الفصل (3) Albrecht’s Pearl- لؤلؤة ألبريشت-,



## **الفصل الثالث**

حكّ "توني" جبينه وهو يلعن نفسه في سره؛ فجشعه للمال هو ما جره لقطع كل هذه المسافة والوقوع في هذا المأزق.

"يا صاحب السمو، سأضطر للعودة والتفاوض معها مجدداً.. لقد كانت الشكوك تساورني بشأن أصالة القطعة!"

اندفعت خصلة رقيقة أخرى من الدخان لتملأ الفراغ بينهما. كان دخان السيجار اللاذع، على ثقله، أهون على توني من تلك النظرات الذهبية الثاقبة التي تخترقه. هتف توني بنبرة يائسة:

"لم تكن تملك أدنى فكرة عن قيمتها الحقيقية، وأنا واثق من أنني أستطيع إقناعها ببيعها مقابل عشرة أضعاف المبلغ!"

سأله كايوس بنبرة متهكمة:

"تتفاوض معها مجدداً؟ وبأي صفة؟"

أجاب توني على الفور:

"يا سيدي، أنا أعرف عنوانها!"

لقد مرّت ست أو سبع سنوات منذ أن بدأ لورد "بيرغ" في نشر إعلانات في مكاتب الرهونات بالجزر الخارجية بحثاً عن لآلئ ضخمة. لؤلؤة على شكل قطرة، بحجم إصبع الرجل.

كان اللورد قد وعد بأن من يأتيه بلؤلؤة بهذا الحجم، حتى وإن تبين لاحقاً أنها مزيفة، سينال مكافأة تعادل قيمتها مئة ضعف. كانت هذه القصة أشبه بالأسطورة بين أصحاب مكاتب الرهونات. وعندما رأى توني أخيراً تلك اللؤلؤة، لم يصدق عيناه؛ لقد كانت بحجم لم يره طوال حياته.

وبالطبع، كان الشخص الذي أحضرها نكرة لا قيمة له. ورغم علمه أن لورد "بيرغ" لن يكافئ على الزيف، إلا أن توني قام بواجبه كتاجر؛ دفع مبلغاً زهيداً للتحقق من أصالتها، وتحفظ على القطعة، بل وتتبع أثر صاحبتها ليعرف مكان إقامتها تحسباً لأن تكون أصلية، وليجبرها على البيع لاحقاً إن لزم الأمر.

ولضمان حقه، أرسل وثيقة موثقة للبنك الإمبراطوري وسافر إلى "بيرغ". حتى وإن كانت القطعة مزيفة، فمكافأة المئة ضعف لا يمكن لتاجر تفويتها. لكنه لم يدرك أن صك قرض بسيط سيجلب عليه كل هذا الويل.

بدا النبلاء في هذا المكان وكأنهم ينشقون من الأرض دون سابق إنذار، وهذا اللورد الشاب، الذي يفيض وجهاً بالبرود، يجلس بغطرسة كأنه إله سماوي ينظر إلى توني من علٍ. كان أتباعه القدامى يرتعدون حوله، وبجانبه يقف رجل يشبه كلب صيد جائع لم يأكل منذ أيام، ويبدو أكثر شراسة من سيده.

ومع كل حركة لعقرب الدقائق، كان قلب توني ينقبض رعباً.

**- باااام!**

اهتز صندوق المجوهرات الفضي المزخرف بعناقيد العنب ومال جانباً. لكن توني لم يجرؤ حتى على رفع رأسه لتفقد صندوقه الثمين. أحد "كلاب" اللورد داس على كف توني المنبسطة على الأرض، لكنه لم ينبس ببنت شفة.

استنتج كايوس ببرود، وكأنه لم يلحظ تذلل توني:

"بما أنه لم يتم شراء أي لآلئ، فلا توجد مكافأة."

"ماذا؟ إذاً................"

رفع توني رأسه والدموع تملأ عينيه. شعر بغصة في معدته وهو يفكر في العودة خالي الوفاض بعد كل هذا العناء، لكن حياته كانت الأهم؛ فالرجل الذي أمامه يبدو وكأنه يراه مجرد نملة لا قيمة لها.

للمرة الألف، حجب الدخان رؤيته، وهنا كاد توني أن يغشى عليه خوفاً مما يخبئه له المستقبل. لكن كايوس نطق بلهجة بدت "كريمة" بشكل مفاجئ:

"بدلاً من ذلك، سأشتري اللؤلؤة وصك الدين، بما في ذلك مكتب رهن هيلدن بكامله، بالسعر الذي ترتضيه."

ابتلع توني ريقه بصعوبة. لقد كان تقاعداً غير متوقع، لكن التقاعد هو حق للأحياء. توني زيمرمان، المرابي الذي كان يظن أن المال هو كل شيء، تعلم قيمة الحياة في تلك اللحظة.

"شكراً لك يا صاحب السمو.. وتفضل بصرفه.. كما تشاء على ما يهمك."

لم يملك الشجاعة للمطالبة بسعر عالٍ؛ فكل ما أراده هو شكر اللورد على تركه حياً.

"قبل ذلك."

توقف قلبه مجدداً وهو يظن أنه وجد طريق النجاة. وضع كايوس سيجاره المشتعل جانباً وطلب ببطء:

"عنوان إرمولي. أعطني عنوان لويز هنرييت إرمولي أولاً."

