الفصل (32) Albrecht’s Pearl- لؤلؤة ألبريشت-,
# 📖 الفصل الثاني والثلاثون: صكوك الاستعباد والقسم المرير
"كيف.................."
ولمعت عينا الرجل الذهبيتان بـشغف وتوق شديد، متسربلتين بـمعالم سر قذر وقاسٍ.
وتابع كايوس قائلاً بـجمود: "هل تعلمين يا لويز؟ قبل أن تبدأ أدنى بقعة من الحياة بـالنمو والتشكل في أحشاء 'إليزابيث'، قرر الزوجان وضع كل آمالهما وتطلعاتهما بـأكملها على الأمير الناجي؛ فـقدا عاشا على تصديق فكرة أنه في ذلك اليوم الذي سيعود فيه لـقيد الحياة مجدداً، ستستعيد الإمبراطورية وعائلة إيرمولي مجدداً عظمتهما الغابرة".
وأخذ كايوس يسرد تفاصيل تلك الحكاية القديمة والمهترئة وكأنه يتلو خرافة عابرة من بين صفحات كتاب قديم:
"ولقد آمنتُ بـتلك الترهات أنا أيضاً، وكأنها ذهب خالص؛ بل إنني في بعض الأحيان كنتُ أملك إيماناً بـكلمات والديكِ يفوق إيماني بـالكتب المقدسة بـنفسها، فـقد كانا بـمثابة الشخصين الوحيدين المتبقيين لي في هذا العالم الموحش، ولكن...................".
وحبست لويز أنفاسها بـرعب، فـهي لم تتلقى أو تسمع بـمثل هذه التفاصيل من والديها الراحلين بـالمرة.
لا، بل هل تناهى لـمسامعها أمر كهذا في أي وقت مضى بـالفعل؟
وفجأة، تفرقعت أنامل الرجل بـقوة أمام وجهها، لـتعيد لويز بـعنف نحو أرض الواقع المرير.
وتابع بـنبرة تقطر سماً: "لكنكِ وُلِدتِ في نهاية المطاف، لتتملكهما الرعب والذعر الشديد؛ فـسحبا تينك الوعود لـيوارياها في أعمق أدراج قلوبهما، وتناسيا ذلك الواقع الذي هابوا مواجهته، فـالطفلة القابعة في أحشائهما غدت بـنظرهما أكثر قيمة وثراء من ذلك الدم الإمبراطوري الذي قد ينمو ويثور بـداخلهما في أي لحظة عابرة".
وهزت لويز رأسها بـرفض وعدم تصديق لـما تسمعه وصاحت: "هذا محال وغير ممكن بـالمطلق! لو كنتَ بـالفعل أنت هو الأمير الشرعي، فـإن والديّ لن يقدما على فعل مثل هذا الصنيع أبداً...".
والتوت شفتَا كايوس بـابتسامة ساخرة ومريرة: "أولم يقدما بـالفعل على استبدال الأماكن والمصائر بـينكِ، يا لويز هنرييت العذبة والجميلة، وبـيني أنا بـكل قسوة؟".
وكانت ضحكته المنخفضة والجافة بـمثابة نحيب وبكاء مكتوم بـالداخل أشد من كونها تبرز التسلية.
وتابع بـمرارة: "لا، بل هما قد تبدلا وتغيرا بـالكامل؛ فـقد رفضا بـعناد منحي طوق النجاة وشريان الحياة الذي اؤتمنا عليه لـإنقاذي بـالأمس، وتركوني أعيش عشرين عاماً كاملة في غياهب الاختباء والشتات، عاجزاً عن استخدام اسمي الحقيقي في أي بقعة، ومحروماً من الظهور أمام العلن بـالمرة".
'طوق نجاة؟'.
واستنشقت لويز أنفاساً حادة ومثقلة بـالتوجس؛ وفجأة، استشعرت بـأن قلادة اللؤلؤ المحيطة بـعنقها تكاد تطوق أنفاسها وتخنقها بـعنف مرعب. وخفضت نظراتها المرتجفة نحو اللؤلؤة، بـينما تشابكت نظرات كايوس الحادة مع بريق تلك اللؤلؤة البيضاء الفاخرة.
وكانت هي الشخص الوحيد بـالمكان العاجز عن إتيان أي حركة أو فرار، وفي تلك الثانية، امتدت أنامل الرجل القوية والصلبة لـتقبض على سطح اللؤلؤة بـعنف؛ بـحركة خفيفة ولكنها كانت تفيض بـالجشع والإصرار الصارم.
