الفصل (35) سوء حظي هو أنني أحببتك - The Misfortune of Loving You,
### الفصل 35: الاختبار المحرج
ظل "روان" يحدق في مكتبه، وكأن هناك عملاً لا يزال بحاجة إلى إنجازه. لم تهتم "ديلنيا" بلفت انتباهه لوجودها، بل وجهت نظرها إلى النافذة التي تطل على الشرفة. كان ضوء الشمس يتسلل عبر الستائر المصنوعة من قماش الموسلين الرقيق، ليتناثر على السجاد الأزرق؛ كان ذلك التوهج الخافت يبدو أشبه بسحر يأسر الألباب.
"تعالي إلى هنا."
نادى "روان" أخيراً بعد أن أنهى ما بين يديه. كان نبرة صوته تشبه نبرة من ينادي جروًا صغيراً، مما جعلها تشعر بشيء من الغرابة، لكنها لم تجادله. اقتربت منه، فمد "روان" يده وأعطاها رسالة. أخذتها "ديلنيا" وأمالت رأسها بتساؤل، لكنها لم تستطع معرفة فحواها.
في هذه الأثناء، اتكأ "روان" إلى الخلف على كرسيه الجلدي، وأغمض عينيه، ثم أمرها بفظاظة:
"اقرئيها بصوت عالٍ."
"ماذا؟"
كررت "ديلنيا" كلمتها بذهول. أن تقرأ رسالة شخص آخر بصوت عالٍ؟ ورغم دهشتها، تابع "روان" بهدوء:
"عيناي متعبتان ولا أستطيع القراءة."
"لكن هذا غير لائق."
"لماذا؟"
"أنا متأكدة أن من أرسل الرسالة لم يتوقع أن يقرأها شخص آخر."
"حسناً، هل تندرج الجواري ضمن فئة 'الآخرين'؟"
تصلب وجه "ديلنيا" أمام هذه الإهانة التي ألقاها بنبرة عرضية. لم يلاحظ "روان" ذلك، أو ربما تجاهله، وتابع تعليماته:
"إذا قرأتِها بصوت عالٍ، سأعرف محتواها في كل الأحوال، فأين المشكلة؟"
"ومع ذلك..."
"إذن اقرئيها بأفضل ما لديكِ، وحاولي ألا تكوني وقحة."
بدا أنه لا سبيل لإيقاف رجل لا يعرف التراجع. تنهدت "ديلنيا" تنهيدة خافتة، وأخذت تتفحص ببطء الظرف العتيق. والغريب أنه لم يكن يحمل اسم مرسل، ولا حتى الختم المعتاد. هزت رأسها، وفتحت الظرف بحذر. وبمجرد أن أخرجت الرسالة، استقبلتها رائحة عطر قوية ونفاذة.
قطبت حاجبيها لا إرادياً، لكنها تمالكت نفسها، وبدأت تقرأ السطر الأول بنبرة رسمية للغاية:
[عزيزي العقيد بارثيز.]
ثم حاولت إكمال القراءة بصوت محايد، لكن المهمة بدت أصعب مما ظنت.
[هل تعلم كم أشعر بالوحدة في الليل عندما أفكر بك؟]
ضيقت "ديلنيا" عينيها بحدة، مذهولة من الجملة التي نطقت بها. تصفحت الرسالة سريعاً محاولة السيطرة على ارتجاف عينيها. بمجرد إلقاء نظرة سريعة، أدركت ماهية الرسالة؛ كانت رسالة حب، جريئة وفاحشة للغاية. الآن فهمت لماذا لم يكن هناك اسم على الظرف؛ فهذه الرسائل لا تُرسل في العلن.
لم تكن تظن أن "روان" يجهل محتواها، بل هو يعرف بالتأكيد، وقد فعل ذلك متعمداً.
'يريد إحراجي عمداً.'
التفتت "ديلنيا" نحو "روان" ورفعت حاجبيها غضباً، محتجة بنظراتها على هذا التصرف غير الأخلاقي. لكن بمجرد أن واجهته، لم تجد ما تفعله. كان "روان" لا يزال مغمض العينين، لكن ابتسامة خفيفة ارتسمت على زوايا فمه؛ ابتسامة صبي بريء لا يريد سوى إثارة المتاعب. ابتسامة أعادتها فجأة إلى أيام الماضي، مما جعل مرارتها تجاهه تذوب في لحظة.
"تابعي."
