الفصل (30) Odalisque_جاريه
"هل كاحلكِ بخير يا أختي؟ ربما يجدر بكِ الراحة في المنزل اليوم."
"أخبرتكِ بالأمس، الإصابة ليست خطيرة. سأعود قريباً."
عند كلمات "ليف"، نظرت "كوريدا" إلى كاحل أختها بتعبير قلق، لكنها سرعان ما أومأت وتمنت لها رحلة آمنة.
الكاحل الذي كان يؤلمها مع أدنى حركة بالأمس تحسن نوعاً ما بعد ليلة من النوم الهانئ. ورغم أن عرجتها كانت ستظهر للعيان إذا ما روقبت عن كثب، إلا أنها لم تكن عائقاً يمنعها من الخروج. عبرت ليف الفناء، وخرجت من الباب الأمامي الذي لم تألفه بعد.
لقد حفظت بالفعل تخطيط الحي؛ فقد تكرم "أدولف" بتزويدها بخريطة للمنطقة، كانت محددة بعلامات للمتاجر والمرافق القريبة. يبدو أنها صُنعت خصيصاً بمعلومات إضافية تتجاوز الخرائط التجارية العادية.
بفضل ذلك، تمكنت ليف من العثور على صبي الصحف دون أدنى عناء.
بشكل عام، صبيان الصحف سريعو الالتقاط للأخبار، فهم غالباً ما يسمعون أشياءً أثناء بيع الصحف، ويميلون لتكوين شبكاتهم الخاصة التي تعمل كبيئة خصبة للشائعات.
"صحيفة!"
"لستُ هنا من أجل صحيفة، أريد فقط أن أسألك عن شيء ما."
ناولت ليف الصبي عملة معدنية، فابتسم باتساع وأومأ لها.
"هل سمعت أي شيء عن جريمة قتل حدثت الليلة الماضية؟"
"بشكل غير رسمي؟"
*جريمة قتل غير رسمية؟ هل يوجد شيء كهذا أصلاً؟*
بدا الارتباك على وجه ليف وهي تحاول استيعاب المعنى: "آه.. سواء كانت رسمية أو غير رسمية."
"أوه، هناك الكثير من ذلك."
هز الصبي كتفيه بلا مبالاة وتابع: "تحدث كل أنواع الأشياء الفظيعة في أزقة (بويرنو) الخلفية—أشياء لا يمكن لآنسة مهذبة مثلكِ حتى تخيلها!" تحدث الصبي باستعراض مبالغ فيه، وكأنه يقلد شخصية نبيل رآها في مكان ما: "لكن (بويرنو) كانت هادئة تماماً الليلة الماضية، لذا لا داعي للقلق!"
بعد شكره، ناولته ليف عملة أخرى واستدارت للمغادرة.
*هادئة، هاه؟ حتى بعد طلقة نارية مدوية كهذه؟ يصعب تصديق ذلك.*
لو كانت قد تُركت عاجزة أمام ذاك الوغد، فهل كان سيظل المكان يُسمى هادئاً؟ مجرد الفكرة جعلت القشعريرة تسري في جسدها. على أي حال، وبما أن الطلقة النارية والضحية لم يصيرا خبراً عاماً، يبدو أن الماركيز قد أدار الأمر جيداً. هو يملك الوسائل للتعامل مع الأشياء بشكل لائق، خاصة وأنه هو من أطلق النار بنفسه—مما يضمن إنهاء كل شيء بنظافة.
لم تكن ليف قلقة بشأن المجرم الذي أُصيب، بل كان قلقها منصباً على الماركيز. إذا ما تورط في حادثة لا داعي لها بسببها، ستجد ليف نفسها في وضع حرج، بما أنها أصبحت تعتمد عليه مالياً.
ولم يكن الأمر يتعلق بالجانب المالي فحسب... ليس تماماً...
*— "هل لا تزالين تبحثين عن الله في ذاك المصلى؟"*
ضغطت ليف بيدها بقوة على صدرها. إيقاع قلبها السريع والخافق تركها تشعر بإحباط غريب.
التواء الكاحل البسيط لم يكن سبباً كافياً للتغيب عن درس "ميليون". شعرت ليف بالارتياح لأن تنورتها كانت تخفي الكدمات على ساقها عند وصولها إلى قصر "بيندانس".
"معلمتي، معلمتي!"
"نعم ميليون، أنا أسمعكِ."
"سمعتُ أنكِ انتقلتِ بالقرب من منطقة (فيمون)!"
مرة أخرى، كانت ميليون مهتمة بالدردشة أكثر من دراستها. أومأت ليف بشرود وهي تصحح ورقة اختبار ميليون، وكلما وضعت علامة خطأ، ازدادت خطوط التجهم على جبهتها.
"هناك متجر كعك رائع حقاً هناك!"
بالنسبة لميليون، التي تُعرف بذوقها الصعب، فإن قولها إن شيئاً ما لذيذ يعني أنه استثنائي حقاً. أومأت ليف تعقيباً على تعليق ميليون، مما شجع الفتاة أكثر.
"إنه يقع مقابل زقاق المجوهرات في قلب منطقة (فيمون)! يصنعون كعكة كريمة مخفوقة مذهلة."
"أوه، أرى ذلك. ولكن ميليون، ألم أخبركِ بمراجعة دروسكِ؟ لماذا توجد كل هذه الأخطاء؟"
بدا وكأن أكثر من نصف الإجابات خاطئة. كان من الواضح أن ميليون لم تراجع كما أمرتها ليف.
"إنهم يقدمون أيضاً عصير فواكه مع الكعك! يمكنكِ رؤيتهم وهم يعصرون الفواكه أمامكِ مباشرة!"
