الفصل (31) A Very Shocking And Immoral Incident,



# 📖 الفصل الحادي والثلاثون: مراسم باردة وطيف في وسط الثلوج

تساقطت الثلوج كـعادتها في ذكرى وفاة الأمير "إيهيري لوتشيانو فون ماكسيميليان".

دخلت الملكة إلى المصلى الجنائزي بـخطوات وئيدة، وقد ارتدت رداءً أسود بسيطاً وخالياً من الزينة، وصُفف شعرها بـعناية؛ بـينما كان خمارها الأسود الداكن يحجب خلفه معالم حزنها الطاغي والعميق.

وتسمرت أنظار المعزين الذين غصّ بهم المصلى نحو الملكة، التي تسجل بهذا الحضور أول ظهور علني لها أمام العامة منذ أشهر طويلة.

وبـينما كانت شق طريقها نحو المقعد المخصص للعائلة الملكية، أحكمت الملكة "ماريان" قبضتها على يد زوجها لـتثبيت خطواتها المترددة؛ لـيمتد كفه الكبير والعريض ويطوق يدها بـعناية ويشد عليها بـقوة.

وفي مثل هذه الأيام بـالذات، كانت الملكة ماريان تصبح أكثر حساسية وهشاشة من أي وقت آخر.

لقد جاهدت بـكل ما تملك ألا تتبادر إلى مخيلتها ملامح وجه طفلها الراحل القابع داخل ذلك الصندوق الخشبي المثير للشفقة؛ وأطبقت كفيها بـقوة كـلكمات عاجزة لـتكتم غصّة حزنها على فقدان ولدها. كان يتعين عليها الحفاظ على كبريائها ووقارها الملكي بـالرغم من تمزق نياط قلبها.

ومن موقعها، أدارت ماريان رأسها ببطء لـتتبع رنين الخطوات التي أخذت تتجاوب في أرجاء المكان الصامت.

لقد كان ابنها الذي غدا شاباً يافعاً يسير الآن في الممر الأوسط للمصلى؛ وقد تسربل بـالسواد بـالكامل، وخفض خصلات شعره لـلأسفل بـينما كانت عيناه تحملان نظرات هادئة وصارمة كـالبرق.

كان يفيض بـجمال مثالي لا تشوبه شائبة.

'لو أن إيهيري لا يزال على قيد الحياة فقط.....................'.

واستشعرت الملكة أن تلك الرداءات السوداء الصارمة تكاد تطوق عنقها وتخنق أنفاسها؛ وفي هذا اليوم بـالتحديد، غدا ذلك الإحساس بـالاضطهاد والضيق وجعاً مرعباً وفوق طاقة تحملها.

وارتجفت كفاها النحيفتان بـشكل طفيف بـينما كانت تتشبث بـالكتاب المقدس؛ لـيمد "ألكسندر" ذراعه ويحيط بـجسدها محاولاً تهدئة روعها.

وهمس بـخفوت: "لقد اتفقنا مسبقاً ألا نفعَل هذا بـأنفسنا".

فـردت بـارتعاش: "أنا لا أرغب في ذلك بـدوري، ولكنني... أنا خائفة منه بـشدة".

واستكان كتفاها النحيفان بـداخل معطفها الفروي الأسود وهي ترتجف بـخفة.

'أرجوك.. يا إلهي، أرجوك لا تجعلني أكنّ مشاعر الكراهية تجاه طفلي'.

وتقدم "آرثر" لـيجلس بـجوارها بـينما كانت ماريان تلهث بـالصلوات والدعوات تلو الدعوات تطلب الرحمة والغفران من الخالق.

وسألها آرثر بـصوت منخفض استقر فوق النغمات المهيبة لـمعزوفة الأورغن: "هل أنتِ بـخير؟".

وعضت ماريان شفتها بـقلق وتوتر من تحت خمارها الأسود؛ وأطبقت عينيها وشبكت كفيها بـعجز.

ملامح باردة كـالجليد.

كانت تلك الملامح مألوفة للغاية لـ "آرثر"، الذي أبقى نظراته مثبتة بـصلابة نحو المذبح القابع أمامه؛ وتلاقت عيناه بـنظرات الطفل الراحل المنبثقة من خلال لوحته الشخصية المحاطة بـزهور الزنبق الأبيض.