وقال بـصوت منخفض: "وعندما حان الوقت لـإنهاء وتدمير حياتي بـالكامل، قمتُ بـمنحهما دم قلبي وروحي بـشخصي... ذلك الأثر الإمبراطوري الفاخر والمقدس الذي جرى توارثه وتناقله إلي من قِبل والدي، ومن قِبل والد والدي عن أجداده السالفين".
واتسعت عينا لويز بـذهول وصدمة عارمة عند سماعها لـذلك: ".................. ماذا تعني بـحقك؟".
"إنها 'لؤلؤة ألبرشت' الثمينة، والتي طالما عشتِ على تصديق فكرة كونها مجرد إرث عابر يخص والدتكِ الراحلة؛ لكن الحقيقة هي أنها أثر إمبراطوري مفقود وثمين، والبرهان الشرعي والوحيد لـإثبات سلالة ونسب عائلة 'هايدنبرغ' الملكية بـأكملها".
وجاءت إجابته بـمنتهى الوحشية والبرود الشديد، تلاها إطلاق الرجل لـحكمه وخاتمته القاتلة:
"إنها ملكي أنا بـشخصي".
وكانت الطريقة والنظرات التي يرمقها بها كـما لو كانت مجرد 'لصة' دنيئة، تسببت في إحداث جرح غائر وموجع بـداخل كبريائها ونفسيتها بـشدة.
لا، بل كان الأمر أشد سوءاً وبشاعة من نعتها بـاللصة؛ فـهو لتوّه قد دمغ ووصم عائلة "إيرمولي" بـأكملها بـوصمة 'الخيانة العظمى'.
وبـالكاد نجحت لويز في تنظيف حنجرتها الجافة، وبدا صوتها المرتعش والمتهدج كـما لو كان ينتمي لـشخص آخر تماماً غيرها:
"أنا... أنا لم أكن أعلم بـأي شيء من هذه الأمور بـالمطلق؛ كل ما كنتُ أبتغيه وأتمناه بـصدق هو حماية والحفاظ على ممتلكات وأثر والدتي الراحلة بـخير فقط".
ولكن كايوس لم يولِ أدنى اهتمام أو التفات لـتبريرات وأعذار لويز الواهية بـحقها؛ وأحكمت أصابعه الخشنة والقوية قبضتها حول اللؤلؤة المستعادة بـشدة أكبر.
وكان ضغطه وقبضته المحكمة على القلادة تجعل من المستحيل عليها حتى الانحناء أو الجثو على ركبتيها لـطلب الرحمة؛ لتقف لويز بـثبات وتتوسل بـرجاء مرير:
"أنت لست مجبراً بـأي حال على عقد هذا الزواج بـحقي؛ أنت تعلم علم اليقين بـأنني لم أكن أفقه شيئاً بـشأن هذه المكائد، وأنت موقن بـذلك حتماً".
وانحنى رأس الرجل نحو الأمام قليلاً بـجفاء، بـينما كان وهج الفانوس المعلق يسطع بـالقرب من قمة رأسه، لـيلقي بـظلال داكنة ومخيفة فوق ملامح وجهه الفاتن بـسحر مظلم.
ونطق بـتحذير صارم: "لويز".
وتابع بـنبرة حملت مسحة من التهكم الساخر: "إن هذا الأثر قد تقبع في حوزة العائلة الإمبراطورية لـأجيال متعاقبة بـلا انقطاع، وجرى توثيقه والمصادقة عليه من قِبل مالكه الشرعي بـلا ذرة خوف أو توجس بـالأمس".
وفجأة، أفلتت أنامله الصلبة والقوية سطح اللؤلؤة بـعد إتمام وعيده، وقام بـضغطها ودفعها بـقوة نحو منتصف صدر لويز وتابع بـجفاء:
"في تلك اللحظة بـالذات التي ظهر وبرز فيها اسمكِ وتدوينكِ داخل البنك الإمبراطوري بـصفتكِ المالك الشرعي لـهذه اللؤلؤة، جرى حسم وختم مصيركِ بـالكامل وبـلا رجعة... ابنة عائلة إيرمولي تقبع بـالمعية وبـجوار سليل عائلة هايدنبرغ؛ ويتعين عليكِ مواصلة ومتابعة أداء واجبكِ وإخلاصكِ الإمبراطوري تماماً كـما فعلت سلالتكِ وعائلتكِ لـأجيال متعاقبة بـالسابق".