"حفل بلوغكِ ليس ببعيد، ومع كل هذه الأخطاء، لا أعرف كيف سأواجه البارونة بيندانس."
وضعت ليف يدها على جبهتها؛ فلو رأت البارونة ورقة الاختبار هذه، فقد تطالب بصرامة بتغيير طرق التدريس.
"حفل بلوغي لا يزال بعد عامين يا معلمتي!"
"ميليون، ألا تدركين أن دروس الإتيكيت ليست الدراسة الوحيدة التي يجب أن تركزي عليها؟"
"أوه، معلمتي..."
أخيراً، استسلمت ميليون وهي تشعر بالهزيمة، واستعادت ورقة الاختبار وبدأت تنظر في أخطائها بتعبير عابس. كانت ميليون تتعلم حالياً آداب السلوك الاجتماعي (الإتيكيت)، ورغم أن تعلم الآنسات النبيلات لهذه الأشياء قد يبدو قديماً في هذه الأيام، إلا أن ليف لم تستطع تجاوز المنهج الذي اتفقت عليه مع البارونة، فضلاً عن أن ميليون ستحتاج إليه في المجتمع الراقي مستقبلاً.
تمتمت ميليون بإحباط وهي تلوح بورقتها: "بصراحة، كل هذه الأشياء عفا عليها الزمن."
"لم يفت أوانها تماماً بعد."
اهتز يقين ليف وهي تتحدث، فهي نفسها لم تشارك في فعاليات المجتمع الراقي. ومع ذلك، فإن المحتوى الذي تدرسه الآن هو ما تعلمته في مدرسة "كليمانس" الداخلية—وهو منهج يعتبره جميع أقرانها من النبلاء ضرورياً.
"عندما أكبر بما يكفي للانضمام للمجتمع الراقي، سيكون كل شيء قد تغير."
"أتفهم رغبتكِ، لكن العالم الاجتماعي أكثر تحفظاً مما تظنين."
لوت ميليون شفتيها بعدم اقتناع، ومع ذلك فتحت كتابها بتردد. لكن تركيزها لم يدم حتى لثلاث دقائق، فسندت ذقنها على يديها ونظرت لليف بعينين براقتين:
"لكن يا معلمتي، هل كان الناس حقاً يُخطبون فور ولادتهم في الأيام الخوالي؟"
"أين قرأتِ ذلك؟"
"في الكتاب الذي قرأته بالأمس، البطلة خُطبت لرجل لا تعرفه حتى فور ولادتها!"
"آه، رواية رومانسية جديدة."
لا عجب أنها لم تراجع دروسها—لقد كانت مشغولة بقراءة رواية. ورغم كره ميليون للدراسة، إلا أنها عادة ما تبذل جهداً أكبر من هذا. خمنت ليف بسهولة أن ميليون قد سهرت لوقت متأخر جداً الليلة الماضية، وربما لم تنم أبداً.
"ولكنها بعد ذلك وقعت في الحب في حفل بلوغها وفسخت خطبتها متحديةً عائلتها!"
"بطلة جريئة وعنيدة إذاً."
أن تتحدى عائلتها وتفسخ خطبة.. يبدو أن عادات المجتمع الراقي القديمة بدأت تصطدم بخيال ميليون المتأثر بالروايات. أدركت ليف أخيراً ما يكمن وراء موقف ميليون غير المتعاون تجاه الدروس. كانت ميليون قارئة متحمسة، وتعتمد درجة انغماسها عادة على مدى تسلية الكتاب. وبناءً على رد فعلها، يبدو أنها كانت منغمسة تماماً في رواية الأمس.
وبالفعل، شبكت ميليون يديها على صدرها وكأنها البطلة نفسها، وأعلنت بتأثر: "ولكن تبين لاحقاً أن البطل كان ابناً غير شرعي للملك!"
"أوه، مفاجأة."
رغم رد ليف الجاف، إلا أن حماس ميليون وصل ذروته، فلوحت بذراعيها في الهواء قائلة: "لذا واجها أزمة معاً، لكنهما في النهاية تغلبا عليها من خلال حبهما!"
"نعم، تبدو قصة مذهلة."
*الرواية تظل رواية*؛ أومأت ليف بشرود. لو كانوا مخطوبين منذ الولادة، لكان لتلك العائلات تاريخ طويل، مما يجعل فسخ الخطبة أمراً غير واقعي بالمرة. أما الوقوع في حب ابن الملك غير الشرعي وتخطي كل شيء بالحب؟ في الواقع، ابن الملك غير الشرعي سيواجه على الأرجح المقصلة.
دون أن تعرف أفكار ليف، سألت ميليون مجدداً بعينين براقتين: "إذاً يا معلمتي، هل كان الناس حقاً يُخطبون عند الولادة في الأيام الخوالي؟"
"لا تزال هناك حالات كهذه اليوم."
"مستحيل، أنتِ تكذبين!"
كشخصية تؤمن حديثاً بالحب الجريء، تفاعلت ميليون باشمئزاز مبالغ فيه: "كيف يمكن لشخص أن يُخطب لإنسان لم يقابله حتى؟"
"إنه اتحاد بين عائلات مرموقة. ألم تذكري سابقاً أهمية التعاون بين العائلات؟"
"لكن هذا مجرد تعاون! الخطبة بدون حب—كيف يكون ذلك تعاوناً؟"
"الزواج هو أقوى أشكال التحالف."
لوت ميليون شفتيها وهي تنظر لليف التي حطمت مثلها الرومانسية العليا، وقالت: "لكن الأمور ستتغير الآن. حتى عائلتا (مالت) و(زيغهيلت) فسختا خطبتهما."

تعليقات
إرسال تعليق