'اعتذر إلى الخالق لأنك الوحيد الذي بقي على قيد الحياة بـمفرده'.

لقد حان وقت التكفير عن الذنب.

'إذا لم يمنحك الخالق صك النجاة، فـسينتهي بك المطاف لتلتهمك نيران الجحيم حتماً'.

ولم تكن الملكة ماريان مخطئة بـحديثها بـالمرة.

فـكل يوم يمر عليه كان يمثل جحيماً بـالفعل.

وبدأت مراسم التأبين بـترؤس الكاهن للمحفل الذي ضم ثلة من أفراد العائلة الملكية والنبلاء؛ وأخذ صوته يحاكي مشاعر الحزن بـمصانعة وهو يتلو ترانيم الصلاة.

".................. واغفر لنا خطايانا وزلاتنا".

فـتردد الصدى: "آمين".

وانطلق الصوت المهيب لـ "دوق ديموس" من الجانب المقابل للممر، حيث كان يجلس بـجوار آرثر؛ واستقام آرثر في جلسته ورمق الدوق بـأعين هادئة وصارمة.

إن القاتل قد نجح في خداع ضحيته والتلاعب بها حتى النهاية بـبراعة.

وأحاطت بـآرثر موجة عارمة من الاشمئزاز والنفور تجاه هذا الدنس لدرجة كادت تدفعه لارتكاب جريمة قتل بـدم بارد، لكنه كبح جماح غضبه بـإحكام وجز على فكّه بـقوة.

وتلا ذلك خطاب تأبيني طويل ألقاه الملك "دويتزن"، الأب الروحي للأمير الراحل إيهيري لوتشيانو فون ماكسيميليان؛ وفي نهاية الخطاب الذي كان يفيض بـالأسى والملل بـمرتبة متساوية كـالمعتاد، عاد الملك إلى مقعده بـملامح جامدة.

وتقدمت "سيسيليا"، التي كانت ترتدي سواداً حالكاً وكأنها خرجت لتوها من جوف تابوت، لـتسير تحت الضوء المهيب والقدسي المنساب عبر نوافذ الزجاج الملون؛ ومع وقوفها أمام منصة الجوقة، انطلقت النغمات الثقيلة لـمعزوفة الأورغن الأنبوبي الممتد نحو السقف الشاهق، لـتتساقط الألحان في الأرجاء كـالهواء الكثيف.

وشبكت سيسيليا كفيها بـخشوع وتضرع، وانطلقت من بين شفتيها ترنيمة ثناء وتأبين لـولي العهد المنكوب الراحل؛ وكان صوتها، الذي جرى كبحه بـذوق رفيع لـيمنع تدفق العواطف الجياشة التي تنبض بـداخله، بـمثابة عرض مسرحي وأداء فني بـحد ذاته.

حزن مزيف وخادع.

وبـالرغم من أدائها المليء بـالشغف والمصانعة، إلا أن صوت سيسيليا فشل في اختراق جدران آرثر أو الوصول إلى أعماقه.

فـسيسيليا التي لم تختبر يوماً مرارة خسارة وفقدان أي شيء في حياتها، كان حزنها بـأكمله مجرد زيف؛ واستشعر آرثر بـخيبة أمل ونفور عارم من تلك الأداءات الرخيصة لـلمغنين والممثلين في هذا المحفل.

'اعتذر إلى الخالق لأنك الوحيد الذي بقي على قيد الحياة بـمفرده'.

وكاد طوق عنقه الضيق أن يخنقه بـعنف، لتجتاح كيانه موجة من الضيق والانزعاج الفظيع الذي لا يطاق، حتى بالنسبة لـرجل لا يزال حياً ويتنفس.

ونادى صوت أنثوي رقيق بـين ثنايا ضيقه: "سموك".

وانتقلت نظرات آرثر بـسرعة نحو سيسيليا، التي كانت تضيء قوامها الثريا الذهبية المزخرفة، لكن وعيه وإدراكه كانا بـطريقة ما لا يزالان قابعين داخل الشرفة المشمسة لـقصر دوق ديموس في تلك الليلة الخوالي.

"تنفس... تنفس بـبطء وهدوء..................".

وانفلتت من صدره تنهيدة عفوية بـلا وعي؛ وعاد لـيتنفس بـشكل طبيعي وصحيح مجدداً، وكأن تلك اللعنة المطبقة على صدره قد رُفعت عنه لتوها.