وسرت قشعريرة باردة تنهش عمودها الفقري بـفعل أسلوبه وطبيعته اللامبالية بـحقها.
وكانت موقنة بـشكل أفضل من أي شخص آخر بـأن اسم عائلة "إيرمولي" المشتت والمهترئ لم يعد يحمل أي سلطة أو نفوذ في هذا العصر، معتقدة بـأعماقها بـأن والديها الراحلين قد تخلوا عنها وتركوها لـمصيرها المأساوي بـالفعل بـرحيلهم.
لكن كايوس كان يعتزم بـوضوح استغلال اسم عائلتها واستخدامه كـسلاح وذريعة لـتحقيق انتقامه الشخصي لـأجل والديه الراحلين، بـينما لم تكن هي تستحق نيل مثل هذا العذاب بـحقها لأنها لم تكن تفقه شيئاً بـالمطلق!
وسألته بـنبرة يائسة ومتهدجة: "وهل هذا هو السبب الحقيقي والوحيد الذي يدفعك لـلرغبة في الزواج بي إذن؟".
ولم يجَب كايوس على سؤالها اليائس بـشيء، سوى بـإطلاق مسحة من التهكم الساخر واللاذع بـوجهها قائلًا:
"إذا كنتِ تعتزمين بـالفعل إحراق وإبادة تلك الوثائق والمستندات المفقودة، فـمن الأفضل والأنسب لكِ أن تأخذي وتستعيدي اللؤلؤة معكِ أيضاً، أليس كذلك؟".
ومع تفكيرها بـالأمر بـعمق أشد... هل كان صاحب متجر الرهونات هو من قام بـالاستيلاء على تلك الأوراق والوثائق بـالفعل؟
وتداعت لـمخيلتها بـسرعة ذكريات فقدانها المفاجئ لـوظيفتها السابقة، واضطرارها لـلسفر بـعيداً نحو مقاطعة "بيرغ" النائية لـخوض مقابلة عمل عابرة، والأحداث المتلاحقة التي عاصفت بها في بلدة "ميلك" الصغيرة؛ وأخذت تلك الذكريات تومض في عقليتها كـكشاف ضوئي لـيكشف لها الحقيقة الحارقة.
'هل كانت هناك بقعة أو حدث واحد طوال فترات حياتها السابقة لم تمتد إليه أصابع وتأثير هذا الرجل الطاغية بـالمكر والخفاء بـالفعل؟'.
وامتدت أصابع كايوس الطويلة لـترفع ذقن لويز نحو الأعلى بـقوة؛ وابتسم بـغطرسة وغرور جم بـينما كان يتطلع بـنظراته الحادة مباشرة نحو عينيها الخضراوين، واللتين جاهدتا بـكل كبرياء لـتفادي سقوط أو انهمار دمعة واحدة من مآقيهما أمامه.
وعلق بـجفاء: "هذا كل ما تملكين تقديمه وتفعيله لـأجل الأثر والتذكار الوحيد المتبقي من والدتكِ الراحلة حتماً؛ ويبدو أن قلبها سينفطر حزناً وأسى بـالفعل لو قُدّر لها الاستماع لـتبريراتكِ الواهية الآن".
وانحدرت شفتاه لـتطبقا فوق شفتيها بـوحشية وضراوة عارمة بـمجرد انقشاع سحب سمومه.
واجتاح لسانها الساخن ثنايا شفتيها بـفظاظة قاسية، عاجزة بـكل المقاييس عن إطلاق صرخة ألم واحدة بـسببه؛ وكانت نظرات الرجل تفيض بـالبرود والملل الشديد بـينما أدار بـصره بـعيداً وبصق الأجواء بـجفاء قائلًا:
"هل تم تدنيسكِ وتجريدكِ من طهارتكِ بـالقدر الكافي والمطلوب لـتقبلي بـعقد هذا الزواج بـحقي كـما جرى التخطيط له مسبقاً بـالفعل، أم يتعين علي الإقدام وبذل المزيد لـتحقيق ذلك بـحقكِ؟".
لقد احتفظت بـاللؤلؤة، ولكنه هو من غدا يملك زمام السيطرة والامتلاك عليها بـالكامل؛ وكانت تلك بـمثابة معادلة بسيطة وواضحة للغاية، تجعل من المستحيل على كايوس التراجع أو التخلي عن خطته بـأي حال من الأحوال.
"آه، توقف عن هذا.. كفى بـحقك!".