لو طلب منه عنوان شقيقه لأعطاه إياه دون تردد؛ فبالنسبة له، لويز كانت مجرد فتاة لا قيمة لها، ولا يهمه ما سيحل بها. انفتحت شفتا توني بالمعلومات دون أي تأخير.

لم تستطع لويز النوم. وبما أن جسد والدتها كان يرقد على سريرها الوحيد، فقد قضت ليلتها مطرقة الرأس على الطاولة الخشبية الصلبة.

استيقظت لويز باكراً وانتظرت العربة التي وعد الفيكونت بإرسالها، لكن الصباح انقضى ولم يظهر أحد. خرجت تسير في الطريق الترابي، وظنت أن موقع منزلها المنعزل قد يكون عائقاً أمام وصول العربة، فصعدت التل لتراقب الطريق.. لكن لا أثر لأي عربة تقترب.

عندما تجاوزت الشمس كبد السماء وبدأت تميل نحو الغرب، نفد صبر لويز. لم يكن من شيم الفيكونت إنجل إخلاف وعده، فلا بد أن مكروهاً قد أصابه. قررت الذهاب بنفسها لتستطلع الأمر.

منذ اللحظة الأولى، بدا منزل الفيكونت كئيباً على غير العادة. لم تلمح فتى المراسلة، وكان الخدم يسيرون في الردهات بصمت مطبق ووجوه واجمة. وعندما توجهت لغرفة الشقيقتين، وجدتهما تبكيان بحرقة تفوق بكاءها هي على والدتها.

"واريس؟ إيريني، ماذا حدث؟"

ركضت الفتاة ذات الأربعة عشر ربيعاً نحو لويز وهي تنادي:

"معلمتي، ماذا أفعل؟ لقد اقتادت الشرطة والدي بعيداً في الصباح الباكر!"

الفتاتان اللتان فقدتا والدتهما في سن صغيرة ونشأتا في دلال الفيكونت، بدا وكأنهما نسيتا مصيبة لويز من فرط الصدمة.

"ماذا؟ الشرطة؟ ما الذي جرى؟"

"لا نعلم.. لا بد أنه سوء تفاهم، أليس كذلك يا معلمتي؟"

لم تستطع لويز الحصول على أي معلومة مفيدة من الفتاتين الغارقتين في الدموع، لكنها لم تستطع أيضاً التخلي عنهما في هذه الحالة. طُرق الباب، وكان "بيترو"، الابن الأكبر للفيكونت.

"سيدة لويز."

أومأ لها برأسه، فانسلّت لويز من الغرفة. وفي الردهة، انحنى بيترو باعتذار:

"علمتُ بقدومكِ، وأنا آسف جداً لما أصاب والدتكِ. لقد صليتُ لأجلها."

"....... شكراً لك."

أطرقت لويز برأسها في يأس. لم تخبر بيترو عن الوعد الذي قطعه والده لها؛ فهو قد عاد للتو من الخدمة العسكرية ومنشغل بدروس الوريث، ولم تكن تجرؤ على المطالبة براتبها مقدماً وهو في هذه المحنة، خاصة بعد اعتقال والده المفاجئ.

سألت بنبرة قلقة: "ماذا حدث للفيكونت؟ آمل ألا يكون الأمر خطيراً."

كان الفيكونت رجلاً نبيلاً ولورداً موثوقاً في "ميلك"، ومع ذلك، شعرت لويز بالخزي لأن جزءاً منها كان يريده أن يعود فقط ليساعدها في جنازة والدتها.

تحدث بيترو وعيناه الزرقاوان تلمعان بجدية:

"لقد عثروا على مخدرات في شحنة نبيذ من مصنعنا، لكن لا بد أن هناك خطأ ما. مصنعنا ينتج أجود أنواع النبيذ ونصدره إلى "دوموس"، لن نقوم أبداً بعمل دنيء كهذا."

بالطبع صدقت لويز كلامه، لكنها كانت تعرف جيداً كيف تدار الأمور في أروقة السلطة؛ فهم الذين اخترعوا تهمة باطلة للاستيلاء على أراضي "لينز" المشمسة من عائلة "إرمولي" سابقاً. إذا كان الفيكونت قد أغضب أحداً من أصحاب النفوذ، فإن المصنع ومكانة الفيكونت في خطر داكن.

ربما لن يعود الفيكونت أبداً. ربما سيُجرد من لقبه وأملاكه تماماً كما حدث لعائلة "إرمولي".

لكنها لم تستطع قول ذلك.

"لا بد أنه سوء تفاهم، سيعود الفيكونت قريباً، لا تقلق يا بيترو."

أجبرت لويز نفسها على الابتسام لتقدم له المواساة.

وقبل أن يكمل بيترو حديثه، انفتح الباب وخرجت الفتاتان وهما تصرخان: "أخي، هل تقصد أن والدي قيد الاحتجاز؟"

ارتبك بيترو وهو ينظر إلى لويز، التي انحنت في تحية سريعة وهمّت بالمغادرة.

من أجل والدتها، تمنت لويز مرة أخرى -بأنانية يائسة- أن يعود الفيكونت سريعاً.

**

تعليقات

"ركن الحكايات.. حيث تذوب القلوب بين السطور

قائمة الاعمال المترجمة

The duke's bed warmer

-الفصل (1)- صحوة النظام

المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي

الفصل (1) ثمن الابنة