".................. كل شيء بات بـخير الآن".

لقد همست تلك المرأة بـنعومة ولين في أذنه، كـضوء ساطع يبدد غياهب الظلام الدامس من حوله.

وانبسطت كف آرثر ببطء، بعد أن كان يحكم إغلاقها كـلكمة متشنجة؛ ونجح ذلك الدفء المنساب من كف المرأة في تهدئة روعه وتثبيت أركانه.

لقد كان إحساساً حيوياً وواضحاً بـدرجة تفوق بـكثير احتمالية أن يكون مجرد وهم أو سراب عابر.

وانتهت مراسم التأبين والجنازة بـحلول منتصف النهار.

وجرى إخراج الملكة ماريان بـمرافقة الملك ألكسندر والأميرة شارلوت بداخل عربة ملكية فاخرة تجرها ستة من الخيول البيضاء المطهمة؛ وانقسمت الحشود الغفيرة التي تجمهرت أمام الكاتدرائية لـمراقبة الموكب الملكي إلى جانبين لـيفسحوا طريقاً للمرور.

وراقب آرثر هذا المشهد بـصمت وجفاء، ثم سحب سيجارة من جيب معطفه ورفع رأسه لـلأعلى؛ كان هواء منتصف النهار بـارداً بـقسوة لا تلين، وبدت الغيوم الرمادية المتراكمة في الأفق وكأنها تنذر بـاستمرار تساقط الثلوج حتى الغد.

وقام مساعده بـحماية لهب ولاعته بـكف يده، وقربها من طرف سيجارته، وسرعان ما انطلقت نفخة من الدخان الرمادي الخفيف لـتتصاعد في الهواء الشاحب.

وتقدمت سيسيليا بـخطواتها بـينما كانت أطراف ردائها الأسود ترفرف بـخفة مع الحركة وسألت بـعرض: "هل أنت ذاهب إلى قصر 'سانت درين'؟ لنذهب معاً إذن".

وأدار آرثر نظراته بـعيداً عن الموكب الملكي ورمقها بـهدوء للأفل؛ وكانت تينك العينان الخضراوان اللتان تطلعان نحوه بـمشاعر الاهتمام والرعاية تشبهان بـشكل مرعب ومريب عينى تلك المرأة، "كريستين بيلدون".

وبعد التقاء نظراتهما بـصمت، أجاب آرثر بـنبرة جافة ومقتضبة: "من فضلكِ، تولى رعاية والدتي والاعتناء بها".

فتساءلت سيسيليا بـنبرة ارتجفت بـارتباك وذعر: ".................. ولماذا؟".

فـفي كل عام، وبـعد انتهاء مراسم التأبين، كانت هي وآرثر يسافران معاً نحو قصر سانت درين، الذي يمثل نزل الصيد الملكي، حيث كانت تشدو بـألحانها لـتمنحه نوعاً من العزاء والسلوان الذي كان بـأمس الحاجة إليه.

وأخذت سيسيليا تتقصى وتقرأ معالم وجه آرثر الصامت بـالبحث؛ وكانت عيناه الساكنتان داكنتين كـعتمة السماء التي بدأت في نثر حبات الثلوج مجدداً بـلا رحمة.

فـرد بـبرود: "أخشى أنها لا تملك أي أطفال بـجوارها لـيؤنسوا وحدتها في هذا اليوم؛ لذا ابقِ بـجوارها".

ولم تنطق بـإجابة سريعة؛ ورغم أن هذا التحول غير المتوقع في الأحداث كان مخيباً لآمالها، إلا أن سيسيليا كانت سيدة من سلالة نبيلة وتتقن بـراعة كيفية إخفاء مشاعر استيائها وعدم رضاها.

وقالت بـلين مصطنع: "إذا كان هذا هو طلب آرثر بـالذات، فـأنا سأمتثل... حسناً، لا بأس بـذلك".

وارتسمت على شفتي سيسيليا ابتسامة لطيفة، لـيرمقها النبلاء السادة من حولها بـنظرات مليئة بـالافتتان والذهول؛ فـالنجمة الأولى لـدار الأوبرا الملكية كانت تفيض بـالنعومة والجمال بـأزيائها الرسمية الفاخرة.

وتابعت سيسيليا متجاهلة تلك النظرات: "قم بـمرافقتي نحو العربة بـدلاً من ذلك".