مرة أخرى، بغير أن يفتح عينيه، حثها على المتابعة. خرجت "ديلنيا" من شرودها، أغمضت عينيها ثم فتحتهما، محاولة طرد الصور العالقة بذهنها. لقد أدركت أنها لا تستطيع مقاومته، ليس فقط لأنه سيدها. وإذا كان لا مفر، فمن الأفضل إنهاء الأمر بسرعة. بدأت تقرأ مجدداً، لكنها لم تستطع منع صوتها من الارتجاف:
[من اللحظة الأولى التي رأيتك فيها، عرفت أنك ستجعل جسدي... ساخناً...]
بينما كانت "ديلنيا" تتلعثم في القراءة، فتح "روان" إحدى عينيه المغلقتين وألقى نظرة خاطفة عليها. كانت أطراف أصابعها التي تمسك الرسالة ترتجف، وكان وجهها ورقبتها محمرين بشدة، وبدا واضحاً أن جسدها كله لا يختلف عن ذلك. كانت هذه الرسالة واحدة من رسائل مجهولة عديدة تصله يومياً منذ وصوله للعاصمة. لم يهتم يوماً بمعرفة هوية الكاتبات، فكنّ في نظره لا يختلفن عن السيدات اللواتي يتملقنه في الحفلات.
[أنا... كنت أنتظر...]
أصبح صوتها أكثر خفوتاً كلما اقتربت من الأجزاء التي لم تعد قادرة على نطقها. لكن "روان" لم يكن ليسمح لها بالتوقف.
"تابعي."
تصلبت كتفا "ديلنيا" عند سماع هذه الكلمة. كان "روان" يحدق بها الآن بعينيه المفتوحتين. ورغم نظراتها الملتهبة، إلا أنها لم تكسر حدة نظره. أخذت نفساً عميقاً، وكأنها تستعد لاجتياز عقبة كبيرة، ثم انفرجت شفتاها بصعوبة:
[روان، أريدك أن تلمسني...]
همست بصوتها الرقيق المرتجف، كحورية بحر تغويه. كان يجب أن تكون الكلمات مقززة، لكن صوتها الصافي جعلها تبدو مهدئة، لدرجة تجعله يرغب في لمسها ولو لمرة واحدة.
[أنا أتطلع لذلك.]
أخذت نفساً عميقاً آخر وأنهت جملتها بسرعة:
[تلك اليدان الكبيرتان، يا...]
لم تنتهِ شغف تلك السيدة المجهولة بعد، وهو أمر أسعد "روان". كان يراقب مأزقها بمتعة، متمنياً لو يستطيع إرسال رسالة شكر لتلك السيدة. بالطبع، لم يدرك "روان" مدى سخافة ما يفعله؛ فمحاولاته لترويضها كانت صبيانية وغير ذات أهمية، لكنها كانت ممتعة. فقد وجد متعة في مراقبة امرأة عاجزة تفوق أي شيء آخر.
لكن ظهرت مشكلة جديدة؛ لم تكن هي وحدها من يعاني. ألقى نظرة على جسده الذي بدأ يسخن، وشعر بالضيق. لقد بدأ هذا كله لتعذيبها، وها هو الآن يعذب نفسه. لقد خسر في أكثر من اتجاه، فمهما كانت المتعة التي يحصل عليها، فهي بوضوح لا تستحق هذا العناء.
[سأنتظر ذلك اليوم.]
انتهت التلاوة الطويلة أخيراً. راقب "روان" ارتياحها الواضح وهي تلتقط أنفاسها، ثم فتح درجاً وأخرج شيئاً، ونهض واتجه نحوها. اندفعت حرارة مفاجئة بجسدها عند اقترابه؛ فرائحته كانت أقوى من أي وقت مضى. قاومت "ديلنيا" الرغبة في التراجع وأحنت رأسها، غير قادرة على مواجهته، بينما كانت عيناها تحترقان برغبة في البكاء.
"أعطني يديكِ."
سقط هذا الأمر القصير من فوق رأسها المنحني. رفعت "ديلنيا" يدها ببطء، فخطفها "روان" بيده الكبيرة. فزعت "ديلنيا" ونظرت إليه لتجد عينيه الزرقاوين تحدقان بها. كانتا دافئتين بشكل غريب رغم لونهما البارد، ولم تكن حتى تدرك ما الذي يضعه في كفها من شدة انبهارها بتلك النظرة.
"مكافأة."
جعلتها كلمته القاسية تنظر إلى كفها؛ لترقد هناك عملة ذهبية واحدة تتوهج ببريق أصفر.

تعليقات
إرسال تعليق