الفصل (3) Sea Monster Stew,



## الفصل الثالث: سر القلادة الفضية وبداية الخديعة

وقع التفسير الجاف الذي نطق به الفتى على مسامع «بيتشي» كحد السيف المصقول؛ فتمتمت بصوت يرتجف من أثر الرعب:

"…… أنت لا تقصد وحوش البحر ذات الهيئة البشرية، أليس كذلك؟"

"هاه؟ لستُ متأكداً من تفاصيل اللغز، ولكن..." حك الفتى خده بملامح حائرة وتابع: "على الأرجح نعم؟ وبما أنها مخلوقات تشبه البشر وتتحدث مثلهم، فلا بد أن الأمر بدا مقززاً ومثيراً للغثيان للزوجة، وكأنها ارتكبت جريمة أكل لحوم البشر".

"..."

"ولم تستطع الزوجة أن تغفر لنفسها قط أنها شعرت بالرضا والشبع بعد تناول مثل هذا الوحش القذر".

راحت مشاعر الخوف والأسى تتضخم في أعماق وجدان بيتشي، وبدأ قلبها ينبض بعنف شديد وكأنه يوشك على القفز من صدرها؛ فكلمات الفتى العابرة كانت تمزق روحها تمزيقاً.

وقالت في سرها: *«هل كنتُ سأستمع إلى هذا اللغز دون أن أشعر بشيء لو كنتُ مجرد بشرية عادية؟»*. كلما تعمقت في تفكير اللغز، ازداد قلبها لوعة وألماً؛ فبيتشي تنتمي إلى كلا العالمين، البشر ووحوش البحر. لذا، فإن التعامل مع بني جنسها في اللغز كقطع لحم قذرة كان بمثابة خنجر مسموم يُغرس في هويتها المشتتة.

وعادت الشكوك تهاجمها حول طبيعة وجودها؛ فهي ليست بشرية كاملة ولا وحشاً كاملاً، وفكرت بمرارة: *«لن يكون بمقدوري أبداً الاندماج والعيش بسلام وسط البشر»*.

ومع استيعابها لمرارة موقفها، زحفت مجدداً تحت الغطاء، ليمد الفتى يده وينقر على كتفها متسائلاً: "ألم يعجبكِ اللغز؟"

سحبت بيتشي الغطاء فوق رأسها بعناد وأجابت: "لم يعجبني".

تمتم الفتى بارتباك: "حقاً؟ لكن أعمامي من القراصنة ضحكوا جميعاً وقالوا إنه لغز مشوق ومثير للحماس عندما استمعوا إليه". ورغم أنه كان ينوي الترويح عنها ومواساتها، إلا أن هذا اللغز المرعب جعل مشاعرها أكثر تعقيداً وسوداوية.

وبعد برهة، شعرت بحركة خفيفة خارج الغطاء، فأنزلته قليلاً بنظرات حائرة؛ لتجد الفتى مستلقياً على جنبه إلى جوارها، ويشخص نحوها بنظرات ثابتة من عينيه العسليتين. انتفضت بيتشي جافلة من قرب مفاجئ.

"مـ ما الذي تفعله؟ عد إلى مكانك!"

"أنتِ لم تجيبيني على سؤالي بعد؛ لقد سألتكِ قبل قليل عن سبب بكائكِ".

نظرت إليه بيتشي بارتباك شديد؛ تارة يلقي على مسامعها لغزاً مرعباً ليرفه عنها، وتارة يستلقي بعناد إلى جوارها مصراً على معرفة سبب دموعها! إنه فتى لا يمكن التنبؤ بتصرفاته أبداً، وأدركت أن المراوغة أو الكذب أمامه بلا فائدة. وبعد تردد قصير، تحدثت بحذر:

"... والدتي..."

"حسناً، والدتكِ". كرّر الفتى كلماتها بنبرة اتسعت بنوع من اللين، ولم تعد نظراته باردة أو غير مبررة؛ بل تمازجت في عينيه الذهبيتين مشاعر دافئة غير متوقعة منحتها شعوراً بالراحة والسكينة.

اعترفت بيتشي بصوت متهدج: "كانت هناك قلادة فضية ثمينة تحتوي على صورة، أهدتني إياها والدتي... لكن القبطان هاوك انتزعها مني... ولم يَعِدها لي حتى الآن".

سألها الفتى بحيرة: "القبطان هاوك؟". وتذكرت بيتشي تلك اللحظة القاسية عندما خطف القبطان القلادة من عنقها وانفجرت هي بالبكاء؛ ورغم توسلاتها له بأنها ذكرى غالية، إلا أنه تجاهلها تماماً وراح يتأمل القلادة بتركيز مريب.

تمتمت وهي تمسح دموعها: "ظننتُ أنه سيعيدها لي عندما ننزل في جزيرة سانشاكريت...". ومع تذكرها لعجزها وقلة حيلتها، شعرت بحرقة مجددة في أنفها.