وأومأ آرثر بـرأسه بـإيجاز، وقام بـإطفاء سيجارته نصف المحترقة، وسار بـرفقة سيسيليا نحو المساحة المخصصة لـوقوف عربة دوق ديموس.

وفي تلك اللحظة فقط، انطلقت العربة الملوكية ذات اللون الأزرق الداكن (الألترامارين) والتي تحمل ولي العهد بـخطواتها.

ومع اقتراب العربة ذات الإطارات الذهبية الفاخرة من البوابة الرئيسية للكاتدرائية، انحنى المعزون الاصطفاف على جوانب الطرقات بـتزامن لـتقديم تعازيهم ومواساتهم لسموه.

من أجل ولي العهد الجديد الذي سيتعين عليه حمل التاج الثقيل والمثقل بـالدماء بـدلاً من أخيه الراحل المنكوب.

وكان بعضهم يتذكر بـوضوح وجلاء تلك المأساة المروعة والفظيعة التي حلت بـالعائلة قبل عشرين عاماً خلت.

وفي خضم تلك الظروف العصيبة والمدمرة، ودون إقامة أي مراسم رسمية أو إطلاق بيان علني مطول، أعلنت العائلة الملكية تنصيب ولي العهد الجديد بـالتزامن مع إلقاء خطاب الذكرى السنوية الأولى لوفاة الأمير إيهيري لوتشيانو فون ماكسيميليان.

وقد كان واحداً من أكثر طقوس التنصيب عزلة وحزناً في تاريخ الإمبراطورية بـأكمله.

وكان ذلك هو الوقت الذي أخذ فيه المواطنون الثكالى يمرون من أمام نافذة عربته بـلا معنى كـلوحة طبيعية منسابة؛ وتوقفت نظرات آرثر لـبرهة عابرة بـينما كان يسحب سيجارة جديدة من علبتها المستقرة بـجيب زيه العسكري الرسمي.

وعبر حبات الثلوج المتساقطة بـكثافة، كانت هناك امرأة ترتدي خماراً أسود داكناً تقف بـتصلب وجمود، وتطلع نحو مساره بـثبات.

رداء رمادي بالٍ، وشال بـلون رمادي أكثر شحوباً وخفة.

لم تكن هناك ذرة شك واحدة... لقد كانت تلك المرأة هي "كريستين بيلدون" بـشخصها!

🎶 *أنتِ السبب وراء تمزق وشجون قلبي.*

فوق خشبة مسرح أوبرا غونو الشهير، أخذ المغني (التينور) الذي يجسد دور "أليخاندرو" يشدو بـألحان عشقه الجارف وهيامه بـ "فيوليت"، وقام بـوضع كفه بـنعومة فوق كتف "كريستين".

لقد حان دور كريستين الآن لـتشدو بـجوابها.

🎶 *آه.. يا نبع طهري ونقائي.*

🎶 *كل ما يمكنني إهداؤه لكِ ليس سوى عهد صداقتي.*

ومع بدء الدويتو الغنائي واللحني المليء بـالشجن بـين أليخاندرو وفيوليت تحت وهج أضواء المسرح الساطعة، وقع الجمهور بالكامل تحت وطأة السحر والافتتان بـالعرض.

وكان مسرح الأوبرا، الذي يمر في خضم جلسة تدريبات وإعادة مكثفة، يغلي بـالحرارة والدفء المنبعث من أجساد وأنفاس المغنين.

وكان أليخاندرو على وشك البدء في مقطوعته المنفردة (الآريا)، عندما أفلتت كريستين المذعورة والمجفلة من بـين ذراعيه بـسرعة كـفراشة هائمة تطير نحو قاعة الجمهور بـلا وعي!

## وفي تلك الثانية، تعثرت المغنية (الميزو-سوبرانو) التي تؤدي دور الخادمة، والتي كانت قد دخلت لتوها إلى المشهد المسرحي، بـقدمها وسقطت أرضاً بـصرخة حادة ومفاجئة تردد صداها المربك في الأرجاء!

**💡 

تعليقات

"ركن الحكايات.. حيث تذوب القلوب بين السطور

قائمة الاعمال المترجمة

The duke's bed warmer

-الفصل (1)- صحوة النظام

المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي

الفصل (1) ثمن الابنة