وتعثرت لويز بـخطواتها نحو الخلف بـانكسار، بـينما أخذت الدموع تنهمر كـالسيل فوق وجنتيها بـلا كبح؛ ولكن تلك المسافة والفجوة الطفيفة التي حاولت خلقها والفرار بها جرى ابتلاعها وتدميرها بـسرعة بـفعل خطوات الرجل العريضة والحازمة وملاحقته لـقوامها بـلا رحمة.
وتوسلت بـنبرة باهتة ومحطمة: "أرجوك.. أرجوك لا تفعل هذا بي".
وكان الباب القابع خلف ظهرها قد انفتح بـفعل حركتها العنيفة؛ وكان الشال والغطاء الذي كانت تلف به كتفيها قد سقط وتناثر فوق أرضية الممر بـعيداً منذ فترة طويلة بـلا انتباه. واستشعرت لويز بـالذعر والصدمة العارمة تسري في أركانها بـفعل امتداد يد الرجل لـتعبث وتجذب الشريط الخاص بـثوب نومها الفضفاض بـفظاظة، لـتدفعه بـعنف بـعيداً عنها وصاحت:
"توقف!".
والرجل، الذي تراجع لـخطوة واحدة فقط نحو الخلف بـفعل دفعتها، أمال رأسه بـتسلية ومكر شديد وعلق قائلًا: "وكيف لي أن أجرؤ بـالفعل على لمس أو الاقتراب من ابنة عائلة إيرمولي 'الخائنة'؟".
وخيمت فترة وجيزة من الصمت المطبق بـالمكان، قبل أن يُرفع الستار بـأكمله عن النوايا؛ ومع كل مرة كانت تلامس فيها شفتاه الساخنتان منطقة عنقها بـفظاظة وقسوة، كانت لويز تتنفس بـصعوبة وتطلق شهقات ألم متهدجة بـعنف كـما لو كانت تُحرق بـألسنة النيران بـالفعل.
وتمتمت بـانكسار وعجز تام: "أوه، أرجوك بـحق الخالق.....................".
وغدا شعرها المنسدل بـفوضوية بـمثابة كتلة مبعثرة ومبللة بـفعل الدموع المنهمرة بـغزارة؛ وامتدت كفاه الخشنتان والصلبتان لـتبعدا خصلات شعرها نحو الخلف بـلا مبالاة وجفاء، ثم أخذ يمرر أصابعه فوق كتفيها وصدرها المكشوف بـقسوة، بـينما تجمعت مسحة من الرضا السقيم والمتعة المريضة بـداخل عينيه الذهبيتين الساطعتين بـالتملك، وقام بـطبع شفتيه فوق كفها المبللة بـآثار الدموع بـمكر.
وأدركت لويز بـمرارة في تلك اللحظة مدى عمق الهاوية والمستنقع النكير الذي سقطت فيه بـفعل الأقدار بـلا مفر؛ فـإذا كان كل ما يطمح لـرؤيته ونيله هو إذلالها ورؤية بؤسها وانكسارها، فـهو لن يملك أي سبب لـإفلات يدها أو التخلي عنها بـالمطلق، فـكل ما يتعين عليه فعله هو التشبث بـقبضتها والتطلع نحو عذابها بـالتملك، لـتغدو ابنة عائلة إيرمولي المتروكة وحيدة بـمثابة امرأة بائسة ومحرومة من السعادة لـلأبد.
والرجل القاسي والشامخ أمامها سيستمر في إطلاق ضحكاته الساخرة بـوجهها، تماماً كـما يفعل في هذه الليلة بـلا رحمة.
وامتدت أصابعه الباردة والجافة لـتمسح آثار دموع لويز بـجفاء؛ وأخذت تلك القطرات تسطع كـالجواهر الثمينة بـينما رفعها نحو الضوء الشاحب والمنبعث بـالغرفة لـيتأمل بريقها بـبرود.
والتوت شفتاه بـابتسامة ضيقة وساخرة، كـما لو كان يتطلع لـلوحة بـغاية الجمال والسحر، وعلق بـنبرة منخفضة حازمة حملت مسحة من التحذير والوعيد الصارم: "من الأفضل والأفيد لـصالحكِ أن تأتي إلي بـصمت وطاعة تامة يا سيدتي الفاضلة".
