الفصل (38) Maylily
كان الرجل ذو القبعة البنية يدون شيئاً ما في دفتر ملاحظاته.
«من تراه أرسله؟»
بعد أيام من القلق، توصل فيكتور إلى إجابة واحدة: ماركوس كوب. لا بد أن ذلك المرابي المتوحش من "بوهين" يحاول التدخل. فالجميع يعلم أن بيعه كعبد في المناجم سيكون أكثر ربحاً من مجرد تحصيل الديون، ورغم أن الاتجار بالبشر غير قانوني في "ريفرتون"، إلا أن "بوهين" تظل نقطة عمياء للقانون.
كان سبب ترك فيكتور للمراقب وشأنه بسيطاً؛ فلو تخلص منه في "بيردشاير"، فسيحل محله ظل آخر أكثر مهارة. لذا، كان من الأفضل التظاهر بالجهل حتى تأتي اللحظة الحاسمة.
سحب فيكتور نظراته من النافذة وبدأ يتناول طعامه بهدوء، بينما كان صاحب الخان يتحدث بصوت عالٍ مع جاره عن فضيحة رجل خان زوجته. كاد فيكتور أن يصرخ فيهم ليصمتوا، ولكن...
"بالمناسبة، كانت ديان هنا منذ قليل. اتضح أن ديزي مع مايليلي، لقد تلقت برقية هذا الصباح."
رنت الأسماء التي سمعها بالأمس في أذنيه. خفض فيكتور نظره إلى طبقه، بينما كان قلبه ينبض بعنف، محاولاً التقاط كل كلمة.
"مع مايليلي؟ هل ذهبت إلى رودن؟"
"نعم، هذا صحيح. ديزي دائماً ما تسبب المتاعب. لقد جاءت ديان معتذرة عما سببته ابنتها من إزعاج."
لم يكن هناك شك؛ إنها عائلة عمة مايليلي.
«هذا هو! الأمر الآن مجرد مسألة وقت.»
بينما كان فيكتور يبتهج داخلياً، انتهى حديث النساء. وعندما جاء صاحب الخان بالفاتورة، ادعى فيكتور أنه سمع الحديث بالصدفة وطلب عنوان ديان وجيس. ورغم تردد صاحب الخان، إلا أن ملامح فيكتور التي تشبه مايليلي جعلت كلامه موثوقاً، فكتب له اسم متجر البقالة وموقعه.
"شكراً لك. وإذا سأل أحدهم عني أو عن مايليلي، أرجو أن تبقي الأمر سراً. المنافسون في العمل أحياناً يستهدفون العائلات."
بهذا الوعد الفارغ، غادر فيكتور الخان. ولكي لا يثير ريبة المراقب، قرر التجول في القرية لبضع ساعات قبل المغادرة. وبعد قليل، سمع وقع خطوات خفيفة تتبعه. وعندما دخل زقاقاً مظلماً بين المباني المتلاصقة، ارتسمت على شفتيه ابتسامة شريرة.
لقد حانت اللحظة الحاسمة أخيراً.
"يا لها من دعوة فاخرة."
خرجت سخرية جافة من شفتي "هيو" وهو يتصفح البطاقة المذهبة. كانت دعوة لرجال في مقتبل العمر لتمضية وقتهم في الشرب، وكأنهم يفخرون بتبديد شبابهم في الفجور.
"أنت تعلم كيف هو اللورد الشاب (تشيشاير)..."
تحدث ديفيد بحذر، بينما ابتسم هيو بسخرية، ونفث دخان سيجاره مع ضحكة خفيضة. كان صاحب الدعوة، باتريك تشيشاير، معروفاً بضجيجه وانغماسه في الملاذات. لقد كان زميل دراسة لهيو وديفيد، وحاول دائماً جعل هيو شريكاً له في المتعة، لكن دون جدوى.
ديفيد، الذي راقب هيو عن كثب منذ أيام الجامعة، كان يعلم أن هيو لا يحب الشرب ولا يهتم بالنساء. وبينما كان أبناء النبلاء يبحثون عن الإثارة في أماكن سيئة السمعة، كان هيو يقضي وقته في الرياضة أو القراءة، حتى أطلقوا عليه لقب "الراهب". كان رجلاً يحافظ على أدبه مع النساء لكنه يرسم خطاً فاصلاً واضحاً، وكأن غريزته كرجل قد نُزعت ولم يبقَ سوى نبالته.
لهذا السبب، كان ديفيد يشعر بالدهشة الدائمة وهو يراقب تعامل هيو مع "مايليلي".
هل كان "هيو سكارد" حقاً رجلاً يمكنه إظهار مثل تلك التعبيرات أو قول تلك الكلمات؟
كان ديفيد يشعر بعدم الارتياح، ولم يعد يعرف هل كان هذا الشعور تجاه هيو أم تجاه مايليلي.
نقر هيو بطرف الدعوة على المكتب، مما أعاد ديفيد لواقع الحاضر.
"هل ستحضر؟"
"حسناً." بدا هيو غير راغب.
"لقد رفضت دعواته ثلاث مرات هذا الربيع وحده، وهذه المرة هي ذكرى ميلاده. سيكون من الحكمة الحضور."
كانت دائرة معارف باتريك تشيشاير تضم أبناء عائلات تسيطر على سياسة واقتصاد "ريفرتون"، وهي علاقات لا يمكن تجاهلها.
تنهد هيو ونفث دخان سيجاره، ثم أومأ برأسه موافقاً، فابتسم ديفيد بارتياح.
"قرار حكيم. وأيضاً، وصلت برقية من دوق (أيمونتا) في (كارتيا) بدعوة لمأدبة عشاء في 16 مايو."
كان الدوق هو من ساعد هيو في تأمين حقوق أعماله هناك.
"التاريخ؟"
"16 مايو. وبما أن رحلتك للمأدبة الملكية في كارتيا تبدأ في 14 مايو، فالحضور ممكن."
صمت هيو قليلاً، ثم قال: "أريد تغيير موعد المغادرة إلى السادس عشر، هل هذا ممكن؟".
تعثرت يد ديفيد وهو يدون الملاحظات: "...ممكن، ولكن عندها لن تحضر مأدبة الدوق؟".
"سأرتب وجبة منفصلة معه بعد الحفل."
"مفهوم."
"واطلب فستاناً."
عند هذا الأمر المفاجئ، نظر ديفيد بذهول لكنه أجاب بسرعة: "حاضر".
"ألن تسأل لمن؟"
"أنت تكره الأسئلة غير الضرورية. وحسب علمي، هناك شخص واحد فقط يستحق مثل هذه الهدية منك أيها الكونت."
ضحك هيو ضحكة خافتة وهو يطفئ سيجاره، فبدت غمازته الطويلة التي تظهر دائماً بين وجنته وفكه الحاد ملفتة للنظر.
"آه، شيء آخر."
وبينما كان ديفيد يستعد للمغادرة، أضاف هيو أمراً بصوت منخفض. وعندما سمعه ديفيد، شحب وجهه من الصدمة.
سواء كانت مشاعر هيو نابعة من رغبة في الانتقام أو غير ذلك، إلا أنه عندما يتعلق الأمر بـ "مايليلي"، كان يتجاوز توقعات ديفيد دائماً.. لدرجة أن المفاجأة بدأت تتحول إلى خوف.
### **

تعليقات
إرسال تعليق