان ملكه دائماً—ورسم تلك الابتسامة المائلة التي تجعل عقلها يضطرب. كانت قريبة جداً.
حاولت ريناتا تحريك كرسيها للخلف، لكن ثيودور مد ساقه بسلاسة، وعلّق حذاءه بحافة الكرسي ليوقفه بسهولة مستفزة.
ضحك ضحكة خافتة: "ما زلتِ تحاولين الهروب؟"
استجمعت ريناتا رباطة جأشها وقالت: "عندما تقول 'منذ البداية'.. أي لحظة تقصد بالضبط؟"
أجاب: "أتعتقدين حقاً أن أميراً يخطط لثلاث خطوات أمام الجميع سيسمح لأحد بدخول دائرته الداخلية دون أن يقلب كل حجر في تاريخه؟"
تجاهلت ريناتا السخرية وقالت: "وسواء حققت في أمري قبل أربعة أشهر.. أو كنت تراقبني بصمت قبل ذلك بكثير.."
خفض صوته وأصبح أكثر حميمية: "الشيء الوحيد المهم هو هذا: لم أستخدم يوماً تلك المعرفة لأؤذيكِ."
كانت الكلمات صادقة بشكل مدمر. كان بإمكانه فضحها، تدميرها، التخلص منها. بدلاً من ذلك، منذ اليوم الأول، عرف أنها خيميائية ومع ذلك فعل.. وأعطاها أدوية سرية عندما كانت تحتاج، ووافق بهدوء على إجازاتها لرعاية أختها، ولم ينبس ببنت شفة لأحد.
قالت وهي تدرك الحقيقة ببرود: "لقد قللت من تقديرك. بشكل فادح."
فهمت الآن أنه لا يتحمل وجودها فحسب.. بل يختارها.
أضاف ثيودور بصوت لين: "لقد قلتِها مسبقاً. عائلة هاينزبرون علمت الملوك لأجيال. عندما كان والدكِ معلمي.. لم يتوقف عن الحديث عنكِ. 'ريناتا حلت هذه المعادلة قبل الثانية عشرة'، 'ريناتا تقرأ نصوص الخيمياء كما تقرأ الفتيات روايات الحب'، 'ريناتا لديها عقل أحدّ من أي نصل في مخزن الأسلحة الملكي'."
أطلق ضحكة خفيفة: "ظننت أنه يبالغ. ثم التقيت بكِ. في اللحظة التي دخلتِ فيها مكتبي في ذلك الصباح.. ذقنكِ مرفوعة، كتفاكِ مشدودتان، تحاولين جاهدة أن تبدي مهنية.. عرفتُ. عرفتُ بالضبط من أنتِ."
شعرت ريناتا بغصة. ظنت أن قناعها لا تشوبه شائبة، بينما كان هو يرى من خلاله بوضوح. ليس بشك، ولا بحسابات، بل باعتراف.. وشيء قريب جداً من المودة.
كان الصمت في الغرفة مليئاً بشيء دافئ، يجعل نبضها يضطرب وأنفاسها تنقطع كلما طالت نظراته لشفتيها.
قال ثيودور: "الخيميائية الأكثر قابلية للحب في العالم."
هذه كانت كلمات والدها. رددها ثيودور الآن بصوته المنخفض والمرح، وكأنها سر كان يختزنه طوال هذا الوقت.
قالت وهي تضغط على شفتيها: "هذا.. ليس دقيقاً تماماً."
أجاب ببهجة خبيثة: "يعني أن جزء 'قابلة للحب' لا يزال قائماً؟"
ردت بخجل: "هذا التوصيف مبالغ فيه.. لكن.. نعم. أفترض أنه كذلك."
انحنت بانحناءة رسمية وباردة وقالت: "شكراً لك.. على ردك الكريم على قلة أدبي السابقة."
أدركت أن الرجل أمامها ليس الأمير المستهتر الذي ظنت أنها تستطيع إدارته. إنه كفء بشكل مرعب، يمتلك كل مقومات الملك.. وتحت تلك الكفاءة يكمن نفس الطبع المتمرد الذي عرفته دائماً، لكنه الآن صُقل ليصبح سلاحاً فتاكاً.
قالت: "علاوة على ذلك.. كل ما سمعته وشهدته اليوم، سأنساه. تماماً. سأغادر بهدوء. وأرجو منك يا صاحب السمو.. أن تنساني أيضاً."
أطلق ثيودور ضحكة خفيفة: "تهربين مجدداً؟"
نهض من حافة الطاولة، وقطع طريقها بذكاء وكأنه توقع كل مقطع من كلماتها. وضع يده على ظهر كرسيها، مما جعلها محاصرة.
قال بصوت مخملي خطير: "فكري جيداً يا ريناتا. الآن بعد أن عرفتِ حقيقتي.. هل تعتقدين بصدق أنني سأسمح لكِ بالخروج من هنا بسهولة؟"
حاولت التحرك جانبياً، فقام بتقليد حركتها دون استعجال، مغلقاً كل طرق الهروب.
أضاف بنبرة أكثر حناناً: "لقد سمعتِ بنفسكِ. الخيميائيون يختفون. الواحد تلو الآخر. ومن يقف خلف الأمر.. سيأتون لأجلكِ أيضاً. عاجلاً أم آجلاً."
تلاشت المسافة بينهما، ولم يعد يفصل بينهما إلا دفء جسده ونظراته التي لم تكن ترمش. كان قريباً جداً لدرجة أنها شعرت بوهج الحرارة المنبعث منه.. وبدأت أنفاسها تضيق.

تعليقات
إرسال تعليق