الفصل (39) الزنزانة رقم خمسة عشر
## **سأكون الزوجة المثالية هذه المرة**
**الفصل التاسع والثلاثون: الزنزانة رقم خمسة عشر**
كانت جفونها تبدو كأثقال من الرصاص، انفتحت ببطء لتكشف عن عالم منكسر بسبب ألم نابض وإيقاعي خلف صدغيها.
وبينما كانت تجبر نفسها على الاعتدال، بدأت المشاهد القاسية لعنف الليلة الماضية تتضح في مخيلتها. كانت الغرفة مقبرة للذكريات والزجاج؛ شظايا بلورية تناثرت على الأرض مثل نجوم ساقطة، تلمع ببرود في الضوء الخافت.
همست بصوت جاف متهدج وسط الصمت: "آه، لقد نسيت أنني نمت هنا."
لسعة حادة وحارقة سرت في كف يدها. نظرت للأسفل، لتجد قطعة مدببة من زجاجة مكسورة مغروسة بعمق في لحمها. لم تلاحظ عنق القارورة الحاد الكامن تحت ثقل جسدها؛ لو انتظرت ثانية أخرى، أو زاد ضغط جسدها قليلاً، لكان الزجاج قد اخترق العضلات والأوتار معاً.
بدأ الحرير القرمزي (الدم) يتدفق من الجرح بنبض مستمر جعل رأسها يصاب بدوار مفاجئ. بأطراف مثقلة، سحبت نفسها نحو الخزانة، كانت حركاتها منفصلة عن الواقع، تكاد تكون آلية.
أخرجت لفة من الشاش ولفّتها بإهمال حول يدها—ضمادة طائشة لجرح متهور. تلون القماش الأبيض باللون الداكن فوراً، لكن التدفق الغزير تباطأ ليصبح نزيفاً طفيفاً.
مدت يدها داخل ظلال الخزانة، لتنغلق أصابعها حول حقنة مملوءة بسائل عنبري غامض. وبيدها الأخرى، خطفت زجاجة نبيذ نصف فارغة، وسكبت السائل في كأس بلا مبالاة معهودة.
عبرت الغرفة واتكأت على إطار باب الحمام البارد. وقعت نظرتها على الهيئة المنكمشة على الأرض؛ "إيزابيل لوكرون" كانت ظلاً لنفسها السابقة، مقيدة ومحطمة في الزاوية.
تمتمت أوليفيا بضحكة مجروحة هربت من حنجرتها: "إيزابيل لوكرون، أتعلمين؟ تبدين مثيرة للشفقة تماماً."
رفعت إيزابيل رأسها، وبدأ ضباب سموم الليلة الماضية يتلاشى أخيراً من عينيها. ورغم قيودها، كانت نظراتها تحترق بنار حارقة متمردة. نظرت إلى الضمادة الملطخة بالدماء على يد آسرتها، وردت عليها بنفس نبرة السخرية:
"لستُ متأكدة أي منا هي الأكثر إثارة للشفقة،" بصقت إيزابيل بالكلمات. "أنا وسط هذه الحبال، أم أنتِ... وأنتِ تنزفين مثل حيوان جريح."
أجابت المرأة بصوت انخفض إلى مستوى خطير: "لا تزالين سليطة اللسان، حتى وأنتِ على أعتاب الموت."
أطلقت إيزابيل قهقهة جوفاء ساخرة: "هاها! إذن، هل جاء "حاصد الأرواح" أخيراً ليقبض روحي؟ هل هذا ما يحدث؟"
"لو أردتُ موتكِ يا إيزابيل، لكنتِ الآن طعاماً للديدان تحت التراب."
"إذن ماذا تريدين مني؟"
لم تجب المرأة. وبدلاً من ذلك، عبرت المساحة الصغيرة وجلست على الأرض بجانب سجينتها. كانت حركاتها مفترسة لكنها مجهدة. بيد واحدة، ضغطت بقوة على عنق إيزابيل، مثبتة إياها على البلاط، بينما كانت اليد الأخرى تشهر الإبرة اللامعة.
صرخت إيزابيل وهي تتخبط ضد قيودها بينما تحوم الإبرة فوق جلدها: "هيي! ماذا تفعلين؟ توقفي!"
ودون ذرة تردد أو كلمة مواساة، غرزت الإبرة في وريد إيزابيل.
هسست أوليفيا بينما كان وجهها على بعد إنشات من الأخرى: "ششش، اصمتي لمرة واحدة. أنتِ تصرخين دائماً، ستفجرين طبلة أذني."