وتداعت لـمخيلتها بـسرعة ومضات خاطفة وصور لـذلك المنزل الطيني المحطم والمهترئ بـالأمس، وسعادة "ميريام" الطاغية بـالخلف، وقبوع "بيترو" خلف قضبان السجن بـعجز؛ وفي نهاية المطاف، تردد صدى صوت والدتها الراحلة والضعيف بـداخل مسامعها لـيهز كيانها:
"عندما يجري تنصيب وتتويج ولي العهد الإمبراطوري، خذي هذا وتقدمي لـلقائه حتماً..............".
آه، إذن الحقيقة هي أنها لم تكن تملك أي خيار أو حرية لـتحديد مصيرها في هذا العالم بـالمطلق منذ البداية.
وفجأة، تردد رنين طرقات متلاحقة فوق الباب بـقوة؛ لـتنهار لويز وتتهاوى جسدياً كـشمعة باهتة تلفظ أنفاسها وحياتها الأخيرة بـالمكان بـلا حراك. وبدا صدى ضحكات ومرح خادمتها "بولين" والذي استمعت إليه في بداية الأمسية، بـمثابة ذكريات واهية وبعيدة للغاية وكأنها تنتمي لـحياة سابقة جرى تدميرها بـالكامل بـالأمس البائد!
"هل تقبل أنت، أيها العريس 'كايوس فون بيرغ'، أخذ 'لويز هنرييت إيرمولي' لـتكون زوجة شرعية لكَ؟ وهل تقسم بـالخالق العظيم على احترامها والوثوق بها بـإخلاص، ورعايتها وحمايتها في شتى الظروف والشدائد والمحن التي قد تعصف بـحياتكما؟".
فـأجاب بصوت جاف وبارد يماثل صقيع السماء الشتوية القاحلة: "نعم، أنا أقسم بـذلك".
وأدى الرجل ذلك القسم الكاذب والزائف أمام العلن وفي حضور الكاهن بـملامح وجه جامدة وخالية من التعبير بـالمطلق بـلا ذرة ارتباك؛ وبـالطبع، كان واثقاً بـأعماقه بـأنه قد تجشم وعانى من العذاب بـالقدر الكافي طوال سنوات حياته السالفة، ولن يملك هذا العالم بقعة أشد سوءاً أو دماراً لـيلقيها بـوجهه بـعد الآن حتماً.
وسرعان ما حان الدور على لويز لـتؤدي قسمها.
"وهل تقبلين أنتِ، أيتها العروس 'لويز هنرييت إيرمولي'، أخذ 'كايوس فون بيرغ' لـيكون زوجاً شرعياً لكِ؟ وهل تقسمين بـالخالق العظيم على احترامه والوثوق به، وخدمته بـمشاعر حب وإخلاص أبدي لا يزول؟".
ولم تتمكن من إطلاق أو إصدار أي نبرة أو صوت من بين شفتيها بـالمطلق، وكأن حنجرتها قد غدت مطبقة ومخنوقة بـالكامل بـفعل الضيق؛ فـهي لم تكن راغبة بـأي حال من الأحوال في أن تغدو شخصاً مخادعاً وكاذباً كـذلك الرجل الشامخ بـجوارها، ولم تكن تبتغي النطق بـالقسم الزائف أمام الكاهن والمذبح بـالعلم.
وابتسم الكاهن بـوهن ولين إزاء صمت العروس المطبق؛ والتقى بـنظراتها وأومأ بـرأسه بـخفة محاولاً تشجيعها وحثها على النطق بـالكلمات.
فـلم يكن بـإمكان عقليته البسيطة تخيل أو تصديق فكرة أن عروساً من عامة الشعب تحظى بـفرصة لقاء والزواج من حاكم المقاطعة بـشخصه، وتكون بـأعماقها غير راغبة أو كارهة لـإتمام هذا الزواج الفاخر بـحقها حتماً!
إن العالم بـأكمله كان يدور ويتحرك بـفعل الأكاذيب والمكائد السياسية القاسية؛ وكان سيكون من الغاية في الراحة والنفع لـصالحها لو قُدّر لـوعيها أن يغيب وتتهاوى ساقطة فوق الأرض لـتتفادى هذا الموقف، ولكنها لم تكن لـتحظى بـمثل هذا الحظ الوفير أو الخلاص بـالأقدار حتماً. واستشعرت بـبشرة وجهها تحترق وتلتهب بـفعل نظرات وعيون الحضور الملتفة من حولها بـانتظار عارم.
وأُجبرت لويز في نهاية المطاف على نطق وبصق تلك الكذبة المريرة والموجعة لـتعلن استسلامها:
"أنا... أنا أقسم بـذلك".
**💡 Sweetnoveltime

تعليقات
إرسال تعليق