تمتم الفتى بملامح جامدة: "إذن، هو لم يسمح لكِ بمغادرة الجزيرة، ولم يعيد إليكِ قلادتكِ أيضاً". ثم انتفض فجأة واقفاً على قدميه. ارتبكت بيتشي وهي تراه يتجه بخطوات واسعة نحو الباب وسألته بذعر: "إلى أين تذهب؟"

التفت إليها ونظر فوق كتفه قائلاً: "أنا ذاهب لمواجهة القبطان. مع قليل من الحظ، قد تستعيدين قلادتكِ". كان صوته ينضح بعزيمة صلبة وإصرار شديد، واختفت نبرة البرود واللامبالاة تماماً من ملامحه.

"انتظر! إذا قمت باستفزازه دون سبب، فقد يعاقبك...!" صرخت بيتشي ونهضت مسرعة للحاق به، لكن الفتى كان قد تسلل خارجاً بالفعل. استرقت النظر من الباب، لكن الممر الطويل كان خالياً تماماً.

بحلول صباح اليوم التالي، لم يكن الفتى قد عاد بعد. وحتى عندما بدلت بيتشي ثيابها بأخرى نظيفة أحضرها أحد البحارة، وملأت معدتها بوجبة دافئة، لم يظهر له أي أثر.

ودبّ القلق والرعب في أوصالها: *«هل يعقل أن القبطان أنزل به عقاباً صارماً وقاسياً بسببي؟»*. ورغم أنه مجرد غريب لا تعرف حتى اسمه، إلا أن تلك الرابطة الخفية والمشاعر المشتركة بينهما جعلت قلبها في اضطراب مستمر.

ولم تطق صبراً، فسألت البحار الذي أحضر لها الطعام بحذر: "عذراً... ذلك الفتى الذي أُعيد إلى السفينة معي بالأمس، لم أره منذ ذلك الحين".

هز البحار رأسه تذكراً وقال: "آه، تقصدين ذلك الفتى النحيل والطويل؟ إنه يعمل الآن كخادم أجير لتنظيف مقصورة القبطان. ولكن لماذا تسألين؟"

تنفست بيتشي الصعداء بارتياح وقالت: "لقد كنتُ قلقة فحسب بسبب اختفائه المفاجئ...". على الأقل لم يتم إلقاؤه لأسماك القرش! لكن قلقها لم يتبدد بالكامل، فتابعت سؤالها: "عذراً، إلى أين تتجه هذه السفينة الآن؟"

حك البحار شعره الأشعث وأجاب بعفوية: "حقاً؟ ألم يخبركِ القبطان؟ سنصل قريباً إلى أرخبيل جزر (كاراباس)".

"كاراباس...؟"

انقطع نَفَس بيتشي واتسعت عيناها برعب شديد؛ فاسم «كاراباس» هو المعقل الرئيسي والمقر المرعب والسيء السمعة لقراصنة «كروكوس»! وهنا تحطم أملها الضئيل في النجاة بالكامل.

وبمجرد خروج البحار، دفنت بيتشي وجهها بين يديها، وشعرت بضيق شديد في صدرها وثارت ثائرتها في سرها: *«يقولون إن قراصنة كروكوس يتحلون بالشهامة والفروسية؟ يا لها من كذبة صلعاء فجة!»*، وتحطمت ثقتها الضعيفة بالطاقم تماماً، وقررت: *«يجب عليّ الهروب»*.

وكأنها واقعة تحت تأثير تعويذة، نهضت واتجهت صوب النافذة المستديرة للمقصورة؛ حيث كانت أمواج البحر الزرقاء تتلاطم بالخارج. وبعزيمة قاطعة، وضعت ركبتها على حافة النافذة؛ فلم يعد أمامها سوى إلقاء نفسها في البحر والسباحة بلا وجهة. ورغم أنها لم تنبت لها خياشيم بعد، إلا أن دماء الوحوش البحرية في عروقها قد تحميها من الغرق.

"ما الذي تفعلينه بالضبط؟!"

اخترق الصوت الأجواء ليجعلها تنتفض جافلة! وظهر الفتى ذو الشعر الرمادي فجأة، وقبض عليها بقوة من الخلف ساحباً إياها بعيداً عن النافذة، وصاح بصوت يمتزج فيه الغضب بالحيرة: "هل جننتِ؟ هل كنتِ تحاولين إنهاء حياتكِ والموت؟!"

تمتمت وهي معلقة بين يديه بارتباك: "كنتُ أحاول الهروب من هنا فحسب..."

صاح بغضب ملامحه تشتعل ضيقاً: "ماذا؟ كنتِ تخططين للفرار وكتف الهرب وتتركي لورائكِ هكذا؟ يا لقلة الأصل والخيانة! لقد أنزلتكِ وأنا أحسب أننا رفاق كفاح!"

وضَعها بخشونة وسط الأراجيح، ورغم نبرته القاسية والفظة، إلا أن تقاطيع وجهه لم تستطع إخفاء ملامح الخيبة والخذلان؛ فقد شعر بإهانة حقيقية لأنها حاولت الرحيل دون أن تنبس ببنت شفة.

طأطأت بيتشي رأسها بعمق متجنبة نظراته وقالت بخفوت: "أنا آسفة..."