أنهت الحقن وسحبت الإبرة بحدة عنيفة، وألقتها جانباً. وبينما كانت إيزابيل تلهث وترتجف من الصدمة، أخذت المرأة رشفة طويلة وبطيئة من نبيذها.
تنهدت وهي تحدق في السقف: "لا تتصرفي كالمجنونة. إنه مجرد الترياق. لم أخطط أبداً لإبقائكِ هنا طويلاً على أي حال."
بصقت إيزابيل بينما كان الترياق يحرق عروقها مثل نار سائلة: "ماذا؟ هل نبت لكِ قلب فجأة؟" انكمشت إيزابيل من الألم، حيث كان موضع الحقنة ينبض بحرارة ملحة.
أخذت أوليفيا رشفة بطيئة ومنتظمة، وعيناها مغطاة بغطاء من الغموض، وكأنها تزن ما إذا كانت إيزابيل تستحق الأنفاس التي ستستهلكها للحديث. ثم، بصوت بدا وكأنه ينجرف من مسافة بعيدة وجوفاء، همست:
"كما قال ماتياس، أنتم عائلة. ولن يبدو الأمر جيداً في حقي إذا حدث لكِ شيء... ."
ساد صمت ثقيل بينهما، مثقل برائحة النحاس والكحول الرخيص.
أضافت أوليفيا بنعومة: "لقد كان رجلاً طيباً."
قطبت إيزابيل حاجبيها بذهول وحيرة: "ماذا؟"
"والدكِ."
رشفة أخرى. صمت مؤلم آخر.
"لقد كان رجلاً طيباً، وأباً رائعاً. أنا أحسدكِ على ذلك."
وقعت الكلمات على إيزابيل كضربة جسدية، مما أسكت تمردها. راقبت أوليفيا التي أسندت رأسها إلى جدار الحمام الحجري البارد، وتائهة في ذكرى لا تستطيع إيزابيل رؤيتها.
همست أوليفيا، وبدا الرقم كأنه ناقوس جنازة: "الزنزانة رقم خمسة عشر."
"هناك احتجزوه. في أقبية دوقية ثارون تحت الأرض."
"خمسة عشر. كان هذا رقمه. كان اسمه الوحيد لفترة طويلة جداً."
أدارت رأسها قليلاً، وتكسر صوتها بنعومة مرعبة: "لقد كان فخوراً بكِ جداً يا إيزابيل. لكن في الوقت نفسه... كان حزيناً عليكِ بشكل عميق."
أدمع وجه إيزابيل. انقبضت يداها المقيدتان في قبضات ترتجف، والحبال تحك جلدها.
همست إيزابيل بصوت منكسر من ألم حاد: "إذن لماذا؟ لماذا قتلته؟ هو لم يفعل لكِ شيئاً... أليس كذلك؟"
أجابت أوليفيا بنبرة مسطحة ومخيفة: "لا، لم يفعل شيئاً. باستثناء وجوده كرجل ضعيف."
"خطيئته الوحيدة كانت هشاشته، وفي هذا العالم يا عزيزتي، الضعفاء هم مجرد وقود للنار."
التفتت أوليفيا حينها، واخترقت عيناها الزرقاوان الثاقبتان الضوء الخافت لتستقرا في عيني إيزابيل بوضوح جعل الهواء يتحول إلى جليد.
قالت أوليفيا بكلمات بلورية وباردة: "هذا صحيح. لقد انتزعتُ الحياة منه بهاتين اليدين."
خيم الاعتراف في الهواء كشيء حاد. الحزن في تعابير إيزابيل تحول فوراً إلى سواد حاد، وشعرت به كثقل جسدي. غمرت الكراهية عروقها، كحريق يلتهم ما تبقى من خوفها.
هسست إيزابيل وجسدها يرتجف بالكامل: "تقولين ذلك ببساطة، وكأنه لا شيء. ألا تشعرين بالذنب؟ ألا يطاردكِ الندم في نومكِ؟"
ظلت تعابير أوليفيا فارغة—كوعاء خاوٍ.
قالت بصوت يخلو من أي رنين: "لا، أنا لا أندم على ذلك، ولا حتى بمقدار ظفر. أتعرفين لماذا؟"
التوت شفة إيزابيل بزمجرة: "لأنكِ حثالة خائنة وجوفاء."
"إجابة خاطئة يا حلوتي."
اقتربت أوليفيا أكثر، ورائحة النبيذ والحديد تحيط بكلتيهما.
"لا أشعر بالندم لأنني لم أفعل شيئاً سوى ما توسل إليّ لفعله."
"هو من طلب النهاية. هو من ترجاني لقتله."
**

تعليقات
إرسال تعليق