الفصل (35) عوامل داخلية
## ****
كان كانيلاس لا يزال غارقاً في التفكير بشأن زوجته التي تجرأت على إيذاء نفسها، متحملة الألم فقط لتجعله ينظر إليها كـ سيدة عليلة مشوهة لا تستحق أن تكون زوجته.
ومع ذلك، وبالنظر إلى فعلتها، لم يستطع كانيلاس أن يكرهها كما توقعت هي؛ بل على العكس، وجدها مثيرة للاهتمام. كيف يمكن لشابة أن تفعل شيئاً متهوراً وغير منطقي كهذا لمجرد إنهاء زواجهما؟
أخبره فابيو أن السيدة الشابة تعاني من حساسية أدت إلى ظهور طفح جلدي جعل بشرتها متورمة ومحمرة. لكنها لم تكن حساسية ناتجة عن عوامل خارجية مثل تغير الطقس كما ادعت، بل نجمت عن "عوامل داخلية"؛ مواد غريبة احتوتها أطعمة أو أشربة استهلكتها وتفاعلت داخل جسدها.
وثمة معلومة أخرى لم تكن أقل مفاجأة، وهي أن الحساسية بدأت قبل أقل من ثلاث ساعات، وليس قبل بضعة أيام كما زعمت جوانا.
كان من عادة كانيلاس أن يصطحب رجاله المسلحين في رحلاته الخاصة التي لا تتبع واجبه الرسمي كجندي في "أرشيسا"، وكان فابيو أحدهم. وجود فابيو معه كان بمثابة ميزة مزدوجة؛ فهو مقاتل شرس إذا تعرضوا لهجوم، وطبيب بارع يعالجه وزملاءه إذا أصيبوا.
لكن هذه المرة كانت استثناءً؛ فلم يخطر ببال كانيلاس أبداً أن فابيو سيستخدم مهاراته الطبية لأول مرة خلال رحلة خاصة لفحص حالة زوجته، "جوانا فون روديغا". كما لم يتوقع أن يجد زوجته تعاني من هذا المرض بالتحديد عند زيارتها؛ المرض نفسه الذي استخدمته كعذر لمغادرة أرشيسا.
لم يكن الأمر قلة ثقة بطبيب عائلة "دي لارا"، بل كان تنفيذاً لوعده لها بأنه سيجد طريقة لعلاجها. بالإضافة إلى ذلك، كان يشعر بالراحة لوجود فابيو، لأنه يعلم أن فابيو سيشخص المرض بدقة ويقدم الحلول المباشرة. فإذا كان هناك خط مستقيم يقصر المسافة إلى وجهته، فلماذا يختار طريقاً معقداً، خاصة في موقف عاجل تعاني فيه السيدة الشابة من الألم؟
لم يكن من الصعب على كانيلاس ملاحظة ألمها رغم أنها لم تفصح عن ذلك، فكل ما قالته له حتى الآن كان ذلك الطلب العبثي بالانفصال.
يعرف كانيلاس فابيو منذ الطفولة، حيث كان والداهما صديقين. كان والد فابيو طبيباً عسكرياً يتواجد دائماً في ساحات المعارك بجانب والد كانيلاس. وعندما توفي والده وأصبح يتيماً، تولى والدا كانيلاس رعايته، فأصبح فابيو جزءاً من عائلة "فون روديغا" لفترة طويلة، ليس كطبيب فحسب، بل كرجل من رجالهم المخلصين.
تعلم فابيو الطب من كتب ومذكرات والده الراحل، وأثبت أن "الدم لا يتحول إلى ماء"؛ فرغم قلة المصادر، استطاع تطوير مهاراته بشكل عصامي عبر ممارسات طبية مستقلة، معالجاً كانيلاس وزملائه، وخدم القصر، والمجتمعات المحلية المحيطة بأراضي "فون روديغا".
لذلك، كان كانيلاس واثقاً من أن تشخيص فابيو لا يخطئ، مما يعني ببساطة أن زوجته قد كذبت عليه، وأن شكوكه كانت في محلها.
فيما يخص الطعام والشراب في قصر "دي لارا"، كان كانيلاس يعلم جيداً أنه لا يمكن أن يكون السبب؛ فمن الصعب تصديق أن الخدم لا يعرفون ما يجب تقديمه لأسيادهم، إلا إذا كانت هناك مؤامرة اغتيال، وهو أمر مستبعد تماماً، وإلا لكان القصر في حالة فوضى عارمة بسبب مرض الابنة الوحيدة لدوق باراسكا.
استنتج كانيلاس أن الحساسية نتجت عن شيء تناولته جوانا بنفسها، وليس مما قدمه الخدم، وغالباً ما يتعلق الأمر بالأعشاب المزروعة في الحديقة الخلفية للقصر. تذكر أن تلك الحديقة كانت بمثابة "كنز" لها، فليس من المستحيل أنها درست النباتات وخصائصها حتى أصبحت خبيرة في هذا المجال.
إنها حقاً ليست امرأة بسيطة. ورغم مظهرها الرقيق، اعترف كانيلاس بأنها "أكثر تعقيداً" من الأعداء الأشداء الذين واجههم في المعارك.
ومع ذلك، شعر كانيلاس بالارتياح لأنه اكتشف الحقيقة في الوقت المناسب؛ مرضها سببه الأعشاب وليس طقس أرشيسا. وبما أن السبب ليس عاملاً ثابتاً لا يمكن تغييره (كالطقس)، فبإمكانه إعادتها إلى منزله ولن تملك أي حجة أخرى للمجادلة. لن ينهي زواجهما ويتركها هنا في "تيرا"؛ سيأخذها معه إلى أرشيسا سواء برضاها أو رغماً عنها، فهي الزوجة التي اختارها مهما حدث.
عندما فتحت جوانا عينيها، وجدت أن ضوء الشمس الذي كان يخترق غرفتها قد اختفى، وحل محله وهج دافئ من الضوء البرتقالي المائل للاحمرار المنبعث من مصابيح الزيت والشموع الموقدة.
وبينما كانت تعتاد عيناها على الضوء، سمعت ضوضاء ناعمة خلفها، مثل حفيف الورق. التفتت برأسها نحو مصدر الصوت، لتجد رجلاً يجلس على كرسي بجانب النافذة (التي كانت ستائرها مغلقة). كان رأسه منخفضاً ويبدو مستغرقاً في قراءة كتاب موضوع على الطاولة أمامه.
وكأنه شعر بأن هناك من يراقبه، رفع الرجل رأسه لتلتقي عيناه بعيني الشخص الذي يلاحظه. عندما وجدت جوانا عينيه مثبتتين عليها، شعرت بالارتباك وأزاحت بصرها ببطء نحو السقف فوقها.
*لماذا بقي في غرفتها؟ منذ متى وهو هنا؟ هل كان يراقبها وهي نائمة؟ هل فعل شيئاً لها أثناء نومها؟*
تحفزت جوانا وشعرت بالتوتر والخجل في آن واحد؛ فوجود رجل في غرفتها أثناء نومها أمر مربك. وبدون وعي، أحكمت قبضتها على البطانية التي تلتف حول جسدها. ورغم أن هذا الرجل هو زوجها، إلا أن جوانا، التي لم تسبق لها التواجد في غرفة نوم مع أي رجل، رأت أن هذا غير لائق. لكنها لم تستطع تقديم أي شكوى؛ فمن سيدعمها والجميع يعلم أن هذا الرجل هو زوجها الشرعي؟
بينما كان عقلها يتسابق بالأسئلة، قاطع صوت الرجل العميق حبل أفكارها المضطرب.

تعليقات
إرسال تعليق