تنهد الفتى بعمق وتمتم: "كل ذلك العمل الشاق الذي يكسر الظهر لاستعادة هذا الشيء يبدو ضائعاً وهباءً الآن". ثم مد يده نحوها ليرخي قلادة فضية؛ واتسعت عينا بيتشي بذهول وفرحة عارمة وهي ترى القلادة المستديرة المتأرجحة... إنها قلادة والدتها التي سلبها القبطان هاوك!

"كيف استطعتَ...؟"

أجابها: "لقد استعدتُها مقابل تنظيف وجلي أرضية مقصورة القبطان بالكامل حتى باتت تلمع بلا بقعة واحدة".

وفي تلك اللحظة، وبينما كان يربط القلادة حول عنقها، بدا لها وكأنه ملاك منقذ. وتجمعت الدموع في عيني بيتشي وهي تنظر إليه؛ فقد كانت هذه أول لفتة طيبة ودفء حقيقي تختبره منذ أن تم اختطافها وسحبها لسفينة العبيد، وازدهرت مشاعر عاطفية دافئة في صدرها.

وتحت تأثير هذه المشاعر الجياشة، اندفعت ونشلت جسدها لتحتضنه بقوة وتضمه إليها. تملك الارتباك الفتى وهو ينظر إليها من الأعلى بينما دفنت وجهها في صدره.

"ما الذي تفعلينه؟"

تمتمت وهي تحاول استجماع شتات نفسها: "شكراً لكَ جزيل الشكر..."

تردد الفتى لبرهة، ثم دفعها عنه بعناية قائلاً: "هذا يكفي، تراجعي إلى الخلف".

تراجعت بيتشي بطاعة وهي تمسح وجهها الملطخ بالدموع، وعندما رفعت رأسها، وجدت أن وجه الفتى قد اصطبغ باللون الأحمر القرمزي، واشتعلت أذناه وعنقه بالخجل؛ ويبدو أنه ليس محصناً ضد هذا النوع من العناق العاطفي.

تذمر وهو يستلقي بارتياح فوق إحدى الأراجيح الشبكية القريبة: "لقد أعدتُ إليكِ قلادتكِ، لذا كفي عن هذا النحيب والبكاء السخيف". قبضت بيتشي على القلادة بقوة واقتربت من أرجوحته؛ وخطرت في بالها فكرة أنهما رغم وقوعهما في الأسر معاً، إلا أنهما لا يعرفان اسمي بعضهما البعض، وباتت متشوقة لمعرفة اسم منقذ قلادتها الغالية.

وسألته بحذر: "ما هو اسمك؟ وأين تقبع بلدتك ومسقط رأسك؟"

شبك الفتى يديه خلف رأسه كوسادة وأغلق عينيه بإحكام وأجاب بنبرة خافتة: "…… ليس لديّ موطن أو عائلة لأعود إليها".

انقبض قلب بيتشي حزناً عند سماع إجابته، وخشيت أن تكون قد لمست وتراً حساساً وجرحاً غائراً في نفسه. وفكرت: *«ولكن على الأقل اسمه...»*. غير أن عينيه المغلقتين بإحكام كانت تنضحان بالضيق، مما جعل من الصعب عليها التمادي في السؤال.

وفي تلك اللحظة، انفتح الباب فجأة بقوة، وظهر القبطان «هاوك». سارعت بيتشي بإخفاء القلادة الفضية داخل ياقة قميصها.

أشار القبطان بوجوم وصرامة بذقنه نحو الباب دون أن يلتفت حتى نحو بيتشي المذعورة، ونادى بصوت جاف: "اخرج". كانت عيناه المليئتان بالغضب مثبتتين بالكامل على الفتى ذي الشعر الرمادي.

تنهد الفتى وقفز خفيفاً من الأرجوحة قائلاً: "لنذهب إذن". رمقه القبطان بنظرة حادة وحانقة وهو يغادر الغرفة، قبل أن يلتفت نحو بيتشي ويقول بنبرة هادئة: "أنا آسف لترويعكِ؛ ارتاحي جيداً". ومع كلماته، أُغلق الباب خلفهما بقوة ومزلاج حديدي.

 * * * وما إن وطئت قدمه سطح السفينة، حتى استقبلته أصوات تلاطم الأمواج العنيفة. تثاءب «كيزا» بكسل، ومد ذراعيه مستنداً على الحافة العريضة للسفينة. وفي اللحظة ذاتها التي التفت فيها نحو مؤخرة السفينة الصاخبة...

اندفعت لكمة قوية وقاطعة من الخلف مع صوت صفير الهواء وجاء صوت هادر يصيح: "كيزا، أيها الصعلوك الصغير!"

أمال كيزا رأسه بخفة ومهارة اعتاد عليها، ليتفادى بكل سهولة تلك اللكمة العنيفة التي وجهها إليه القبطان هاوك!

تعليقات

"ركن الحكايات.. حيث تذوب القلوب بين السطور

قائمة الاعمال المترجمة

The duke's bed warmer

-الفصل (1)- صحوة النظام

المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي

الفصل (1) ثمن الابنة